ملخص
يرى متابعون للشأن السياسي في تونس أن "الإشاعة تُعد أداة مؤثرة في توجيه الرأي العام وتحريك الشارع"، مشيراً إلى أن "تناميها في تونس خلال الفترة الراهنة يعود إلى جملة عوامل، أبرزها غياب المعلومة الرسمية في الوقت المناسب".
تزايدت في تونس خلال الفترة الأخيرة وتيرة انتشار الإشاعات، التي ارتبطت أساساً بالأوضاع العامة في البلاد وبالحالة الصحية للرئيس التونسي قيس سعيد، وذلك عقب غيابه عن النشاط الرسمي لأكثر من أسبوع، قبل أن يستأنف زياراته الميدانية غير المعلنة لتفقد عدد من المرافق والاطلاع على سير العمل.
وعلى رغم أن ظاهرة الإشاعات ليست جديدة في تونس، فإنها شهدت خلال هذه المرحلة تصاعداً ملحوظاً من حيث الحجم وسرعة الانتشار، بخاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول أسباب هذا التنامي وأبعاده.
فكيف ترتبط هذه الإشاعات بحالة الاستقطاب السياسي في تونس؟ وإلى أي مدى تُستخدم كوسيلة للتأثير في الرأي العام وتوجيهه؟
تأويلات وتساؤلات
وتداولت العديد من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام أخباراً مُفزعة عن اندلاع حريق ضخم داخل السجن المدني بالمسعدين في الساحل التونسي، مما أثار حالة من الرعب والقلق الكبيرَين بين عائلات الموقوفين. من جهتها، نفت الهيئة العامة للسجون والإصلاح السبت، بشكل قاطع صحة ما تم تداوله عبر بعض صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي في شأن اندلاع حريق داخل إحدى الوحدات السجنية مع تسجيل حالات اختناق في صفوف المودعين.
وأكدت الهيئة في بيان، أن هذه الأخبار "لا أساس لها من الصحة بتاتاً". ودعت إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، مؤكدةً احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد كل مَن يتعمد ترويج الأخبار الزائفة والإشاعات التي من شأنها بث البلبلة والإساءة إلى المرفق السجني ومؤسسات الدولة.
كذلك استغل عدد من معارضي الخارج غياب سعيّد لأكثر من أسبوع عن نشاطه المعتاد لترويج إشاعات في شأن حالته الصحية، زاعمين وجوده بالمستشفى العسكري بالعاصمة التونسية، وداعين إلى مصارحة الرأي العام بحقيقة وضعه الصحي، ما أثار موجة من التأويلات والتساؤلات.
سيناريوهات الفوضى
في هذا الصدد قال الناطق الرسمي باسم "التيار الشعبي" محسن النابتي، إن تفاقم ظاهرة الإشاعات في تونس يعود إلى جملة من الأسباب، معتبراً أن "حركة النهضة، بوصفها جزءاً من تنظيم الإخوان المسلمين، اعتمدت تاريخياً"، وفق تقديره، على "الإشاعة والتشويه والإرهاب بمختلف أشكاله"، مضيفاً أن هذه الممارسات أسهمت في "تعفين الحياة السياسية" وإفساد المناخ العام منذ عودتها إلى النشاط السياسي بعد عام 2011.
وأضاف النابتي أن "معارضة الخارج، وعلى رأسها حركة النهضة، تمتلك تأثيراً كبيراً على شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية، وهو ما يجعلها قادرة على توجيه جزء من حملات الإشاعات، ومن بينها ما يتعلق بالحالة الصحية لرئيس الجمهورية". واعتبر أن "هذه الأطراف تراهن على ربط النظام السياسي بشخص رئيس الدولة، بهدف الإيحاء بأن غيابه قد يفتح المجال أمام عودتها إلى المشهد السياسي".
في المقابل، حمّل النابتي السلطة جزءاً من المسؤولية عن تفاقم الإشاعات، معتبراً أن السياسة الاتصالية للدولة "ضعيفة أو شبه غائبة"، وأن "غياب مؤسسات فاعلة واختزال النظام السياسي في شخص رئيس الجمهورية يسهمان في توفير بيئة خصبة لانتشار الأخبار الزائفة".
