ملخص
تعد وثائقيات النجوم بمثابة تراث فني يظل مواصلاً النمو والتنوع داخل البيئة الغربية، إذ يعثر السينيفيلي - الشخص الشغوف بالسينما - على عشرات الأفلام السينمائي التي تحتفي بالنجوم وتعمل على بلورة مشروعهم داخل الصورة السينمائية، وفي الوقت نفسه تكريس تجاربهم في المجال الفني.
نجحت الأفلام الوثائقية الخاصة بنجوم السينما والرياضة والغناء والموسيقى في استقطاع عدد كبير من المشاهدين الذين يجدون في هذه الأفلام الوثائقية متعة خاصة، لكونها تقدم لهم صورة حقيقية عن النجم الذي يستلطفون صورته وسيرته النجومية. ذلك أن هذه الأفلام وإن كانت لا تعرض داخل صالات سينمائية أو مهرجانات فنية، فإنها تظل تحظى باهتمام بالغ من المشاهدين وتدفعهم إلى خلق نقاش حقيقي حول بعض النجوم دون غيرهم.
ونظراً إلى هذا التفاعل الإيجابي القائم على فعل المشاهدة داخل منصات سينمائية مثل "نتفليكس" مثلاً، فإن المؤسسات الإنتاجية غدت تراهن على هذا النوع السينمائي وتجعله في مقدمة الأعمال التي تقوم بإنجازها، وعياً منها بالأثر الواضح الذي تتركه هذه الأفلام في سيرة المتلقي.
مع العلم أن شركات الإنتاج السينمائي في مجملها، لا يهمها الجانب الجمالي أو الأثر الفني الذي تتركه هذه الأعمال في بنية العمل السينمائي، بقدر ما يصبح معيار المداخيل المادية التي تجنيها من وراء عرض هذه الأفلام بمثابة المحدد الأساس على نجاح هذه الأفلام السينمائية. والحقيقة أنه على رغم الأرباح المادية التي حققها بعض الأفلام مثل "تايلور سويفت: جولة العصور" (2023) و"غيمس: قيد التسجيل" (2020) و"فرانك كابرا.. سيد أميركا" (2023) فإنها من الناحية الجمالية لم ترق إلى المستوى المطلوب. لكن هذه الأفلام تشاهد بقوة وتحتل مراتب متقدمة على منصات البث لدرجة أن هذا الأمر جعل المنتجين السينمائيين يراهنون عليها من أجل استقطاب أكبر عدد من المشاهدين.
تعد وثائقيات النجوم بمثابة تراث فني يظل مواصلاً النمو والتنوع داخل البيئة الغربية، إذ يعثر السينيفيلي - الشخص الشغوف بالسينما - على عشرات الأفلام السينمائي التي تحتفي بالنجوم وتعمل على بلورة مشروعهم داخل الصورة السينمائية وفي الوقت نفسه تكريس تجاربهم في المجال الفني. في حين أن الثقافة العربية ما زالت بعيداً من هذه النمط "التوثيقي" الذي يؤرخ لسيرة نجوم الإخراج والتمثيل والموسيقى والغناء، إذ على رغم وجود نجوم يضاهون نجوم الغرب شهرة، لا نجد وثائقيات خاصة من هذا النوع والتي تعيد حقيقة الاعتبار لهم وتجعلهم حاضرين في الذاكرة الجماعية العربية. إن السينما لها القدرة على "تخليد" النجم أكثر من الكتابة أو الفن نفسه، ذلك أن لها قدرة كبيرة على اختراق نسيج المجتمع وفرض الأفكار والمواقف والصور بطريقة ساحرة يصعب القبض عليها.
