Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما حقيقة استقدام بوتين تعزيزات عسكرية جديدة من كوريا الشمالية؟

تطور سيؤثر ليس في الحرب الدائرة فقط بل أيضاً في أوروبا وحلف شمال الأطلسي

 جنود من كوريا الشمالية خلال تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية (أ ف ب)

ملخص

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا تمتلك معلومات استخباراتية موثوقة حول خطط روسيا لفصل الخريف، وذكر أن روسيا تستعد لاستقبال 30 ألف جندي إضافي من كوريا الشمالية في منطقة فورونيج منذ يونيو الماضي.

شكلت الأنباء التي تتحدث عن استقدام جنود كوريين شماليين، لدعم القوات الروسية في أوكرانيا الحدث الأبرز خلال الأيام الأخيرة، سواء في كييف أو داخل موسكو. وهذا تطور بالغ الأهمية، سيؤثر ليس فقط في الحرب الدائرة منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام، بل أيضاً على أوروبا وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وعلى مستقبل منطقة شاسعة على الحدود الشرقية القصوى لروسيا، لا سيما أن كوريا الشمالية تمتلك اسمياً جيشاً ضخماً قوامه قرابة مليون ونصف المليون جندي، بحجم الجيش الروسي، يخدم فيه الرجال والنساء، ويؤدون خدمة عسكرية إلزامية تستمر لمدة ثمانية أعوام بالنسبة إلى الذكور.

وعزز هذه الأنباء المتداولة قول زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون في برقية تهنئة وجهها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمناسبة يوم روسيا، إن "الدعم الثابت للسياسات الداخلية والخارجية لموسكو، والوقوف دائماً إلى جانب روسيا، هو إرادتي الثابتة وموقفي الراسخ الذي لا يتغير".

وأضاف أن بيونغ يانغ وموسكو تفتحان حالياً صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، وتأكيده أن البلدين يعززان علاقات الثقة المتبادلة والتحالف الوثيق، معتبراً أن ذلك يمثل "ثمرة مجيدة لوفاء البلدين بالتزاماتهما والمبادئ السامية لمعاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة".

زيلينسكي يكشف خطط الكرملين

في الـ25 من يوليو (تموز) الجاري، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا تمتلك معلومات استخباراتية موثوقة حول خطط روسيا لفصل الخريف. وذكر أن روسيا تستعد لاستقبال 30 ألف جندي إضافي من كوريا الشمالية في منطقة فورونيج منذ يونيو (حزيران) الماضي". وأضاف أن كوريا الشمالية تستعد أيضاً لنقل منصات إطلاق صواريخ باليستية جديدة إلى روسيا.

واعتبر الرئيس الأوكراني أن "هذا التهديد لا يقتصر على أوكرانيا وحدها، فروسيا تساعد كوريا الشمالية على تعلم كيفية خوض الحروب وتطوير أسلحتها، مما يمنحها خبرة في استخدامها على أرض الواقع. كل هذا يشكل تهديداً لكل دولة في آسيا تقع ضمن مدى صواريخ كوريا الشمالية. وسنتصدى لهذا التهديد".

وحذر زيلينسكي من أن بوتين يستعد لإرسال مزيد من الروس إلى الحرب، على رغم أنه يخفي ذلك بكلمات وإشارات أخرى، لكنه يستعد بالفعل.

وأكد "لدينا تقارير استخباراتية مهمة حول خطط روسيا لفصل الخريف، وما ينقصها هو السلام، إذ يهيئ بوتين الظروف لتعبئة موسعة. وفي أقل من سبعة أشهر من هذا العام انضم 221 ألف شخص إلى القوات المسلحة الروسية، بينما بلغت الخسائر الروسية خلال الفترة نفسها ما يقارب 225500، منهم 131 ألف قتيل ونحو 93 ألف جريح. بوتين ببساطة يحضر لتجنيد مزيد من الروس في الحرب، وهذا هو بالضبط ما يحضر له".

وبلهجة تشبه التحريض على موسكو قال زيلينسكي "منذ أوائل يوليو (الجاري) ونحن نرصد صور الأقمار الاصطناعية الروسية النشطة لدول الخليج والمنشآت العسكرية الأميركية الموجودة هناك. وتصل هذه الصور لاحقاً إلى إيران. علاوة على ذلك، ثمة ارتباط واضح بين الصور الروسية لهذه المنشآت والضربات الإيرانية - قبل الهجمات وبعدها - لأغراض تقييم الأضرار".