وأشار إلى أن "استكمال بناء المؤسسات وتعزيز حضورها، إلى جانب اعتماد سياسة اتصالية واضحة ورؤية سياسية متماسكة، من شأنه أن يحد من انتشار الإشاعات ويغلق المجال أمام سيناريوهات الفوضى التي تراهن عليها بعض الأطراف".
وختم النابتي بالقول "إن هذه الظاهرة مرشحة للاستمرار خلال الأشهر وربما السنوات المقبلة، بخاصة في ظل التطور التكنولوجي واتساع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي"، معتبراً أن "هذا التطور يسهّل ترويج الإشاعات، لا سيما مع توافر إمكانات لدى الجهات التي تقف وراءها".
نتائج عكسية
من جهته، اعتبر الصحافي عامر بوعزة أن "الإشاعة تُعد أداة مؤثرة في توجيه الرأي العام وتحريك الشارع"، مشيراً إلى أن "تناميها في تونس خلال الفترة الراهنة يعود إلى جملة عوامل، أبرزها غياب المعلومة الرسمية في الوقت المناسب".
وأوضح بوعزة أن "امتناع المؤسسات الرسمية عن تقديم المعلومات للمواطنين يُنتج فراغاً تستغله الأطراف التي تقف وراء ترويج الإشاعات"، مؤكداً أن "الهدف في كثير من الأحيان لا يتمثل في الدفاع عن الحق في المعلومة، بل في التأثير في الرأي العام وتوجيهه".
وأضاف أن "الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تعيشه البلاد، إلى جانب تعطّل الحياة السياسية، وتجريم العمل السياسي، والاعتماد على المقاربة الأمنية في التعامل مع النشطاء والمعارضين، أسهم في توفير بيئة مواتية لانتشار الإشاعات وتداولها على نطاق واسع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار بوعزة إلى أن "من بين المبررات التي استندت إليها السلطة عند إصدار المرسوم رقم 54 كان التصدي للإشاعات، إلا أن الواقع أفرز نتائج عكسية، وهو ما يستوجب مراجعة هذا المسار برمته".
وشدد على أن "الحد من الإشاعات لا يتحقق عبر المقاربة الزجرية، وإنما من خلال تمكين المواطن من حقه الدستوري في النفاذ إلى المعلومة، واعتماد مزيد من الشفافية والانفتاح في التواصل الرسمي، بخاصة في ظل عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي أنهت احتكار المعلومة ومكّنت كل فرد من نشر الأخبار والتأثير في تداولها".
إرباك الرأي العام
من جهة أخرى، قالت الناشطة ناجية قاسمي إن "تونس تمرّ بمرحلة تتطلب قدراً عالياً من الوعي والوحدة الوطنية"، معتبرةً أن "التزايد الملحوظ في انتشار الإشاعات والأخبار الزائفة على منصات التواصل الاجتماعي يشكل خطراً حقيقياً على السلم الاجتماعي واستقرار البلاد".
وأوضحت أن "الهدف من بث إشاعة حريق السجن هو إثارة الهلع بين المواطنين، وبث الفوضى، ومحاولة دفعهم إلى مواجهة مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة الأمنية".
ورأت قاسمي أن "هذه الحملات لا تندرج في إطار النقد أو حرية التعبير، وإنما تهدف إلى نشر التضليل وضرب الاستقرار وإرباك الرأي العام".
ودعت المواطنين إلى "التحلي باليقظة وعدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثقة أو إعادة نشرها من دون التثبت من صحتها"، مشددةً على أن "الجهات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية، تبقى المرجع الأساس في كل ما يتعلق بالمسائل الأمنية والمؤسسات الإصلاحية".
كذلك شددت على أن "وعي التونسيين هو خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل"، داعيةً إلى "حماية السلم الاجتماعي وعدم الانجرار وراء الدعوات التي من شأنها تأجيج الفوضى أو زرع الفتنة بين أبناء الوطن".
وختمت قاسمي بدعوة مستعملي مواقع التواصل الاجتماعي إلى الإبلاغ عن الصفحات والحسابات التي تتعمد نشر الأخبار الكاذبة والمضللة، معتبرة أن "مواجهة الإشاعات مسؤولية جماعية تبدأ من وعي كل مواطن بما يقرأ وينشر".