ملخص
يحمّل مطورون وخبراء نظام التخطيط العمراني القديم والبيروقراطية المعقدة مسؤولية تعطيل آلاف المشروعات، على رغم تأكيد المدافعين عنه دوره في حماية التراث والسلامة.
تواجه لندن واحدة من أعقد أزمات الإسكان في تاريخها الحديث، إذ تعجز العاصمة البريطانية عن توفير عدد المنازل الذي تحتاج إليه لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي، في وقت تتراجع وتيرة البناء إلى مستويات قياسية منخفضة.
ويرى مطورون عقاريون واقتصاديون أن نظام التخطيط العمراني، الذي تعود جذوره إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح أحد أبرز العوائق أمام زيادة المعروض السكني، بعدما تحولت إجراءات الحصول على الموافقات إلى عملية طويلة ومعقدة ترفع كلفة المشروعات وتؤخر تنفيذها لأعوام.
وتشير تقديرات "مركز دراسات السياسات" البريطاني إلى أن لندن تحتاج إلى نحو 1.1 مليون منزل إضافي للوصول إلى متوسط مستويات توافر المساكن مقارنة بمدن أوروبا الغربية، إلا أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس، إذ تباطأت عمليات البناء بينما ارتفعت أسعار المنازل والإيجارات إلى مستويات قياسية.
ويجسد مشروع "شورديتش ووركس" في شرق لندن حجم العقبات التي تواجه المطورين، فالمشروع الذي يهدف إلى إعادة تطوير منطقة صناعية قديمة وإنشاء نحو 80 وحدة سكنية إلى جانب مساحات تجارية ومركز للتكنولوجيا الخضراء ومناطق عامة للمشاة، استغرق أكثر من أربعة أعوام للحصول على الموافقات، مع تقديم أكثر من تسعة آلاف صفحة من الدراسات والوثائق الفنية.
وعلى رغم توافق المشروع مع هدف الحكومة البريطانية زيادة المعروض السكني، رفضت سلطات التخطيط المحلية الطلب بدعوى الحاجة إلى مزيد من التفاصيل، إضافة إلى اعتبار إزالة مبنيين مكتبيين قديمين فقداناً لجزء من التاريخ الصناعي للمنطقة.
ويرى متخصصون أن هذه الحال ليست استثناء، بل تعكس مشكلة أوسع في نظام التخطيط البريطاني الذي أصبح، بحسب منتقديه، يعرقل بناء المنازل في وقت تحتاج البلاد إلى زيادة المعروض بصورة عاجلة.
فجوة بين الاحتياجات والبناء
حددت الحكومة البريطانية هدفاً يتمثل في بناء 88 ألف منزل سنوياً داخل لندن، لكن البيانات تظهر أن العاصمة لم تبدأ سوى إنشاء 4170 وحدة سكنية خلال العام المالي 2024-2025، بينما ارتفع عدد سكانها بنحو 100 ألف نسمة خلال الفترة نفسها.
وتبرز المقارنة مع مدن أوروبية أخرى حجم التحدي، إذ تمكنت العاصمة النمساوية فيينا، على رغم صغر حجمها مقارنة بلندن، من بناء ثلاثة أضعاف عدد المنازل التي شيدتها العاصمة البريطانية خلال العام الماضي.
ويقول مدير السياسات والأبحاث في مركز الدراسات البريطاني "سنتر فور سيتيز" أنتوني بريتش لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن "إعاقة التوسع العمراني في لندن تعني عملياً إعاقة الاقتصاد البريطاني كله"، موضحاً أن العاصمة تمثل مركز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات والكفاءات، وأن نقص المساكن يحد من قدرتها على أداء هذا الدور.
ولا تقتصر آثار الأزمة على سوق العقارات، بل تمتد إلى سوق العمل والإنتاجية، إذ يجد كثير من الشباب والمهنيين صعوبة متزايدة في تحمل كلفة العيش داخل العاصمة، ما يدفع بعضهم إلى الانتقال إلى مدن أخرى مثل مانشستر التي توفر سياسات أكثر مرونة في تطوير الأراضي.