أتت هذه التصريحات قبيل انطلاق الرئيس الأوكراني في زيارة جديدة الولايات المتحدة في الأسبوع الأخير من يوليو الجاري، يناقش خلالها من جملة مواضيع وطلبات تسلح كبيرة، التعاون بين كوريا الشمالية وروسيا مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

جنود كوريا الشمالية

باتت كوريا الشمالية أول دولة ترسل قواتها علناً إلى روسيا للمشاركة في الحرب ضد أوكرانيا. ووفقاً لمعلومات استخباراتية أوكرانية وكورية جنوبية وغربية، وصلت أولى الوحدات الكورية الشمالية إلى روسيا في خريف عام 2024، ونُشرت بصورة أساس في منطقة كورسك الروسية التي كانت القوات الأوكرانية استولت عليها آنذاك.

بحسب الاستخبارات الكورية الجنوبية، قاتل نحو 15 ألف جندي كوري شمالي إلى جانب روسيا. وبحلول ربيع عام 2025، قدرت خسائر كوريا الشمالية بنحو 4700 جندي، قُتل منهم نحو 600.

ووفق كييف، قد يُدمج مقاتلون كوريون شماليون جدد ضمن الوحدات الروسية، للمشاركة في العمليات الهجومية داخل الأراضي الأوكرانية. وتظهر صور الأقمار الاصطناعية تحركات سفن إنزال من طراز "روبوتشا" وطائرات شحن من طراز "إليوشن-76"، كانت تستخدم سابقاً لنقل الكوريين الشماليين.

وأفادت الاستخبارات الكورية الجنوبية أيضاً بأن كوريا الشمالية بدأت باختيار مقاتلين لنشرهم في الخارج في وقت مبكر. ويشير استخدام وحدات النخبة الكورية الشمالية في الحرب الأوكرانية إلى نقص في احتياطات التعبئة داخل روسيا.

ويتحدث قادة عسكريون في أوكرانيا عن أن روسيا تحشد 110 آلاف جندي استعداداً لهجوم محتمل يهدف إلى الاستيلاء على كامل أراضي إقليم دونيتسك، بحيث تكون القوات الروسية قد فرضت سيطرتها بالكامل على منطقة دونباس، بعدما استطاعت في وقت سابق من هذا العام السيطرة على كل أراضي إقليم لوغانسك المجاور.

 

 

وقدمت الاستخبارات الأوكرانية لشبكة "سي أن أن" معلومات تفيد بأن كوريا الشمالية زودت روسيا بما لا يقل عن 100 صاروخ باليستي و9 ملايين قذيفة مدفعية، ومجموعة كتيبات مدفعية كورية شمالية مترجمة إلى الروسية، مما يدل على تزايد التوافق بين جيشي البلدين.

ويعتقد المتخصصون أن بيونغ يانغ تعول على "دين الدم" من موسكو وعلى الفوائد طويلة الأجل من المشاركة في الحرب.

وتحاول روسيا وكوريا الشمالية استخدام أساليب أكثر سرية لتجنيد جنود كوريين شماليين في الجيش الروسي.

أساليب روسية خفية

يرى رئيس مديرية الاستخبارات الرئيسة السابق بوزارة الدفاع الأوكرانية كيريل بودانوف، والذي يشغل حالياً مدير مكتب الرئاسة، أن روسيا تتوقع على الأرجح أن يحل الكوريون الشماليون محل المهاجرين من دول آسيا الوسطى، وأن منهم مَن سيوقع عقوداً عسكرية مع وزارة الدفاع الروسية.

واعتبر بودانوف أن الزيارة الأخيرة التي قام بها سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو إلى كوريا الشمالية، والتي وافق خلالها على العمل على جذب مزيد من المهاجرين الكوريين الشماليين، تشكل تغطية لاستقدام مزيد من الجنود الكوريين الشماليين إلى روسيا.

ويقول معهد دراسة الحرب "هذا الاتفاق يمثل انتهاكاً لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2397، الذي وقعت عليه روسيا والذي يحظر على كوريا الشمالية إرسال مواطنيها للعمل في الخارج، ويلزم جميع الدول الأعضاء بطرد جميع الكوريين الشماليين الذين "يكسبون دخلاً" في الخارج بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2019".

