Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متصنعو الثراء: احترافية تزييف تغذيها الخوارزميات

حياة باذخة تشمل سفر بطائرات خاصة وإقامة في شقق فاخرة وخزائن مليئة بساعات شانيل ورولكس لكنها مشاهد مخطط لها بعناية

أجبر المؤثرون ومهم عارضات الأزياء على المبالغة في "الفخامة" مما يؤدي إلى سباق محموم نحو الترف المصطنع  (برايفت جيت ستوديو)  

ملخص

بلغ حجم السوق العالمية لتأجير السلع الفاخرة 2.3 مليار دولار خلال عام 2023، مع توقعات بتجاوز 4 مليارات دولار بحلول عام 2027.

على ارتفاع صفر عن سطح الأرض، يحلق كثير من مؤثري السوشال ميديا في طائرات خاصة تنضح بالفخامة، فمن كؤوس الشمبانيا المزيفة إلى الكافيار المصنع بحرفية ليشابه الحقيقي، وصولاً إلى ثياب وأحذية وحقائب نقشت عليها أسماء ماركات عالمية جرى استئجارها لساعات بهدف التقاط صورة وبيع وهم الثراء للناس، فكيف يتصنع هؤلاء المؤثرون الثراء، ولماذا نصدقهم؟

لفت الانتباه

على منصات "إنستغرام" و"تيك توك" و"يوتيوب"، يبدو أن الحياة الباذخة في متناول الجميع، إذ يشاهد المؤثرون وهم يسافرون في الطائرات الخاصة، ويقيمون في شقق فاخرة، ولديهم خزائن مليئة بساعات شانيل ورولكس. لكن عدد من هذه المشاهد الطموحة ليست سوى أحداث مخطط لها بعناية، فهي ليست عمليات احتيال متعمدة، بل تشكل جزءاً من نظام اقتصادي مواز جديد، إذ يؤجر مظهر الثراء لتغذية آلة الإعجابات والاهتمام والفرص التجارية.

يقول خوان أنطونيو رونثيرو، المؤسس المشارك لشركة "سوشيال بابلي"، وهي وكالة للمواهب والمؤثرين، في مقابلة له، "يجب أن يكون المؤثرون مبدعين لجذب العلامات التجارية وتحقيق الربح من محتواهم، في كثير من الحالات، يكون النهج الطموح هو الخطوة الأولى لجذب الانتباه". لذا فقد أدت هذه الظاهرة إلى ظهور سوق متنامية تضم شركات تؤجر سلعاً ومجموعات فاخرة لصناع المحتوى والمؤثرين، وحتى المشاهير الطموحين. وتتراوح هذه العروض بين مجموعات طائرات خاصة لا تقلع أبداً، وحقائب يد وسيارات فاخرة متاحة للإيجار بالساعة أو اليوم.

استوديوهات تبرز الثراء

في الولايات المتحدة، يشهد هذا القطاع نمواً متسارعاً، إذ تتيح شركات مثل "برايفت جيت ستوديو" خيار استئجار طائرة خاصة حقيقية، مركونة في حظيرة طائرات، بالساعة حصرياً لجلسات التصوير الفوتوغرافي والفيديو. وتبدأ الكلفة من 500 دولار أميركي للساعة، مع باقات خاصة لصناع المحتوى، وحتى لعروض زواج "جوية" لا تنفذ فعلياً.

في الوقت نفسه، تقدم شركات مثل "لوكس جيه بي" في لوس أنجليس، و"سيت جيت" في أريزونا، و"ذا جيت بيزنس" في لندن كل شيء بدءاً من تصميمات الديكور وحتى الطائرات النفاثة الحقيقية المزينة مثل الطائرات التنفيذية، التي يمكن استئجارها في مقابل ما بين 1000 دولار و2500 دولار لكل جلسة تصوير، باستثناء الإنتاج.

 

وتمتد هذه الظاهرة إلى عالم الموضة، فخدمات مثل "باغ بورو أور ستيل" في الولايات المتحدة، و"كوكوون" في المملكة المتحدة، و"لكسراندوكو" في كندا، تتيح لك استئجار حقائب يد من ماركات مثل "جوسي" و"لويس فويتون" و"هيرميس" ابتداء من 100 دولار في الأسبوع، وهو جزء بسيط من سعرها الحقيقي، الذي قد يتجاوز 5 آلاف دولار.

ووفقاً لدراسة أجرتها مجلة "بزنس أوف فاشن" وشركة "ماكينزي"، بلغ حجم السوق العالمية لتأجير السلع الفاخرة 2.3 مليار دولار خلال عام 2023، مع توقعات بتجاوز 4 مليارات دولار بحلول عام 2027.

آلية للبقاء

لا ينبع الخداع دائماً من الغرور، بل غالباً ما يكون آلية للبقاء ضمن خوارزمية المنصة، إذ تعطي المنصات الأولوية للمحتوى القابل للحفظ والقابل للمشاركة. فصورة امرأة تشرب القهوة بملابس النوم لا تثير الرغبة نفسها المفعمة بالدوبامين، التي تثيرها صورة امرأة تحتسي الشمبانيا على متن يخت في أمالفي الإيطالية.

وللحفاظ على الوصول إلى الجمهور، يجبر المؤثرون ومنهم عارضات الأزياء على المبالغة في "فخامة" منشوراتهن، مما يؤدي إلى سباق محموم نحو الترف المصطنع. وبعيداً من فكرة التظاهر بالنجاح حتى تحقيقه غير الضارة، هناك جانب مظلم لهذه الواجهة الباذخة، فالضغط للحفاظ على هذه الصورة غالباً ما يؤدي إلى تنازلات مالية وأخلاقية كبيرة.

