ملخص
الجيش الإسرائيلي وإزاء الضغوط الأميركية في شأن جبهة لبنان قدم توصية للمستوى السياسي يدعو فيها إلى اتخاذ خطوات عملية لتخفيف ارتباط إسرائيل مع الولايات المتحدة، وأكد أن على إسرائيل التمسك بعدم الانسحاب في أي مرحلة إلا إذا أكد الواقع على الأرض نزع سلاح "حزب الله"، مدعياً أن الحزب ما زال يستعد ويخطط لأي طارئ يدفعه إلى توجيه هجمات على إسرائيل، وأن المسيرات المتفجرة ما زالت تشكل قلقاً مركزياً لدى الأجهزة الأمنية.
وضعت الضغوط الأميركية المستوى السياسي الإسرائيلي، وتحديداً رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أمام معضلة يستبعد أمنيون وسياسيون حلها قبل الانتخابات البرلمانية نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وذلك في ظل المطالب الداخلية لحسم ملفي غزة ولبنان بما يضمن أمن إسرائيل وسكانها.
النقاش الداخلي في إسرائيل احتدم بعد تفجير مبنى في مجدلزون، جنوب لبنان ومقتل جنديين وجرح أربعة في الأقل، وارتفعت الأصوات الداعية إلى توسيع العمليات وتكثيف القصف على جنوب لبنان، بما يضمن تنفيذ ما تبقى في بنك الأهداف التي وضعتها المؤسستان العسكرية والأمنية بعد اتفاق وقف النار الأخير.
في موازاة هذا النقاش والتصعيد الأمني على هذه الجبهة شكلت جبهة غزة نقاشات وصلت إلى حد الخلافات بين المؤسستين العسكرية والسياسية من جهة وداخل المؤسسة الأمنية من جهة أخرى بعد ما كشف من تسريبات داخل الكابينت الأخير، المفترض أن يعقد مساء غد الأحد جلسة استمرارية، عكست حدة النقاش والخلاف في أعقاب الضغوط الأميركية التي دعت تل أبيب إلى اتخاذ خطوات عملية في غزة وأيضاً لبنان للتقدم نحو تهدئة على الجبهتين، مع اقتراب انتهاء العام الثالث لهذه الحرب.
ما أثار الوضع في غزة التحذيرات التي خرج بها مسؤولون أمنيون في مقدمتهم رئيس الشاباك، ديفيد زيني، الذي حذر مما سماه "7 أكتوبر سياسي" إذا ما وافقت إسرائيل على التقدم في خريطة الطريق التي طرحها "مجلس السلام" للمرحلة الثانية من اتفاق غزة. تحذيرات زيني تأتي انطلاقاً من استخلاص بحث أمني حول وضعية "حماس" يشير إلى أن موافقة الحركة على نزع السلاح تأتي ضمن "عملية تضليل" هدفها كسب الوقت ومنع إسرائيل من استئناف هجماتها.
من جهة أخرى، فإن الضغوط الأميركية المكثفة على تل أبيب باتت، بحسب مسؤولين، تشكل عقبة أمام تقدم إسرائيل في تحقيق أهدافها على الجبهتين. ونقل عن مسؤول مطلع على سير التنسيق والمحادثات بين إسرائيل والولايات المتحدة أن الضغوط الحالية على غزة، لبدء وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين تمهيداً لوضع خطة لنزع سلاح "حماس".
هذا المطلب طُرح للنقاش وعارضه وزراء في الكابينت وأيضاً مسؤولون في الأجهزة الأمنية، وقد دعوا إلى استمرار الهجمات على قطاع غزة. وفي أعقاب احتدام الخلاف الداخلي والتقارير المتناقضة قال سكرتير الحكومة يوسي فوكس، في تصريح استثنائي، إن إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق التي تسمح للقوات متعددة الجنسيات بدخول غزة، وهو موضوع سيكون في مركز أبحاث الكابينت، غداً، إلى جانب ملف لبنان.