أزمة إسكان تتحول إلى عبء اقتصادي
لم تعد أزمة السكن في لندن مجرد قضية اجتماعية، بل أصبحت عبئاً اقتصادياً متنامياً، وتشير البيانات إلى أن العمالة في قطاع البناء داخل العاصمة تراجعت بنحو 21 في المئة منذ عام 2017، فيما توقفت أعمال أكثر من خمسين مشروعاً سكنياً خلال الربع الأخير من عام 2025، ما أثر في أكثر من خمسة آلاف وحدة سكنية.
ويعود جزء من هذا التراجع إلى ارتفاع كلفة البناء وأسعار الفائدة، إضافة إلى إفلاس بعض شركات المقاولات، ما جعل عدداً من المشروعات غير مجدٍ مالياً.
ويقول الرئيس التنفيذي لشركة "بوكيت ليفينغ" المتخصصة في الإسكان بول ريكارد إن الأزمة "تخنق المدينة"، مشيراً إلى أن لندن كانت لعقود طويلة وجهة رئيسة للشباب الباحثين عن فرص العمل، لكن امتلاك منزل أصبح بعيد المنال بالنسبة إلى أعداد متزايدة منهم.
ويظهر حجم الضغوط في أسعار المنازل، إذ يبلغ متوسط سعر أول منزل يشتريه المواطن في لندن نحو نصف مليون جنيه استرليني (673.7 ألف دولار)، أي ما يعادل 10 أضعاف متوسط الدخل السنوي، مقارنة بنحو 7.5 ضعف قبل 15 عاماً.
أما المستأجرون، فينفقون في المتوسط نحو 42 في المئة من دخلهم على الإيجار، مقارنة بنحو 15 في المئة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ما يؤخر تكوين الأسر ويقلل القدرة على الادخار.
وتتحمل الحكومة البريطانية كلفة مالية كبيرة نتيجة الأزمة، إذ تنفق نحو 18 مليار جنيه استرليني (24.2 مليار دولار) سنوياً على إعانات الإيجار في لندن وحدها، وفق تقديرات "مركز دراسات السياسات".
قوانين من الأربعينيات تعرقل التوسع
ويرجع متخصصون جذور أزمة الإسكان في لندن إلى نظام التخطيط العمراني الذي أُقر بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف الحد من التوسع العشوائي وحماية المساحات الخضراء المحيطة بالعاصمة.
وعلى خلاف أنظمة التخطيط في عديد من المدن العالمية التي تعتمد على تقسيمات واضحة تحدد مسبقاً المناطق القابلة للبناء، تخضع غالبية مشروعات التطوير في لندن لتقييم منفصل لكل مشروع على حدة، ما يفتح الباب أمام سلسلة طويلة من المراجعات والاعتراضات.
وتحتاج المشروعات إلى المرور عبر سلطات التخطيط في 32 منطقة إدارية داخل العاصمة، إضافة إلى مجلس مدينة لندن، إذ تُدرس عوامل متعددة، مثل تأثير المبنى في الطابع المعماري للمنطقة، والمناظر العامة، والظلال التي قد تلقيها الأبنية الجديدة على العقارات المجاورة.
ويقول كبير المحللين في شركة "موليور" المتخصصة في أبحاث سوق العقارات سام لونغ، إن خطط التخطيط يفترض أن توفر إطاراً واضحاً لاتخاذ قرارات البناء، إلا أن الواقع مختلف، إذ تميل المجالس المحلية المنتخبة إلى مراعاة اعتراضات السكان لضمان الدعم السياسي، حتى عندما تتعارض تلك الاعتراضات مع الحاجة إلى زيادة عدد المنازل. ويضيف أن أزمة البناء تفاقمت بسبب ارتفاع أسعار الفائدة وكلفة التنفيذ، إلى جانب نقص موظفي التخطيط في السلطات المحلية، ما أدى إلى تراكم الطلبات وتأخير الموافقات لسنوات.
"بيروقراطية خانقة"
وصف رئيس مركز "كريت ستريتس" المتخصص في التصميم الحضري نيكولاس بويز سميث نظام التخطيط الحالي بأنه أصبح شديد التعقيد، مشيراً إلى مشاركته في اجتماع للمجلس المحلي ناقش مشروع "شورديتش ووركس" واستمر حتى ساعات متأخرة من الليل.
