ملخص
سيرة ضحية واحدة تتحول، عبر 9 سنوات من البحث في 5 دول، إلى وثيقة عن بلد كامل ونظام حكم بأسره.
غالبية الأفلام التي تتناول الاختفاء القسري تكتفي بسرد وقائعه... "بابا والقذافي"، الذي عُرض ضمن مهرجان عمان السينمائي الدولي - أول فيلم في دورته السابعة، يذهب أبعد من ذلك منذ لقطته الأولى: يستخدم غياب رجل واحد ليكشف كيف كان يعمل نظام كامل.
منصور الكيخيا كان وزير خارجية ليبيا السابق وسفيرها لدى الأمم المتحدة قبل أن يختفي. حكاية غيابه، كما يرويها الفيلم، هي في الوقت نفسه حكاية تحول ليبيا من مملكة إلى جمهورية بوليسية، وحكاية كيف حول القذافي التغييب القسري من حادثة استثنائية إلى أداة حكم دائمة.
وراء هذا الطموح يقف عمل بحثي ضخم امتد تسع سنوات متواصلة، تنقلت خلالها كاميرا الإنتاج بين خمس دول بحثاً عن مواد أرشيفية لم يكن بعضها متاحاً من قبل، وجمعت خلاله أكثر من 60 شهادة موثقة مع سياسيين وحقوقيين ومقربين من عائلة الكيخيا.
نتيجة هذا الجهد ظهرت في رحلة الفيلم نفسها: عرض خارج المسابقة الرسمية في الدورة الـ82 لمهرجان البندقية، وهو أول ظهور لافت للسينما الليبية في محفل بهذا الحجم منذ سنوات، ثم انتقل إلى الدوحة، فمراكش، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم.
وخلف هذا العمل الطموح تقف جيهان ك. الكيخيا، أو "جيجي"، كما تحب أن تنادى، مخرجة ليبية أميركية تخوض تجربتها الأولى في الفيلم الوثائقي الطويل، بعدما أسست شركة إنتاجها الخاصة Desert Power لتكون هذا العمل باكورتها.
إنها الابنة التي اختارت أن تحمل كاميرا بدلاً من أن تكتفي بالسؤال، فحولت غياب والدها مادة بصرية تشرك المشاهد في رحلة بحث امتدت عقدين كاملين من الزمن.
غياب يصنع سلطة
اختفى الكيخيا في القاهرة عام 1993 أثناء زيارته لحضور اجتماع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان التي أسهم في تأسيسها، بعد سنوات من انشقاقه عن نظام القذافي ورفضه العنف والتطبيع مع الاستبداد.
لم يظهر له أثر حتى سقط النظام عام 2011، حين عثر على جثمانه مجمداً قرب فيلا أمنية تابعة لأبناء القذافي. 19 سنة من الغموض المتعمد لم تكن سوى وسيلة من وسائل الحكم، إذ يوثق الفيلم كيف تحول الغياب نفسه إلى أداة ترهيب مفتوحة، لا تطاول العائلة وحدها، بل كل من يفكر في معارضة النظام.
أم تحمل الفيلم على كتفيها
يقود هذا الخط الأم بهاء العمري، الفنانة السورية - الأميركية، بثقل لافت. بهاء هي من تروي الوداع الأخير لزوجها، وهي من تقود حملة البحث الدولية طوال عقدين، وهي من تجد نفسها أخيراً وجهاً لوجه مع القذافي في خيمته الصحراوية، تفاوضه بحذر على مصير زوجها وهي لا تأمن على حياتها.
امرأة تحمل هشاشتها الإنسانية بكامل كرامتها، أمام رجل يتقن لعبة الغموض حتى في لحظة المواجهة المباشرة: هذا المشهد وحده يمنح الشريط واحدة من أقوى لحظاته درامياً وإنسانياً.
بين الحضور الخافت والاختيار الواعي
يلاحظ المشاهد أن جيهان، صاحبة الفيلم والطفلة التي فقدت أباها، تترك مساحة واسعة لأمها ووالدها عبر الأرشيف، بينما يظل صوتها الذاتي أكثر تحفظاً مما قد ينتظر من عمل شخصي بهذا القدر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يمكن قراءة هذا الخيار على أنه تواضع فني متعمد، إذ تفضل جيهان أن تروي قصة عائلتها بدلاً من أن تفرض نفسها بطلة وحيدة للسرد، وهو خيار له وجاهته الفنية، لكنه في الوقت ذاته يترك سؤالاً مفتوحاً حول أثر توقيت المشروع، الذي بدأ تصويره عام 2016، أي بعد خمس سنوات من العثور على جثمان الأب ودفنه، مما يجعل الخط الاستقصائي في الفيلم أقرب أحياناً إلى استعادة رحلة منتهية منه إلى كشف حي يتكشف أمام الكاميرا.
الأرشيف بطل حقيقي
يكمن السحر الفعلي للعمل في الأرشيف العائلي، مقاطع الفيديو المنزلي، الصور القديمة، تسجيلات الطفولة. هذه المواد الخام البسيطة تمنح الفيلم نبضه الحقيقي وتكشف مهارة جيهان في تحويل أرشيف خاص إلى وثيقة عامة، أكثر مما تفعله أي محاولة لبناء تشويق بوليسي حول قضية باتت نهايتها معروفة لكل متابع للشأن الليبي.
حين تستعيد الكاميرا صوت الكيخيا الأخير وهو يودع زوجته قائلاً إن الموت مصير واحد مهما تعددت أسبابه، وكأن قدراً ما كان يسحبه نحو نهايته، لا تحتاج اللقطة إلى أي تعليق إضافي كي تصل.
وحين تختم جيهان فيلمها بالإشارة إلى أن ديكتاتوراً واحداً مات وحل محله ألف ديكتاتور، كما يصف أحد المشاركين في العمل، ينفتح الفيلم على أفق أوسع من قصته الأصلية. قصة الكيخيا تتردد صداها في عائلات سورية ما زالت تبحث عن مفقوديها حتى بعد سقوط من أخفاهم، وفي آلاف الأسماء المجهولة في غزة، وفي مفقودي الحرب الأهلية اللبنانية الذين لم تغلق ملفاتهم يوماً.
الإخفاء القسري، كما يوضح الفيلم ضمناً، عقوبة لا تقتصر على من اختفى، فهي تترك في كل بيت متبق صورة دائمة من الألم المعلق.
في المشهد الأخير الذي يجمع العائلة بجثمان الأب بعد 12 سنة من التجميد، حصل شقيق جيهان على ما يشبه الخاتمة، إذ تمكن من لمس يد والده المتوفى قبل الدفن، بينما حرمت جيهان من ذلك لأسباب دينية.
في هذا التفاوت الصغير داخل وداع واحد، يظهر أن الخسارة لا توزع بالتساوي حتى بين أفراد العائلة الواحدة، وأن الذاكرة تبقى مهمة ناقصة مهما طال الزمن. يخرج المشاهد من "بابا والقذافي" وقد شاهد عملاً يقف على الحدود الباهتة بين التوثيق والمذكرات الشخصية، بين قصة عائلة وقصة أمة كاملة.
منصور الكيخيا هنا ليس رجلاً واحداً اختفى في ليلة من ليالي القاهرة، هو اسم يقف خلفه رقم، وعائلة مبتورة ما زالت تبحث عن أثر.