وكان محللو معهد الدراسات العالمية يتحدثون بالفعل عن قيام روسيا بخلق فرص للمهاجرين الكوريين الشماليين للسفر إلى روسيا للانضمام إلى القوى العاملة الروسية أو الجيش.

وورد في التقرير "تعمل روسيا وكوريا الشمالية علناً على تعزيز تعاونهما الدفاعي من خلال معاهدات الدفاع المتبادل، ونقل التكنولوجيا والمعدات العسكرية، ونشر القوات الكورية الشمالية للقتال إلى جانب القوات الروسية".

الكرملين

يتعامل الكرملين بحذر وتوتر شديدين في مواجهة المعلومات المتداولة عن استقدام قوات جديدة من كوريا الشمالية للمشاركة في الحرب الأوكرانية، لا سيما بعد تصريحات زيلينسكي.

ورفض المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف التعليق على تصريح الرئيس الأوكراني في شأن احتمال قيام روسيا بنشر 30 ألف جندي كوري شمالي إضافي في الحرب ضد أوكرانيا.

في المقابل، طلب صحافيون من المتحدث باسم الكرملين التعليق على تصريحات الرئيس الأوكراني في شأن خطط موسكو لزيادة الوجود العسكري الكوري الشمالي على الجبهة، فرد بيسكوف بأنه لا يرى ضرورة للتعليق على ذلك قائلاً "لا أعتقد أنه من الضروري التعليق عليها. ليس من شأن زيلينسكي الحديث عن خططنا".

وهذا الموقف الذي يتعمد الغموض دأبت عليه روسيا منذ وصول طلائع القوات الكورية الشمالية إلى أراضيها، فبعد إنكار طويل وأجوبة مواربة علق بوتين للمرة الأولى على التقارير التي أفادت بإرسال أول قوات كورية شمالية إلى روسيا للمشاركة المحتملة في الحرب ضد أوكرانيا، ولم ينف وجودها في روسيا لكنه لم يحدد الغرض من هذا الوجود.

وأشاد الرئيس الروسي خلال استقباله وزيرة خارجية كوريا الشمالية تشوي سون هوي، في الكرملين خلال الـ19 من الشهر الجاري، بعمق العلاقات الثنائية بين البلدين. وقال إن مآثر العسكريين الكوريين الذين ساعدوا القوات الروسية "لن تُنسى أبداً" في روسيا، مؤكداً أنهم حظوا بجوائز حكومية تقديراً لجهودهم.

ونقل تحياته الحارة إلى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي أعاد تأكيد "التوجه الاستراتيجي" نحو التطوير الشامل للعلاقات مع موسكو.

تعاون بوتين وكيم عسكرياً يثير القلق

تنظر كوريا الجنوبية وأوكرانيا والولايات المتحدة وحلف الناتو والغرب عامة بعين القلق لإرسال قوات من كوريا الشمالية إلى روسيا. وبحسب الاستخبارات الكورية الجنوبية، قد ترسل بيونغ آلاف الجنود إلى روسيا.

وأعلنت سيول أن بعضهم وصل إلى قواعد في الشرق الأقصى الروسي. وتعتقد السلطات الكورية الجنوبية أن هذا الانتشار مرتبط بخطط موسكو لاستخدام القوات الكورية الشمالية في عمليات قتالية ضد الجيش الأوكراني.

وذكرت وسائل إعلام كورية جنوبية أن سيول قد تزيد المساعدات العسكرية لكييف رداً على تحركات موسكو وبيونغ يانغ، وقد ترسل أيضاً ممثليها إلى أوكرانيا لمراقبة الجيش الكوري الشمالي.

وكتبت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن القوات الكورية الشمالية تكتسب خبرة قتالية حقيقية في سياق الحرب ضد أوكرانيا، وأن نشرها يأتي بموجب بند سري في الاتفاق بين موسكو وبيونغ يانغ التي وقعها بوتين وكيم.

وقال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إن نشر كوريا الشمالية لقوات لدعم روسيا في أوكرانيا سيكون "تصعيداً كبيراً".

وتزعم مديرية الاستخبارات الرئيسة التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية أن أولى وحدات القوات الكورية الشمالية، التي دُربت في ميادين التدريب الروسية، قد وصلت بالفعل إلى منطقة فورونيج، إلا أن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا صرحت رداً على ذلك، بأنه ليس من الصعب فهم "من بدأ كل هذه الإشاعات والضجة، وكل هذه الموجات المعلوماتية، ولأي أغراض".

وقالت "إن تعاون روسيا مع جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، عسكرياً وغير ذلك، يتماشى أولاً مع القانون الدولي ولا ينتهكه، وثانياً لا يسبب أي ضرر أو أذى لكوريا الجنوبية".

الدوافع الاقتصادية

أفادت وكالة "بلومبيرغ"، نقلاً عن تقرير جديد صادر عن معهد استراتيجية الأمن القومي الكوري الجنوبي، بأن كوريا الشمالية زودت روسيا بأسلحة وقوات بقيمة تراوح ما بين 7.67 مليار دولار و14.4 مليار دولار. وتغطي هذه التقديرات الفترة من أغسطس (آب) 2023 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025. ويعزو معدو التقرير التباين الكبير في تقديراتهم إلى محدودية البيانات المتعلقة بتكوين وحجم الذخائر المنقولة.

تدفع روسيا لبيونغ يانغ بصورة أساس عبر نقل التكنولوجيا العسكرية والمكونات عالية الدقة التي يصعب تتبعها عبر الأقمار الاصطناعية، وتشكل هذه المكونات ما بين 80 و96 في المئة من إجمال التعويضات.

هذا التقدير أقل من دراسة سابقة أجراها المعهد الكوري الحكومي لتحليلات الدفاع، والتي قدرت عائدات كوريا الشمالية من مشاركتها في الحرب ضد أوكرانيا بنحو 20 مليار دولار للفترة من يوليو 2023 إلى مارس (آذار) 2025.

ويستفيد النظام الكوري الشمالي من إرسال جنوده إلى روسيا وسط ضجة إعلامية كبيرة، ليحصل في المقابل على قروض غير قابلة للسداد وإمدادات غذائية وتكنولوجيا ومعدات. فالزعيم الكوري الشمالي يحصل مقابل دماء جنوده على تكنولوجيا تجعل قواته أكثر خطورة وصلابة.

ويستند التعاون العسكري بين البلدين إلى اتفاق وقعه الزعيمان الروسي والكوري الشمالي، فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون، عام 2024 خلال أول زيارة للرئيس الروسي إلى كوريا الشمالية منذ 24 عاماً. وبموجب اتفاق الشراكة الاستراتيجية، يلتزم كل طرف بتقديم المساعدة العسكرية للطرف الآخر "بكل الوسائل المتاحة" في حال وقوع هجوم مسلح.

رمزية وأهداف التحالف العسكري

تزود ​​كوريا الشمالية الجيش الروسي بالفعل بعدد من القوات، لكن هذا العدد على ما يبدو أقل بكثير من ذاك الذي تتحدث عنه أوكرانيا وكوريا الجنوبية والدول الغربية. وتشير مصادر موثوقة إلى وجود 12 ألف جندي كوري شمالي في روسيا، 12 ألف جندي يمثلون فرقة واحدة، وهو عدد في متناول كلا الجانبين.

لكنه عدد قليل جداً ولا يمكنه أن يغير الميزان العسكري على الجبهة أو يؤثر فيه بصورة فعالة، لا سيما عندما تتمركز جيوش قوامها نحو مليون جندي تقريباً على كل جانب من الجبهة، وعندما يجند كل جانب ما بين 20 ألفاً و30 ألف جندي جديد شهرياً، فإن قوام 12 ألف جندي سيتلاشى وسط هذا الحشد دون أي تأثير يُذكر.

لكن هذا التحالف العسكري بين بوتين وكيم، وحربهما المشتركة، كفيلان بإثارة الرعب في نفوس الجميع، وعلى رأسهم بالطبع حلفاء أوكرانيا الغربيين وعلى رأسهم حلف شمال الأطلسي وكوريا الجنوبية.

لا يهم عدد القوات الكورية التي تتدرب فعلياً في ميادين التدريب الروسية، فالمهم هو مجرد تدريبها وتكاملها مع القوات الروسية. وبالنظر إلى الكم الهائل من المنشورات في وسائل الإعلام الغربية، يبدو هذا مثيراً للإعجاب ويحقق هدفه الرئيس في بث الرعب داخل الغرب الجماعي، أو ما يُطلق عليه مجازاً "العالم الحر".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات