ملخص
على امتداد أكثر من خمسة عقود، ارتبط اسمه بفن المزود، وأسهم في تطويره وتوسيع حضوره داخل المشهد الموسيقي التونسي، بعدما ظل طويلاً حبيس صورة نمطية اختزلته في كونه فناً شعبياً هامشياً.
برحيل الفنان التونسي صالح الفرزيط، في 18 يوليو (تموز) 2026 عن عمر ناهز 73 سنة، تفقد الأغنية الشعبية أحد أبرز أصواتها وأكثرها وفاءً لفن المزود.
لم يكن الفرزيط مجرد مطرب ذاعت شهرته بأغانٍ مثل "ارضى علينا يا لميمة" و"يابايعتني" و"جنة وأطرافها نار" و"البراني"، بل كان فناناً حمل مشروعاً للدفاع عن المزود بوصفه جزءاً من الذاكرة الثقافية التونسية، وجمع بين حساسية الشاعر وروح ابن الأحياء الشعبية.
في 18 يوليو (تموز) 2026، خيّم الحزن على الساحة الفنية التونسية بعد الإعلان عن وفاة الفنان صالح الفرزيط، إثر أشهر من المعاناة الصحية التي أعقبت حادث مرور أدخله في غيبوبة طويلة. ومع انتشار خبر رحيله، لم يكن الحديث منصباً على نهاية مسيرة مطرب شعبي فحسب، بل على غياب أحد الفنانين الذين ارتبط اسمهم بتحولات الأغنية الشعبية التونسية خلال العقود الخمسة الماضية.
عرفه الجمهور بصوته القوي وحضوره المختلف، لكن صورته لم تقتصر على الفنان الذي يحيي الأعراس والحفلات الشعبية. فقد كان، بالنسبة إلى كثيرين، أحد الذين منحوا المزود أفقاً جديداً، ودافعوا عن حقه في أن يُنظر إليه بوصفه فناً يعبر عن شريحة واسعة من المجتمع، لا مجرد لون موسيقي يعيش على هامش الحياة الثقافية.
من الهامش إلى الذاكرة
يصعب الحديث عن صالح الفرزيط من دون العودة إلى تاريخ المزود نفسه. فهذا اللون الموسيقي لم يولد داخل المسارح الكبرى أو المؤسسات الثقافية، بل خرج من الأحياء الشعبية، والأسواق، والمقاهي، والأعراس، حيث كانت الأغنية جزءاً من الحياة اليومية، ترافق الناس في أفراحهم وأحزانهم وتروي قصصهم بلغتهم البسيطة.
ولسنوات طويلة، ظل المزود يواجه نظرة متحفظة من بعض الأوساط الثقافية التي اعتبرته فناً شعبياً محدود القيمة، في مقابل المكانة التي حظيت بها أنماط موسيقية أخرى. غير أن هذا التهميش لم يمنع المزود من بناء جمهوره، بل ربما زاد من ارتباطه بالناس، لأنهم وجدوا فيه صوتاً يشبههم ويعبر عن تجاربهم.
ومع سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بدأ هذا الفن يشق طريقه نحو حضور أوسع، بفضل أسماء آمنت بأن المحافظة على الهوية لا تعني تجميدها. وكان صالح الفرزيط من أبرز هؤلاء الفنانين، إذ اختار أن يطور المزود من داخله، محافظاً على إيقاعه وروحه، ومنفتحاً في الوقت نفسه على تجارب جديدة في الأداء والتوزيع، بما جعل الأغنية الشعبية أكثر قدرة على مخاطبة أجيال مختلفة.
بهذا المعنى، لم يكن الفرزيط مجرد مطرب ناجح، بل كان شاهداً على مرحلة انتقل فيها المزود من فضاءات الهامش إلى موقع أكثر رسوخاً داخل الذاكرة الموسيقية التونسية.
صعلوك المزود... أكثر من صورة شعبية
قد يبدو لقب "صعلوك المزود" غريباً لمن لم يعرف صالح الفرزيط عن قرب، لكنه كان يختزل جانباً مهماً من شخصيته. فالصعلكة هنا لم تكن تمرداً على المجتمع، بل رفضاً للصور الجاهزة التي أرادت حصر فنان المزود في قالب واحد. خلف ذلك الصوت الشعبي، كان هناك قارئ ومحب للشعر، وكاتب لقصائد بالفصحى، ينظر إلى الأغنية باعتبارها نصاً قبل أن تكون لحناً. وفي حواراته، بدا رجلاً شغوفاً بالحكايات، مؤمناً بأن الفن الشعبي يحمل ذاكرة الناس وتاريخهم الشفوي، وأن قيمة الأغنية لا تقاس بمكان تقديمها، بل بقدرتها على البقاء في وجدان الجمهور.