وأوضح للصحيفة أن غالبية أعضاء المجلس كانوا يميلون إلى دعم المشروع، لكن مسؤولي التخطيط أوصوا برفضه، على رغم أنه، بحسب وصفه، من بين أفضل المشروعات السكنية التي اطلع عليها خلال السنوات الأخيرة. وقال بويز سميث إن المشكلة لم تعد مرتبطة بتقييم جودة المشروعات، بل أصبحت تعكس خللاً هيكلياً في النظام نفسه، إذ يمكن أن تتعطل مشاريع مناسبة بسبب إجراءات طويلة وقرارات تقديرية.
من جهتها، قالت متحدثة باسم مجلس منطقة هاكني إن المشروعات الكبرى تحتاج إلى دراسة دقيقة لضمان توافقها مع سياسات الإسكان الميسر، وتأثيرها في المباني المجاورة، وتوفير مساحات العمل، مؤكدة أن الهدف هو تحقيق أفضل نتيجة ممكنة للسكان والاقتصاد المحلي.
وعلى رغم إدخال تعديلات على مشروع "شورديتش ووركس"، فإنه لا يزال ينتظر القرار النهائي من مكتب عمدة لندن.
ارتفاع الرفض وتعطل آلاف الوحدات
لا ترتبط مشكلة البناء في لندن فقط بطول إجراءات الموافقة، بل أيضاً بارتفاع معدلات رفض المشروعات بعد أعوام من العمل والإنفاق.
وبحسب دراسة صادرة عن جامعة وارويك، ارتفعت نسبة رفض مشروعات الإسكان في المملكة المتحدة من نحو 20 في المئة في بداية الألفية إلى أكثر من 30 في المئة خلال عام 2024.
وتشير بيانات شركة "موليور" إلى رفض 37 مشروعاً سكنياً في لندن منذ بداية عام 2025، يضم كل منها أكثر من 20 وحدة سكنية.
وبعد الرفض، يضطر المطورون إلى إعادة تصميم مشروعاتهم أو الدخول في إجراءات استئناف قد تستغرق أشهراً أو أعوام، ولم ينجح سوى عدد محدود من المشاريع في تجاوز هذه المرحلة.
ويرى أستاذ الاقتصاد العقاري في كلية لندن للاقتصاد كريستيان هيلبر، أن إحدى مشكلات النظام البريطاني تتمثل في منح سكان الأحياء المحلية قدرة كبيرة على التأثير في قرارات التطوير، حتى عندما تكون المشروعات ضرورية لتلبية احتياجات المدينة المستقبلية. ويشير إلى أن الاعتراضات الشعبية أصبحت عاملاً رئيساً في تعطيل مشروعات كبرى، مستشهداً بمشروع تطوير في منطقة بلاكهيث التابعة لبلدية لويشام، واجه أكثر من ألف اعتراض من السكان، ما أدى إلى تأجيله على رغم الحاجة إلى وحدات سكنية جديدة.
الحفاظ على التراث أم توفير السكن؟
يدافع مؤيدو نظام التخطيط الحالي عن القيود المفروضة على البناء، معتبرين أنها ساعدت في حماية الطابع التاريخي للندن والحفاظ على هويتها المعمارية.
ومنذ عام 1937، تطبق العاصمة سياسة تعرف باسم "مرتفعات كاتدرائية سانت بول"، تمنع إقامة مبانٍ تحجب رؤية قبة الكاتدرائية التاريخية من نقاط مشاهدة محددة تمتد لمسافات بعيدة داخل المدينة.
وأسهمت هذه القواعد في الحفاظ على المشهد العمراني للندن، لكنها دفعت خبراء إلى التساؤل عن الكلفة التي يتحملها السكان مقابل حماية هذا الإرث.
وتظهر هذه الكلفة في قطاع الإسكان الاجتماعي، إذ ارتفع عدد الأسر المسجلة على قوائم الانتظار للحصول على مساكن مدعومة إلى نحو 336 ألف أسرة، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد.
وتؤدي التأخيرات الطويلة في الموافقات إلى زيادة كبيرة في كلفة المشروعات، إذ أدى تأجيل أحد مشروعات الإسكان الاجتماعي ثمانية أشهر فقط إلى إضافة 2.2 مليون جنيه استرليني (2.9 مليون دولار) إلى كلفة التنفيذ، فيما رفع تأخر الموافقات كلفة تمويل مشروع آخر بقيمة 100 مليون جنيه استرليني (134.7 مليون دولار) بنحو خمسة ملايين جنيه استرليني (6.7 مليون دولار).
الحكومة أمام اختبار صعب
تتزايد الضغوط على الحكومات البريطانية المتعاقبة لإصلاح نظام الإسكان، وسط مطالب بتغيير قواعد التخطيط وتسريع عمليات البناء.
وأعلن رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام والذي تولى منصب رئاسة الوزراء، عزمه إطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن الاجتماعية منذ سبعين عاماً بهدف زيادة المعروض وتخفيف أزمة الأسعار.
وكشفت الحكومة في مارس (آذار) الماضي عن خطة طارئة لتسريع البناء داخل لندن، تضمنت منح أولوية للمشروعات التي تخصص ما لا يقل عن 20 في المئة من وحداتها للإسكان الميسر، إضافة إلى تخفيف بعض القيود التنظيمية.
ورحبت مجموعة "بيركلي"، أكبر شركة لبناء المنازل في لندن، بهذه الإجراءات، لكنها أكدت أن ارتفاع الكلفة والقيود التنظيمية دفعاها إلى تقليص استثماراتها.
وعادت التحديات للظهور بعدما رفضت السلطات المحلية للمرة الثانية مشروعاً للشركة لتحويل مركز تجاري في جنوب شرقي لندن إلى مجمع سكني يضم نحو 900 منزل، بسبب مخاوف مرتبطة بالمباني التراثية.
إصلاح النظام لا التمويل فقط
يرى متخصصون أن حل أزمة الإسكان في لندن لا يتطلب زيادة التمويل فقط، بل إصلاح منظومة التخطيط بأكملها لتحقيق توازن بين حماية التراث وتوفير المنازل.
وقال رئيس السياسات في مؤسسة "بريتن ريميد" المعنية بالنمو الاقتصادي سام دوميتريو، إن لندن اقتربت من تحقيق هدف بناء 88 ألف منزل سنوياً آخر مرة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كانت إجراءات الحصول على التراخيص أكثر سرعة وبساطة. وأوضح أن الحصول على تصريح بناء كان يستغرق آنذاك نحو ثلاثة أسابيع، بينما قد تمتد الإجراءات حالياً إلى أعوام وتتطلب آلاف الصفحات من الدراسات.
في المقابل، رأى مدير السياسات في جمعية تخطيط المدن والأرياف هيو إليس أن تحميل نظام التخطيط وحده مسؤولية الأزمة يتجاهل عوامل أخرى، مثل نقص العمالة الماهرة، وارتفاع أسعار مواد البناء، وتداعيات التضخم، وارتفاع كلفة التمويل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحذر إليس من أن تخفيف القواعد التنظيمية بصورة مفرطة قد يهدد معايير السلامة، مستشهداً بكارثة برج "غرينفيل" عام 2017 التي كشفت عن أوجه قصور خطيرة في سلامة المباني.
تجارب عالمية تقدم حلولاً
على رغم تعقيد الأزمة، تشير تجارب مدن أخرى إلى أن إصلاح قواعد التخطيط يمكن أن يؤدي إلى نتائج ملموسة، فبعد تعديل قوانين التخطيط في أوكلاند النيوزيلندية عام 2016، تضاعفت وتيرة البناء وانخفضت أسعار المنازل والإيجارات.
وتمكنت فانكوفر الكندية من تجاوز أهدافها السنوية للإسكان بعد تبسيط إجراءات التطوير، بينما رفعت مدينة أوستن الأميركية إنتاجها إلى نحو 32 ألف منزل سنوياً، وهو معدل يعادل أكثر من10 آلاف منزل سنوياً في لندن عند احتسابه وفق عدد السكان.
ويؤكد متخصصون أن هذه التجارب لا تعني التخلي عن حماية التراث أو معايير السلامة، بل إيجاد نظام أكثر مرونة يسمح للمدن بالنمو من دون أن تتحول القوانين إلى عائق أمام توفير السكن.
وفي النهاية، أصبحت أزمة الإسكان في لندن قضية تتجاوز العقارات، إذ تمس قدرة العاصمة على جذب المواهب والاستثمارات، ومستقبل الاقتصاد البريطاني، والاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو ما إذا كانت ستنجح في تحديث نظام تخطيط عمراني وُضع قبل أكثر من سبعين عاماً، أم أن نقص المساكن سيظل أحد أكبر القيود التي تحد من نمو لندن وبريطانيا بأكملها.