وفي خطوة لاستباق قرارات تحسم فيها الولايات المتحدة ولا تستطيع إسرائيل إلا التجاوب معها، طرحت الأجهزة الأمنية على طاولة أبحاثها مقترح إعادة تفعيل الميليشيات الفلسطينية المسلحة التي تعمل بدعم ورعاية الشاباك وأجهزة أمنية أخرى, ووفق الإسرائيليين، فقد شُكلت سبع ميليشيات في الأقل وعملت بصورة مكثفة حتى إعلان اتفاق ترمب لوقف الحرب في غزة وجرى تراجع أو توقف عملها، في وقت عادت "حماس" لتعزز قدراتها العسكرية وبناها التحتية، وفق مسؤول أمني إسرائيلي.
ووفق ما كشفت قناة "كان" الإخبارية، فإن البحث المركزي للأجهزة الأمنية هو نقل هذه الميليشيات إلى مدينة "رفح الجديدة"، التي تخطط الإمارات لإقامتها في قطاع غزة وستُنقل عناصر هذه الميليشيات إلى هذه المدينة في حال توصل إلى اتفاق لبدء تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق غزة، ولا سيما إذا شملت انسحاباً من مناطق يعملون فيها حالياً تحت حماية الجيش الإسرائيلي.
بحسب التقرير الإسرائيلي، فإن من تبقى من هذه الميليشيات سيساعد الجيش في تفتيش الأنفاق وإجراء عمليات تمشيط في مختلف المناطق داخل قطاع غزة ضمن الجهود المبذولة لتقويض قدرات حركة "حماس". وترى الأجهزة الأمنية أن بدء تنفيذ المرحلة الثانية ووضع ترتيبات جديدة في غزة لن تتيح بقاء استمرار هذه الميليشيات حيث توجد اليوم.
واقتراح نقلها إلى "رفح الجديدة" كون هذه المدينة ستكون خاضعة لحماية القوة الدولية متعددة الجنسيات جنوب القطاع، ويفترض ضمان حمايتهم إلى جانب تنسيق عملهم مع القوات الدولية والشاباك.
استئناف العمليات في غزة ولبنان
وبينما تعالت أصوات الوزراء والمسؤولين الأمنيين والعسكريين باستئناف فوري للعمليات العسكرية في غزة، وتكثيفها في لبنان، توافق إسرائيليون من أمنيين وعسكريين وسياسيين على ضرورة منع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق ترمب وفق ما يطرحها "مجلس السلام"، التي تشمل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وقوة الاستقرار الدولية، على أن تُفكك في الوقت نفسه الأسلحة الثقيلة التي في حوزة "حماس" والأنفاق وبدء الانسحاب الإسرائيلي.
وكما في غزة كذلك في لبنان، هناك خلافات داخلية لكن هذه المرة تغلغلت حتى داخل المؤسستين السياسية والعسكرية في أعقاب ما وصفه مسؤول سياسي بالتسرع العسكري للرد على تفجير مبنى مجدلزون والدعوة لتوسيع القصف والهجوم، انطلاقاً من أن "حزب الله" خرق اتفاق وقف النار، إذ اتضح لاحقاً وفي أعقاب إثارة تساؤلات من قبل نتنياهو ومسؤولين سياسيين حول المتفجرات أو اللغم وإذا كان قبل اتفاق وقف إطلاق النار أم بعده وهل هو يعود إلى "حزب الله" أم لا.
التحقيقات في الجيش الإسرائيلي حسمت أن المتفجرات إسرائيلية، مما يعني أنها موجودة قبل اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما تفهمه نتنياهو ودفعه لعدم التجاوب مع مطالب المستوى العسكري بتوسيع الهجمات والقتال على لبنان، وقد تعرض لانتقادات واسعة من واشنطن على رد إسرائيل الواسع والذي شمل إخلاء سكان مدنيين من بيوتهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نتنياهو، وضمن الضغوط الأميركية، طُولب بتخفيف حدة التهديدات والهجمات على لبنان بل ودخل في خلافات مع وزير أمنه يسرائيل كاتس، بعدما أثارت تصريحات الأخير انتقادات واسعة بما في ذلك من داخل المؤسسة العسكرية عندما انتقد الوحدة العسكرية التي دخلت إلى المبنى المفخخ في مجدلزون، ولم تنفذ تعليماته بهدم كل مبنى يمر من أمامه الجنود جنوب لبنان وعدم الدخول إليه وتمشيطه كما كان يجب أن تفعل الفرقة العسكرية التي دخلت إلى المبنى المفخخ.
الجيش الإسرائيلي وإزاء الضغوط الأميركية في شأن جبهة لبنان قدم توصية للمستوى السياسي، يدعو فيها إلى اتخاذ خطوات عملية لتخفيف ارتباط إسرائيل مع الولايات المتحدة، وأكد أن على إسرائيل التمسك بعدم الانسحاب في أي مرحلة إلا إذا أكد الواقع على الأرض نزع سلاح "حزب الله"، مدعياً أن الحزب ما زال يستعد ويخطط لأي طارئ يدفعه إلى توجيه هجمات على إسرائيل، وأن المسيرات المتفجرة ما زالت تشكل قلقاً مركزياً لدى الأجهزة الأمنية.
الثمن الباهظ لمكانة إسرائيل الدولية
أمام التهديدات والخلافات حول الخطوات العسكرية التي تتخذها إسرائيل تجاه جبهتي غزة ولبنان، هناك من حذَّر من تداعيات ذلك على مكانة ووضعية إسرائيل الدولية واستمرار عزلها. عضو الكنيست السابق عوفر شيلح اعتبر أن دفع الثمن الباهظ لا يقتصر على تصريحات وتهديدات المسؤولين، بل لحقيقة استمرار الحرب واقتراب انتهاء عامها الثالث من دون أفق قريب ولا خطة خروج استراتيجية منها.
وركز شيلح على لبنان بعدما تكشفت حقيقة انفجار مبنى مجدلزون، واعتبر أن تجنب تكرار سيناريو السابع من أكتوبر 2023 لا يتطلب بقاء إسرائيل في لبنان ولا إقامة مواقع متقدمة في عمق الأراضي أو تدمير بنت جبيل، وقال "حتى إقامة حزام أمني في الشمال لا يحمي سكان الجليل، بل يطيل مدة الحرب وكل ما تنفذه إسرائيل في لبنان وغزة ليس نصراً كاملاً فلم يُجرد "حزب الله" من سلاحه، بل كان فقط هناك هدوء تام في الشمال، وحقق أكبر فائدة سياسية وأقل عبء على الجيش الإسرائيلي. بعد ذلك جاءت عملية "زئير الأسد"، وأطلق "حزب الله" وابلاً من القذائف على إسرائيل. سارعت الحكومة والقيادة العسكرية إلى الإعلان بأن التنظيم ارتكب "خطأ استراتيجياً"، والآن ستجري محاسبته على ذلك. بدأت في لبنان خطوة عبثية ضمن حملة يعتقد معظم الإسرائيليين أن إيران ووكلاءها انتصروا فيها، وما زالوا يدعمون استمرارها، لأن المجتمع في إسرائيل، المتعب من الصدمة والإرهاق، لم يعد يعرف غير ذلك".
وأشار شيلح إلى أن الخطورة المتزايدة إلى جانب استمرار الحرب تكمن في الكلفة الباهظة التي تنعكس سلباً على مختلف الجوانب في إسرائيل، وقال إن توقعات المسؤولين أن تصل كلفة الاحتياط، وفق ما تخطط له إسرائيل على جبهتي غزة ولبنان، إلى 10 مليارات دولار وحذر "الحرب التي لا نهاية لها ليست أمراً مفروغاً منه، نحن ندفع ثمناً باهظاً لها على صعيد مكانة إسرائيل الدولية وكفاءة الجيش وانضباطه وإنتاجه الاقتصادي، وعلى صعيد الحال النفسية المتأزمة للمجتمع. ما يجب فعله من أجل أمن إسرائيل وحماية جنود الاحتياط هو ببساطة إنهاء الحرب".