ملخص
"البروبيوتيك" هي بكتيريا وخمائر نافعة تعيش في الأمعاء، وتساعد في الحفاظ على توازنها، وتدعم الهضم والمناعة، وقد تؤثر أيضاً في المزاج.
لم يعد "البروبيوتيك" يقتصر على تحسين الهضم، إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن بكتيريا الأمعاء قد تؤثر أيضاً في المزاج والاستجابة للتوتر، عبر ما يعرف بمحور الأمعاء والدماغ.
وعلى رغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أنه عامل مساعد وليس علاجاً بديلاً للاكتئاب أو القلق.
و"البروبيوتيك" هي بكتيريا وخمائر نافعة تعيش في الأمعاء، وتساعد في الحفاظ على توازنها، وتدعم الهضم والمناعة، وقد تؤثر أيضاً في المزاج.
وقد تدعم الصحة النفسية إلى جانب دورها في تعزيز صحة الأمعاء، إذ تشير أبحاث حديثة إلى أنه يؤثر في التواصل بين الأمعاء والدماغ، ويساعد في تنظيم بعض النواقل العصبية وتقليل الالتهابات المرتبطة بالتوتر والقلق.
وكثيراً ما ارتبط اسم البروبيوتيك بصحة الجهاز الهضمي وتخفيف الانتفاخ واضطرابات الأمعاء، إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن دور هذه الكائنات الدقيقة يتجاوز ذلك بكثير.
فداخل الأمعاء تعيش تريليونات من البكتيريا التي لا تقتصر وظيفتها على المساعدة في هضم الطعام، بل تشارك أيضاً في التأثير في المزاج والعواطف والاستجابة للتوتر، عبر شبكة معقدة من الإشارات تعرف باسم محور الأمعاء والدماغ.
وخلال السنوات الأخيرة، تحول هذا المحور إلى أحد أكثر المجالات البحثية إثارة في الطب الحديث، بعدما أظهرت دراسات متزايدة أن صحة الأمعاء قد ترتبط بمستويات القلق والتوتر والاكتئاب، وحتى بالقدرة على التعامل مع الضغوط اليومية.
عندما تتحدث الأمعاء إلى الدماغ
لم يعد الدماغ ينظر إليه بوصفه المتحكم الوحيد في الحالة النفسية، فالأمعاء تحتوي على شبكة عصبية واسعة تعرف أحياناً بـ"الدماغ الثاني"، وترتبط مباشرة بالجهاز العصبي المركزي عبر العصب المبهم، إلى جانب شبكة من الهرمونات والجزيئات المناعية التي تنقل الإشارات باستمرار بين الطرفين.
وتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن البكتيريا النافعة داخل الأمعاء تؤثر في إنتاج عدد من النواقل العصبية المهمة، مثل السيروتونين والدوبامين وحمض غاما أمينوبوتيريك (GABA)، وهي مركبات ترتبط بتنظيم المزاج والشعور بالهدوء والاستقرار النفسي، كما تسهم هذه البكتيريا في الحد من الالتهابات المزمنة، التي باتت تعد أحد العوامل المرتبطة باضطرابات المزاج والقلق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من صحة الأمعاء إلى تحسين المزاج
في السابق، كان يعتقد أن تأثير البروبيوتيك يقتصر على الجهاز الهضمي، إلا أن نتائج الدراسات السريرية بدأت ترسم صورة مختلفة. فقد خلصت مراجعة منهجية نشرت عام 2024 في مجلة Gut Pathogens إلى أن بعض سلالات البروبيوتيك قد تسهم في التخفيف من أعراض القلق والاكتئاب لدى بعض الفئات، مع التأكيد أن النتائج لا تزال تختلف باختلاف نوع السلالة البكتيرية والجرعة ومدة الاستخدام.
كما أظهرت أبحاث أخرى أن بعض السلالات التابعة لمجموعتي Lactobacillus وBifidobacterium قد تساعد في خفض مستويات التوتر وتحسين الحالة المزاجية، من خلال المساهمة في تنظيم هرمون الكورتيزول المرتبط بالإجهاد النفسي، إضافة إلى تقليل مؤشرات الالتهاب في الجسم.
وفي دراسة أخرى نشرت عام 2025 في مجلة npj Mental Health Research التابعة لمجموعة Nature، لاحظ الباحثون أن المشاركين الذين تناولوا مزيجاً من البروبيوتيك لمدة شهر سجلوا انخفاضاً ملاحظاً في المشاعر السلبية اليومية مقارنة بمن تلقوا علاجاً وهمياً. كما بدأ التحسن بالظهور بعد نحو أسبوعين من الاستخدام، وهو ما عزز الاهتمام بما يعرف بـ"البكتيريا النفسية "(Psychobiotics)، وهي سلالات من البروبيوتيك يعتقد أنها تؤثر في الصحة النفسية عبر محور الأمعاء والدماغ.
لماذا قد يؤثر الالتهاب في مشاعرنا؟
يرى العلماء أن أحد التفسيرات المحتملة لهذه العلاقة يتمثل في تأثير الالتهاب المزمن في الدماغ، فعندما يختل توازن البكتيريا النافعة داخل الأمعاء، قد تزداد نفاذية جدار الأمعاء، مما يسمح بانتقال مركبات التهابية إلى مجرى الدم، وهو ما قد ينعكس على وظائف الدماغ وآليات تنظيم المزاج.
وتشير الأدلة المتراكمة إلى أن تحسين التنوع البكتيري داخل الأمعاء قد يساعد في الحد من هذه الالتهابات، وبالتالي دعم الصحة النفسية بصورة غير مباشرة، ولهذا السبب يتزايد الاهتمام بالبروبيوتيك، بوصفه عاملاً مساعداً ضمن نهج متكامل للعناية بالصحة النفسية، وليس بديلاً عن العلاجات الطبية المعتمدة.
ماذا تقول الأبحاث في السعودية؟
على رغم محدودية الدراسات السعودية التي تناولت تأثير البروبيوتيك أو الميكروبيوم المعوي في الصحة النفسية بصورة مباشرة، فإن باحثين في جامعات سعودية بدأوا يسلطون الضوء على العلاقة بين الصحة النفسية وصحة الجهاز الهضمي. فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، ونشرت عام 2024 في مجلة Cureus، وجود ارتباط بين القلق والاكتئاب وارتفاع أعراض الجهاز الهضمي لدى طلاب جامعات طبية سعودية، وهو ما يعكس تنامي الاهتمام محلياً بفهم العلاقة بين صحة الجهاز الهضمي والصحة النفسية، ويفتح المجال أمام مزيد من الدراسات حول محور الأمعاء والدماغ في البيئة السعودية.
وعلى رغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن البروبيوتيك لا يمثل علاجاً مستقلاً للاكتئاب أو القلق، بل قد يكون عاملاً مساعداً ضمن نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة والنوم الكافي والنشاط البدني وإدارة التوتر. كما أن الاستجابة له تختلف من شخص لآخر تبعاً لنوع السلالة البكتيرية والجرعة ومدة الاستخدام والحالة الصحية للفرد، ومع استمرار الأبحاث يبدو أن الاهتمام بصحة الأمعاء لم يعد يقتصر على تحسين الهضم فحسب، بل أصبح جزءاً من فهم أعمق للعلاقة المتبادلة بين الأمعاء والدماغ، وكيف يمكن لهذا التواصل الخفي أن ينعكس على المزاج والصحة النفسية وجودة الحياة.