جماليات التوثيق
إن السينما وإن كانت ذات صورة مركبة تجمع الصورة والصوت والذوق، فإنها تظل أكثر الفنون شعبية واختراقاً لوجدان المتلقي. لذلك جعل منها عدد من الفنانين بين سبعينيات وثمانينيات القرن الـ20 بمثابة الوسيط البصري الذي يساعد الفنان على اختراق مجتمعه ومساعدته على تغلغل أفكاره وصورته انطلاقاً من عدد المغنين الذين اقتحموا السينما وجعلوا منها وسيلة لتكريس صورتهم الأيقونية وتجاربهم الفنية. لذلك، لولا الفن السابع كان من الصعب على المغني العربي أن يفرض نفسه على المتلقي، في وقت أصبحت خشبات المسارح العربية "فارغة" من المتفرجين، بسبب ذيوع الصورة السينمائية وانتشارها والتي لعبت دوراً من التأثير في انتقال فنانين مصريين من عالم الغناء إلى مجال التمثيل.
تلعب وثائقيات النجوم دوراً "توثيقياً" لكونها تسهم سينمائية في توثيق لحظات عابرة من حياة الفنان، إذ يقوم المخرج السينمائي بوضع صور نادرة للفنان أو لقطات فيديو أو حوارات صورت قديماً، بحيث تعطي هذه المواد سواء كانت سمعية أو بصرية خاصة جمالية مذهلة تجعل الفنان وإن كان ميتاً يظل حياً ذاكرة الناس ووجدانهم. وتكون هذه المواد بمثابة علامة بصرية تغذي نسيج الفيلم الوثائقي، وتجعله أصيلاً من ناحية تركيبية الصورة وجودتها في تقديم معلومات ولحظات وأحداث ووقائع لا يعرف المتفرج عن النجم. بل تكاد تكون حدة هذه الوثائقيات كبيرة وقوية، خصوصاً حين تعرض بعض الأحداث المرتبطة بسيرة النجم وغير المعروفة من لدن الناس والتي تدفعهم ضمنياً إلى الانخراط في العمل السينمائي من طريق التأويل والنقاش، وهو ما يسهم تلقائياً في خلق الجدل بين المتفرجين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن العنصر التوثيقي ومن ثم المساهمة في بناء الذاكرة الفردية يكاد يشكل الهاجس الفكري بالنسبة للنجوم والتجاري بالنسبة إلى المنتجين، يجعل ذلك المخرج يخلق عملاً سينمائياً مركباً لا يروم إلى التخييل، بل الاستناد على معطيات حقيقية مستلقة من الواقع وسيرة النجم وإعادة تركيبها على صورة صورة سينمائية باقية في الذاكرة والوجدان. إن الانتقال من النص/ السيرة إلى الصورة عملية صعبة يتداخل فيها التاريخ بالواقعي والأخلاقي بالجمالي، إذ إن فكرة إعادة ترميم ذاكرة النجم سينمائياً تطرح جملة من الأسئلة العلمية حول السبب أصلاً الذي يدفع المخرج إلى إنجاز فيلم سينمائي حول نجم ما، وبخاصة إذا كان "النجم" غير مؤثر في مجاله ولم تكن له القدرة على ترك بصمته الخاصة، كما هي الحال مع مغني الراب الكونغولي غيمس الذي نقل الراب إلى مراتب متقدمة أصبح فيها هذا اللون الموسيقي أكثر تجريباً وقوة وبحثاً عن لغة أخرى لا تشبهه.
إننا أمام اختيارات وثائقية وإن كانت تنبع من رغبات فردية لمخرجين أحبوا شخصيات معينة، إلا أن فكرة "إعادة" توثيق ذاكرة فردية تطرح فكرياً أسئلة قلقة لها ارتباط بمفهوم "الأثر" لأن فعل الاختيار يخرج من الجانب الفردي ليلتصق بالذاكرة الجماعية ككل، فالفن وإن كان في ظاهره عبارة عن تعبير فردي، فإنه في عمقه صورة من صور التعبير الجماعي وهوية ثقافية تصبح مع مرور الزمن عنصراً من تجليات فكر الجماعة في الذات.
وثائقياً، تساعد وثائقيات النجوم نقاد الفن في فهم المرجعيات الفكرية والدوافع الجمالية التي تجعل النجوم يختارون مساراً معيناً في حياتهم. فهذه المعلومات البرانية على مفهوم العمل الفني، تلعب بالنسبة إلى بعض النقاد الفنيين عنصراً ضرورياً للكتابة عن أفلام وأغانٍ ومقاطع موسيقية والتي يلجأ إليها الناقد لإضاءة معالم التجربة الفنية انطلاقاً من عنصر السيرة.
صناعة النجم
وعلى رغم أن هذا الاختيار الفكري لا يحقق أي نجاعة فكرية أحياناً، يظل حاضراً داخل الأدبيات النقدية، بيد أن هذه الوثائقيات على قيمة جمالياتها، فإنها سرعان ما تصبح مادة دسمة بالنسبة إلى الإعلام، لا سيما إذا كان الوثائقي يوثق سيرة نجوم طالما عرفوا بإدمانهم على المخدرات أو الحكم عليهم بالسجن بسبب الاغتصاب أو التنمر أو السرقة الفنية، فإن هذه العناصر تصبح معياراً لنجاح الوثائقي لدرجة تنتفي فيها كل المحددات الفنية والأساليب الجمالية التي يختارها بجرأة بعض المخرجين السينمائيين، إذ إن مثل هذه الفضائح تغدو تجذب الجمهور وتدفعه بصورة تلقائية إلى مشاهد الوثائقي.
لذلك برزت في الآونة الأخيرة، فئة كبيرة من النقاد الذين لا يعدون ارتفاع منسوب مشاهدات "وثائقيات النجوم" ميسماً جمالياً وعاملاً محدداً في نجاح الفيلم الوثائقي، بل تظل المعالجة الفنية والاختيار الفكري، بمثابة "أس الجواهر" وفق ما يقال والمرتكز الأساس الذي يبني أصالة العمل الوثائقي ويجعله يتجذر في تربة المجتمع ويخلق لنفسه جدلاً، انطلاقاً مما يقترحه من أفكار حول سيرة النجم أو أسلوب جمالي في ملامسة القضايا والمواقف والأفكار المرتبطة بمسام النجم وسيرته. فحين يشاهد المرء هذا النموذج من الوثائقي يجد نفسه أمام أفلام كثيرة تتجاوز الفن لتجد صداها حتى داخل كرة القدم والسياسة. لكن مجمل هذه الأفلام تأتي بطريقة تلفزيونية تقوم على عرض الصور والتذكير بأهمية النجم، محاولة استغلال مكانته النجومية واستغلال صورته لتحقيق "مجد مصطنع" لا يمتلك ذرة من الحقيقة على أرض الواقع أحياناً.
ويغلب على هذه الأفلام الإكليشيه البصري الذي يفاقم من التنميط واستعراض الصور الأيقونية التي يكون فيها النجم وسط جمهوره وداخل حفلاته، كما هي الحال لوثائقيات مايكل جاكسون، إذ تتحول الصورة هنا إلى إنتاج ذاكرة فنية باهتة لا تقيم على اختبار سيرة النجم ومحاولة تقديم "كبد الحقيقة"، بما يجعل الفيلم قريباً من الناس ويشعرون بامتداد تجربة النجم في حياتهم. من ثم، فإن معظم هذه الوثائقيات لا تضع النجم، أمام فحص نقدي أو تركيب بصري جديد، يجعل الفيلم الوثائقي يقدم مقاربة بصرية مختلفة تروم إلى الوقوف عند لحظات منسية في حياة النجم وليس إعادة إنتاج نفس الصور النمطية المعروفة عند الناس. وهو ما يجعل هذه الأفلام يطبعها نوع من التكرار البصري القائم على استغلال أيقونية النجم وترتيب المشاهد داخل سلم من اللقطات، دون وحدة موضوعية تنعكس إيجاباً على خصوصية الصورة السينمائية.
ففي الفيلم المنجز حول النجمة تايلور سويفت تصبح الصورة ذات اشتغال تلفزيوني يجعلها قريبة من الربورتاج الصحافي، إذ الصورة السينمائية تقف عند الدعاية لسهراتها الفنية لكن دون أن تقتحم الكاميرا حياتها الشخصية الحميمية وتحولها إلى مادة قابلة للفرجة السينمائية الأصيلة التي تطرح جملة من الأسئلة وتقدم صورة أثيرة عن حياة النجمة من الداخل.