أمّا مظهره، فلم يكن تفصيلاً عابراً. فقد حافظ على حضوره المميز، مرتدياً الدنقري والطربوش التونسي، لا بوصفهما زينة فولكلورية، بل باعتبارهما امتداداً لهويته الفنية. كان يحمل معهما صورة الأحياء الشعبية التي خرج منها، وكأنه يعلن أن الفنان لا يستطيع الانفصال عن البيئة التي صنعت صوته وخياله. ولعل هذا ما منح تجربته خصوصيتها؛ فقد جمع بين ابن الشارع والمثقف، وبين المغني الشعبي والشاعر، وبين البساطة والوعي بقيمة التراث الذي يدافع عنه.
أغنيات صنعت الذاكرة
ارتبط اسم صالح الفرزيط بعدد من الأغنيات التي تجاوزت حدود النجاح الجماهيري لتصبح جزءاً من الذاكرة الموسيقية التونسية، غير أن أغنية "ارضى علينا يا لميمة" ظلت العمل الأكثر التصاقاً بسيرته، لأنها لم تولد في ظروف عادية، بل خرجت من تجربة إنسانية قاسية عاشها الفنان عام 1976 خلال فترة سجنه. لم يكتب صالح الفرزيط الأغنية بوصفها بياناً سياسياً أو صرخة احتجاج، بل جعل من الأم رمزاً للملاذ الأول والحنين إلى الحرية. وهكذا تحولت التجربة الشخصية إلى حكاية إنسانية وجد فيها كثيرون صدى لمعاناتهم. ولم تعد الأغنية مرتبطة فقط بظروف كتابتها داخل السجن، بل أصبحت واحدة من أشهر أغاني الزندالي، وهو اللون الغنائي التونسي الذي وُلد من تجارب السجناء، وتناول الحرمان والاشتياق والأمل في استعادة الحرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من رحم تلك التجربة ولدت "ارضى علينا يا لميمة"، لتغادر سريعاً حدود الحكاية الشخصية. وقد كشف صالح الفرزيط في أكثر من حوار أن الأغنية كادت تُغنى بصيغة مختلفة قبل أن يستقر نصها على مخاطبة الأم، وهو اختيار منحها قوة استثنائية، إذ تحولت من أغنية مرتبطة بواقعة بعينها إلى نص مفتوح على معاني الحنين والرجاء والحرية، فوجد فيها كل مستمع شيئاً من حكايته، وبقيت واحدة من أكثر الأغنيات رسوخاً في الذاكرة الشعبية التونسية.
ولم يكن نجاح الفرزيط قائماً على هذه الأغنية وحدها، فقد رسخت أعمال مثل "يا بايعتني" و"جنة وأطرافها نار" و"البراني" ، و "باعوني بلا دلال" مكانته بين أبرز أصوات المزود. ففي هذه الأعمال يظهر الفنان القادر على تحويل تفاصيل الحياة اليومية، والحب، والخذلان، والغربة، إلى أغنيات بسيطة في لغتها، عميقة في أثرها، وهو ما يفسر استمرارها في التداول بين أجيال متعاقبة. ولذلك بقيت أعماله جزءاً من الذاكرة الجماعية، تتردد في البيوت والأعراس والفضاءات الشعبية، حتى بعد مرور عقود على تسجيلها.
إرث يبقى بعد الغياب
أعادت الأيام الأخيرة من حياة صالح الفرزيط النقاش حول أوضاع الفنانين الشعبيين في تونس، بعدما كشفت معاناته الصحية وما رافقها من دعوات إلى توفير حماية اجتماعية وصحية أفضل للفنانين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الثقافة.
غير أن رحيله يفتح سؤالاً أوسع من ظروف وفاته: كيف نحافظ على إرث الفنانين الذين أسهموا في تشكيل الوجدان الشعبي؟ فالأغنية ليست مجرد تسجيلات محفوظة في الأرشيف، بل جزء من ذاكرة مجتمع كامل، يحمل لغته ومشاعره وتحولاته.
ربما لم يكن صالح الفرزيط يسعى إلى كتابة تاريخ المزود، لكنه شارك في صنعه. وحين يرحل فنان كهذا، لا تفقد تونس صوتاً مألوفاً فقط، بل تخسر أحد الرواة الذين حفظوا جانباً من ذاكرتها الشعبية.
تبقى الأصوات الكبيرة حاضرة بما تتركه خلفها، لا بما تغادره. وسيظل صالح الفرزيط حاضراً كلما انطلقت "ارضى علينا يا لميمة"، أو ردد الجمهور "يا بايعتني" و"جنة وأطرافها نار" و"البراني"، لأن الأغاني التي تنبع من حياة الناس لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تتحول مع الزمن إلى جزء من هوية وطن وذاكرته.