 

ويقع عدد من المؤثرين الناشئين في فخ "ديون تضخم نمط الحياة"، إذ يستنفدون الحد الأقصى لبطاقات الائتمان لتمويل الظهورات التي يأملون أن تؤدي في النهاية إلى حصولهم على صفقة مع إحدى العلامات التجارية. كما لاحظ المحققون الماليون، أن المظاهر الباذخة للثروة تستخدم في كثير من الأحيان كغطاء لعمليات الاحتيال أو الأنشطة غير المشروعة التي يقوم بها المؤثرون الماليون. ويعد نمط الحياة المترف دليلاً اجتماعياً لجذب المتابعين إلى مخططات العملات المشفرة المشبوهة، أو دورات "الثراء السريع".

متصنعو الثراء

ربما يكون سيمون ليفيف، المعروف أيضاً باسم شيمون هايوت، المثال الأبرز على الخداع في عالم الرفاهية، فقد استخدم صوراً ومقاطع فيديو لطائرات خاصة ويخوتاً وحراس شخصيين وحياة مترفة، ليصنع شخصية ساحرة لدرجة أنها خدعت كثيرين.

وتظهر إحدى مقالات مجلة "نيوزويك" صورته في مقصورات الطائرات الخاصة مع تعليقات مثل "مجرد عمل"، مما يعزز أسطورة ثروته الحقيقية، لكن كثيراً من صورته البراقة تخضع للتدقيق، إذ يجادل الضحايا والصحافيون بأن معظمها مصطنع أو مستعار أو منسوب زوراً لخلق عملية احتيال متقنة، وقد بلغت هذه الحياة الزائفة والانتهاكات ذروتها باعتقاله في جورجيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما ستيفي إيمرسون، وهو أحد الأسماء التي ورد ذكرها في تحقيق واسع النطاق حول استئجار المؤثرين للطائرة النفاثة نفسها المتوقفة عن الطيران لتصوير رحلات فاخرة. فقد انتشرت مقاطع فيديو تظهر الصعود إلى الطائرة، والاسترخاء داخل المقصورة، ومشاهد التباهي بالمال، لكن هواة الطيران تتبعوا رقم ذيل الطائرة، فكان مكتوباً عليها، بومباردييه تشالنجر 601-3R، ورقم التسجيل N888FJ، وأكدوا أنها لم تحلق منذ أشهر. وفي الواقع، كانت إيمرسون ودائرتها تستغلان الطائرة الخاصة لتعزيز مكانتهما الاجتماعية، لا للسفر الحقيقي، إذ كان موقع التصوير يعاد استخدامه مراراً وتكراراً بين جلسات التصوير، وتحصد الإعجابات، وتتوالى الصفقات.

وفي عام 2023، تصدرت مجموعة من المؤثرين الماليزيين عناوين الأخبار بعد أن قاموا بتصوير حملة فيديو كاملة تدعي امتلاكهم طائرة خاصة، قبل أن يكشف أمرهم. فقد تبين أن الطائرة التي استخدموها كانت مستأجرة فقط لالتقاط الصور، ولم تستخدم قط، وأن جميع مشاهد السفر كانت مختلقة بالكامل. وتضمنت بعض المقاطع المصورة المؤثرين وهم يتباهون برزم من النقود داخل الطائرة، في محاولة لإظهار ثرائهم وشهرتهم، وأعقب ذلك تعليقات تفيد بأنهم قادرون على مساعدة متابعيهم عبر دورات مدفوعة ليصبحوا أصحاب ملايين مثلهم.

الوقوع بالفخ.. ثم الوعي

أما لماذا يقع ملايين المتابعين في هذا الفخ؟ يقول علم النفس إن الجواب يكمن في رغبتنا الأساسية في الإيمان بالحلم الأميركي، الذي يتضخم بفعل تأثير عرض اللحظات المميزة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتظهر الأبحاث في علم النفس الاجتماعي أن هؤلاء المؤثرين لا يبيعون المنتجات فحسب، بل يبيعون هوية طموحة. فعندما يرى المتابعون شخصاً في مثل أعمارهم يعيش هذا النمط من الحياة، يشعرون أنه قابل للتحقيق. لذا فقد استغل اقتصاد الإيجار، بصورة أساسية، تفاؤلنا الفطري ورغبتنا في الارتقاء الاجتماعي. فلا يكتفي المتابعون باستهلاك المحتوى فحسب، بل يستهلكون الأمل أيضاً، والأمل كما اتضح مربح للغاية.

وعليه كان لابد من نقاط عدة تقود المتابع لتميز ما يراه إن كان حقيقة أم وهم، أولاً المحتوى ليس هو الواقع، فغالباً ما يكون مقطع الفيديو القصير الذي مدته 15 ثانية نتيجة ست ساعات من الإنتاج و500 دولار من رسوم الإيجار. وثانياً إذا لم يقم المؤثر بوضع وسم "شراكة مدفوعة" ولكنه يرتدي ملابس شانيل من الرأس إلى أخمص القدمين، فمن المحتمل أن يكون مظهراً جرى الحصول عليه أو استئجاره. أما ثالثاً فيجب البحث عن الاتساق، فالثروة الحقيقية نادراً ما تكون ظاهرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ عادة ما يفضل الأثرياء الخصوصية على توثيق ممتلكاتهم رقمياً.

لذا، في المرة القادمة التي تتصفح فيها صورة مؤثر أو عارضة أزياء في شقة فاخرة، تذكر أنت تشاهد فيلماً وليس وثائقياً، فاستمتع بالتصوير السينمائي، لكن لا تقارن حياتك الحقيقية بحياتهم المصورة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات