Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاقتراع أو الغرامة.. بريطانيا تتجه نحو إلزامية التصويت

ضمن مشروع قانون "تمثيل الشعب" الذي سيناقشه البرلمان بعد العودة من العطلة الصيفية

لم تعرف بريطانيا التصويت الإلزامي في تاريخها (غيتي)

ملخص

تعود فكرة إلزام البريطانيين بالتصويت لواجهة النقاش السياسي في لندن، بعدما وصلت أوراق بحثية تقترح فرض "واجب قانوني بالاقتراع" وغرامة قدرها 10 جنيهات استرلينيه على المتخلفين عنه إلى مكاتب كبار مستشاري رئيس الوزراء الجديد أندي بيرنهام. المؤيدون يستندون إلى انهيار نسب المشاركة وتفاوتها بين الفئات الاجتماعية، بينما يرى المعارضون أن إجبار المواطن على الذهاب إلى الصندوق يناقض جوهر الحرية السياسية.

دخلت فكرة التصويت الإلزامي دائرة الضوء في بريطانيا مع تسلم آندي بيرنهام مقاليد الحكومة في يوليو (تموز) الماضي، فكشفت صحيفة "التايمز" عن أن مقترحات لجعل التصويت واجباً قانونياً، مصحوبة باقتراح غرامة قدرها 10 جنيهات على من يبقى في منزله يوم الاقتراع، اطلع عليها أعضاء في فريقه الانتقالي قبل دخوله "داونينغ ستريت"، فيما أعدت أوراق مؤيدة للسياسة أو أقرت من أشخاص تولوا لاحقاً مناصب رفيعة في مقر رئاسة الوزراء. وتشمل الصيغة المطروحة إدراج خيار "لا أحد من المرشحين في ورقة الاقتراع"، بما يتيح للمواطن رفض جميع المتنافسين رسمياً.

ووفق ما نقل عن مصادر حكومية، لا يشكل التصويت الإلزامي حتى الآن جزءاً من خطة بيرنهام المعلنة، على رغم اهتمامه المعروف بالإصلاح الانتخابي وتعهده بالدفع لإدراجه في بيان حزب العمال الانتخابي المقبل. غير أن ثلاثة مراكز أبحاث وثيقة الصلة بدوائر صنع القرار العمالي تبنت الفكرة علناً، وهي "ثينك ليبر"، ومعهد "أبحاث السياسات العامة"، ومؤسسة "ديموس"، أما في البرلمان فتحول النقاش إلى نصوص تشريعية فعلية.

تقدمت النائبة العمالية أنطونيا بانس بتعديل على مشروع قانون تمثيل الشعب يلزم الوزراء بإعداد خطط لـ"واجب التصويت" الإجباري في مقابل غرامة 10 جنيهات، مع السماح للناخب بالامتناع من التصويت عبر وضع ورقة بيضاء أو معارضة للمرشحين، وإعفاء العاجزين عن المشاركة بسبب المرض أو الإعاقة أو الوجود خارج البلاد أو لأسباب دينية أو عقائدية، ويسير تعديل مماثل باسم النائبة بيل ريبيرو - آدي في الاتجاه ذاته.

ومشروع قانون "تمثيل الشعب" قدم إلى مجلس العموم في فبراير (شباط) 2026، ويشمل خفض سن الاقتراع إلى 16 سنة، والتسجيل التلقائي للناخبين، وتشديد قواعد التبرعات السياسية، وقد أرجئت القراءة الثالثة له إلى ما بعد العطلة الصيفية للبرلمان، وهو ما فسر على أنه رغبة من بيرنهام في توسيع نطاق التشريع، في حين يتصدر قائمة التعديلات مطلب بتشكيل لجنة وطنية للإصلاح الانتخابي وقع عليه نحو ثلث أعضاء مجلس العموم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يستند أنصار الإلزام إلى أرقام صادمة، فقد تراجعت نسبة المشاركة في الانتخابات العامة لعام 2024 إلى 59.8 في المئة من الناخبين المسجلين، وهي ثاني أدنى نسبة مسجلة على الإطلاق، وإذا أضيف من يحق لهم التصويت لكنهم غير مسجلين، تهبط النسبة الحقيقية إلى نحو 53 في المئة بحسب تقديرات معهد أبحاث السياسات العامة.

لكن المشكلة الأعمق في نظر المؤيدين ليست حجم العزوف بل توزيعه غير المتكافئ، فبحسب دراسة صادرة عن مركز "المؤسسة الدستورية" في شهر يوليو (تموز) 2025، كانت نسبة المشاركة عام 2024 أعلى بـ13 نقطة مئوية بين البيض منها بين الأقليات العرقية، وبـ22 نقطة لدى الفئات الاجتماعية الميسورة مقارنة بالأفقر، وبـ34 نقطة لدى من تجاوزوا الـ65 مقارنة بالفئة بين 18 و24 سنة، وبـ36 نقطة بين مالكي المنازل بالكامل مقارنة بمستأجري القطاع الخاص.

وتخلص الدراسة إلى أن تدني المشاركة وتفاوتها لم يعد مجرد عرض من أعراض الاعتلال الديمقراطي، بل عامل مساهم فيه، ويضيف هاري كويلتر - بينر، المدير التنفيذي لمعهد أبحاث السياسات العامة، حجتين، الأولى أن التصويت واجب مدني لا يختلف عن دفع الضرائب أو أداء خدمة المحلفين، والثانية أن النظام أثبت فاعليته، إذ لم تهبط المشاركة في أستراليا تحت 90 في المئة سوى مرة واحدة منذ إقرار إلزامي التصويت قبل قرن.

وتذهب حملة "الحملة من أجل التصويت الإلزامي" إلى أن الغاية ليست العقاب، فالمقصود، بحسب القائمين عليها، جعل التصويت هو الوضع الافتراضي بدل أن يكون خياراً يقبل عليه المرء طوعاً، وفي أستراليا تبلغ الغرامة 20 دولاراً أسترالياً، أي نحو 10 جنيهات، ويمكن إسقاطها عند تقديم عذر مقبول، كما أن الناخب غير مجبر على اختيار حزب بعينه، إذ يحق له إبطال ورقته أو تركها بيضاء.

في المقابل، يرفع المعارضون راية الحرية الفردية. فالباحث تشارلز آموس يرى أن سقف تبرير الإلزام في مجتمع ليبرالي يجب أن يكون مرتفعاً جداً، وأن يقتصر على حالات تكون فيها المنفعة الاجتماعية هائلة أو ضرورية لصون الحرية نفسها، كما في التجنيد الإجباري زمن الحرب، وهو شرط لا يستوفيه إلزام المواطن بقضاء ربع ساعة في التصويت. ويضيف أن إجبار من يمتنعون لأنهم لا يعرفون كفاية سيزيد الوزن الانتخابي لناخبين قليلي الاطلاع، لا سيما أن نسبة مشاركة الشباب لم تتجاوز 37 في المئة عام 2024، وأن السبب الرئيس الذي يقدمونه هو نقص المعرفة.

ويستحضر هذا التيار الحجة الكلاسيكية القائلة إن الحق في التصويت يتضمن الحق في الامتناع عنه، وأن معاقبة ممارسة هذه الحرية إجراء غير ليبرالي في جوهره. غير أن دراسة "المؤسسة الدستورية" ترد بأن الحقوق لا تستتبع بالضرورة حقاً مقابلاً في التخلي عنها، وأن المحاكم الأسترالية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لم تعترف قط بوجود "حق في عدم التصويت". وقد استندت المذكرة المقدمة إلى لجنة مشروع القانون في مارس (آذار) 2026 إلى أن التصويت الإلزامي، مع إتاحة الورقة البيضاء أو المبطلة، يتوافق مع المادتين التاسعة والعاشرة من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان، استناداً إلى قرار في قضية "إكس ضد النمسا" عام 1972.

ثمة اعتراض عملي آخر يتعلق بالتوقيت السياسي، إذ يرى منتقدون أن حكومة لم تأت عبر انتخابات عامة تفتقر إلى التفويض اللازم لتغيير قواعد اللعبة الانتخابية نفسها. وكان النائب العمالي السابق ستيفن باوند قد لخص التردد السائد بقوله إن غريزته الأساسية تميل إلى اعتبار التصويت خياراً، على رغم وجود حجة قوية تجعله مسؤولية.

 

تكشف استطلاعات الرأي عن انقسام حاد، ففي واحد أجرته مؤسسة "يوغوف" في 27 يوليو 2026 على 4691 بريطانياً بالغاً، أيد 43 في المئة جعل التصويت إلزامياً في الانتخابات العامة مع غرامة على الممتنعين، في مقابل 47 في المئة عارضوا، بينهم 26 في المئة عارضوا بشدة، فيما لم يحسم 10 في المئة موقفهم. وتتسع الفجوة على المستوى المحلي، إذ هبط التأييد إلى 36 في المئة في مقابل 53 في المئة رفضوا الفكرة في انتخابات المجالس البلدية.

غير أن الصورة تبدو مختلفة في استطلاعات سابقة، فقد أظهر استطلاع لمؤسسة "دلتابول" في أبريل (نيسان) 2024 واستطلاع لـ"يوغوف" في أبريل 2025 تأييداً بنسبة 48 في المئة في مقابل رفض 42 في المئة، كما أفاد 67 في المئة بأن على المواطنين واجباً بالتصويت في الانتخابات العامة، وأبدى 72 في المئة قلقهم من إهمال السياسيين مصالح الفئات الأقل إقبالاً على الاقتراع.

لم تعرف بريطانيا التصويت الإلزامي في أية مرحلة من تاريخها، لكن الفكرة ظلت تطل برأسها دورياً منذ عشرينيات القرن الماضي، وناقشها مجلس اللوردات في جلسة مخصصة عام 1926، وتكثفت المحاولات مع تراجع المشاركة مطلع الألفية. ففي عام 2000 نشر النائبان العماليان توم واتسون ومارك تامي كراساً بعنوان "أصوات للجميع" ضمن سلسلة لجمعية "فابيان"، وفي 2001 تقدم النائب غاريث توماس بمشروع قانون لإقرار التصويت الإلزامي، وفي 2006 أصدر معهد أبحاث السياسات العامة تقريراً بعنوان "واجب المواطن" دافع فيه عن النموذج الأسترالي، كما ناقشت ورقة خضراء لوزارة العدل عام 2009 إمكان جعل التصويت واجباً مدنياً قانونياً من دون عقوبة.

واستمرت المحاولات بعد خروج حزب العمال من الحكم، فقد قدمت تعديلات بهذا المعنى على مشروع قانون التصويت البرلماني والدوائر في مجلس اللوردات أواخر 2010، وعلى مشروع قانون الاستفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي في مجلس العموم أواخر 2013، وفي مطلع 2015 تقدم النائب العمالي ديفيد وينيك بمشروع قانون فردي لجعل التصويت التزاماً قانونياً من دون نجاح، فيما اقترح تقرير لمعهد أبحاث السياسات العامة عام 2013 قصر الإلزام على الناخبين الجدد فقط.

في 2014 أجرت لجنة الإصلاح السياسي والدستوري في مجلس العموم تحقيقاً في مشاركة الناخبين، لكنها لم تتوصل إلى موقف موحد في شأن التصويت الإلزامي، وأوصت بمزيد من البحث، فيما ردت حكومة الائتلاف في فبراير 2015 بأنه لا خطط لديها لإقراره.

يذكر أن عنصر الإلزام موجود أصلاً في النظام الانتخابي البريطاني، وإن نادراً ما يطبق، إذ يمكن نظرياً تغريم من يمتنع عن تقديم بيانات التسجيل في القوائم الانتخابية عند طلبها رسمياً بما يصل إلى ألف جنيه استرليني.

 

القارة الأوروبية ليست غريبة عن الفكرة، لكن تجاربها متباينة إلى حد التناقض، بلجيكا هي النموذج الأقدم، إذ اعتمدت الإلزام منذ 1892، وبقيت نسبة المشاركة فيها مرتفعة، بمعدل 88.9 في المئة في الانتخابات البرلمانية الخمس الأخيرة، على رغم أن أحداً لم يلاحق قضائياً أو يغرم منذ 2003. وتنص القوانين البلجيكية نظرياً على غرامة بين 40 و80 يورو عن الغياب الأول من دون مبرر، وبين 80 و200 يورو عن الغياب الثاني.

قدمت بلجيكا أخيراً ما يشبه التجربة المخبرية، فبعدما ألغى إقليم "فلاندرز" الإلزام في الانتخابات المحلية بموجب مرسوم عام 2021، هبطت المشاركة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 إلى 63.5 في المئة في فلاندرز، بينما اقتصر التراجع في والونيا التي أبقت على الإلزام على نسبة طفيفة بلغت 87.6 في المئة، علماً بأن النسبة كانت متقاربة في الإقليمين عام 2018 عند نحو 92 في المئة في فلاندرز و87 في المئة في بقية البلاد.

تقدم هولندا تجربة معاكسة، فقد طبقت الإلزام 53 عاماً بدءاً من عام 1917، قبل أن يصوت مجلس النواب بغالبية على إلغائه في 1970 بحجة أنه ينتقص من الثقة بالديمقراطية، وأدى الإلغاء إلى تراجع المشاركة بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المئة في انتخابات المقاطعات والبلديات، وبنحو 40 في المئة في انتخابات البرلمان الأوروبي.

في بقية أوروبا، تتراوح التجارب بين النص الرمزي والتطبيق الفعلي، فاليونان ما زال دستورها ينص في المادة 51 على إلزامية التصويت، لكن العقوبات الإدارية ألغيت رسمياً عام 2000، ولوكسمبورغ تفرض غرامات مع إعفاء من تجاوزوا 75 سنة، وبلغاريا أقرت الإلزام عام 2016 ثم جعلته غير قابل للتنفيذ بعد عام واحد، فيما طبقته إيطاليا بين 1945 و1993 قبل أن تتخلى عن أي تطبيق له. ويظل أثر الإلزام واضحاً في الأرقام، إذ تسجل لوكسمبورغ وبلجيكا أعلى نسب مشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي بين دول الاتحاد.

يبقى مصير الفكرة بريطانيا رهناً بحسابات سياسية معقدة، فالحكومة تخوض معركة تشريعية أصلاً حول خفض سن الاقتراع إلى الـ16، وهو إجراء يمنح نحو 1.7 مليون شاب حق التصويت في الانتخابات البرلمانية، وقد وصفه زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج بأنه محاولة للتلاعب بالنظام السياسي، وإضافة تعديل بحجم التصويت الإلزامي إلى المشروع نفسه ستفتح جبهة دستورية جديدة أمام حكومة تتصدر استطلاعات الرأي منافستها اليمينية.

كذلك فإن نجاح أي نظام إلزامي يفترض بنية تحتية انتخابية مختلفة، فدراسة "المؤسسة الدستورية" تشترط لتطبيقه اقتران الإلزام بالتسجيل التلقائي للناخبين، وتخفيف اشتراطات الهوية المصورة أو إلغائها، وربما نقل الاقتراع إلى عطلة نهاية الأسبوع، على غرار النموذج الأسترالي الذي لا يشترط أية هوية ويجري انتخاباته أيام السبت. وهي شروط تعني عملياً إعادة بناء منظومة الاقتراع البريطانية، لا مجرد إضافة مادة عقابية إليها.

وحتى الآن، تبقى المسافة قائمة بين مراكز الأبحاث التي تدفع بالفكرة والحكومة التي لم تتبنها رسمياً. لكن إدراج التعديلات في جدول أعمال مجلس العموم بعد العطلة الصيفية سيجبر الوزراء على إعلان موقف صريح، في اختبار مبكر لمدى استعداد رئيس وزراء لم يمر بانتخابات عامة، للمضي في أعمق تعديل على قواعد الديمقراطية البريطانية منذ عقود.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير