Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجسور المدمرة وحكاية الموت على ضفاف الفرات في سوريا

خصصت دمشق موازنة خاصة بلغت 30 مليون دولار بهدف زيادة الربط بين المدن على ضفتي النهر

لا يقتصر دمار الجسور على قطع شريان الحياة، بل وتدمير ذاكرة وتاريخ بلد، إذ يشكل "الجسر" همزة وصل، وحكاية حياة، وتقاليد شعبية (اندبندنت عربية)

ملخص

تشكل الجسور المفقودة، همزات الوصل المقطوعة على ضفتي الفرات في سوريا. ويؤدي غيابها إلى زيادة احتمالات حدوث الكوارث البشرية.

لليوم الثالث على التوالي تواصل فرق الإنقاذ في منظومة الدفاع المدني السوري عمليات البحث عن مفقودي "العبارة النهرية"، المركب الذي يعتمد عليه سكان محافظة دير الزور كوسيلة وحيدة للانتقال بين ضفتي نهر الفرات، وسط تحديات قائمة في وجه عمليات البحث للوصول إلى المفقودين.

حكاية الموت المتكررة

وفي حصيلة لم تكتمل أسفر انقلاب العبارة النهرية، والتي أقلت مدنيين من سكان المنطقة في الـ12 من يوليو (تموز) الجاري، عن مصرع ستة أشخاص من بينهم أربعة أطفال، وشابان وتعود أسباب الحادثة إلى نفاد وقود القارب النهري، وجرف النهر له مع فقدان السيطرة الكاملة عليه ثم اصطدامه بالجسر الحربي في مدينة دير الزور مما أدى إلى غرق كل من يستقل هذا المركب.

وازداد اعتماد سكان منطقة نهر الفرات، من كلتا الضفتين، على العبارة النهرية كوسيلة نقل بعد دمار واسع أصاب الجسور إثر الحرب في سوريا، وعزلة المدينة الشرقية التي مزقت على إثرها المناطق الريفية عن بعضها بعضاً.

وعمد تنظيم "داعش" قبل سقوط "دولته" على محاصرة دير الزور وتدمير كل طرق الإمداد فيها، بغية فك الحصار عن عناصره، إذ أقدم عام 2013 ومنذ بسط سيطرته على المدينة إلى تدمير الجسور الرئيسة والفرعية، فخرجت عن الخدمة، مما دفع السكان إلى الاعتماد بصورة أساس على الزوارق والطوافات المخصصة لنقل الركاب على رغم كل الأخطار التي يحملها شريان الحياة الوحيد المهددة لعملية الانتقال، علاوة عن كون نهر الفرات (ينبع من تركيا) يتميز بشدة جريانه.

 

الجسور والذاكرة المفقودة

في غضون ذلك يكشف الناشط المدني من أبناء دير الزور، أحمد الشيخ لـ"اندبندنت عربية"، عن تفاقم أزمة الجسور بعد الفيضان الأخير لنهر الفرات، والدمار الكلي لكل الجسور الترابية الإسعافية التي عمل الأهالي، بتكاتف من المجتمع المدني بأكمله، على تشييدها، سعياً منهم لنقل الحالات الإسعافية والمرضى وكبار السن، علاوة عن نقل المركبات الصغيرة، إلا أن فيضان النهر خلال مايو (أيار) الماضي جرف معه آخر بصيص أمل يتعلق به الناس، وقطع خيط الحياة الأخير لتعود دير الزور إلى عزلتها القديمة.

ولا يقتصر دمار الجسور على قطع شريان الحياة، بل وتدمير ذاكرة وتاريخ بلد، إذ يشكل "الجسر" همزة وصل، وحكاية حياة، وتقاليد شعبية، فقبل عقد من الزمن أي قبل نشوب الصراع المسلح والحراك الشعبي لإسقاط النظام البعثي، والإطاحة برأسه بشار الأسد، شكل عبور السيارات من ضمن مواكب الزفاف أحد أبرز طقوس "الأعراس" في دير الزور. وكان العروسان يترجلان ويمشيان على جسم الجسر المعلق لالتقاط صورة تذكارية.

ويعد الجسر المعلق في دير الزور أكثر من هيكل حديد يمتد بين ضفتي الفرات، بل يعد أحد أبرز الجسور الرئيسة في المدينة، وهويتها، وظل منذ وضعه بالخدمة عام 1931 أثناء عهد الانتداب الفرنسي، رمزاً وشاهداً على مكانته في قلوب أهلها، فمن أعالي الجسر يواظب الشبان من هواة المغامرة الاصطفاف لممارسة السباحة والقفز إلى أعماق النهر الهادر، فضلاً عن الجلسات العائلية على طرفي الجسر، في مشهد يعزز الترابط الاجتماعي بين العائلات، ولقاءات الأصدقاء لا سيما في فترة ما بعد الظهيرة، والسهر في ليالي الصيف حتى ساعات الفجر الأولى.

 

إصلاح وترميم

إزاء هذا الواقع، تتقطع السبل بأهالي دير الزور فيعمدون إلى الانتقال المتكرر بالعبَّارات النهرية، أو حتى سابقاً عبر الجسور البدائية التي صُنعت من قبل المجتمع المحلي. ويتحدث عزيز كاسر أحد أبناء مدينة البوكمال في الريفي الشرقي والقريبة من الحدود العراقية عن "حال تململ يعيشها السكان".

وأردف "الانتقال بالعبارات فيه كثير من المخاطرة الكبيرة مع مرور التيارات النهرية الجارفة، إلى ذلك تزداد كلفة النقل واستغلال حاجة الناس للانتقال، وقد تبلغ ما يزيد على دولار ونصف الدولار، ومع تكرار الانتقال اليومي للطلاب والموظفين والحرفيين إلى أماكن عملهم بصورة يومية يشكل كل ذلك عبئاً مالياً".

حكاية الجسور المدمرة في مدينة دير الزور ليست أزمة إنسانية طارئة بل تمتد عميقاً لأكثر من عقد من الزمن، إذ تعود إلى ذروة الصراع المسلح في سوريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" الاعتداءات على الجسور، والتي أفضت إلى تقطيع أوصال المدينة بصورة متكررة إلى أن وصلت إلى نحو 29 حادثة اعتداء، تسع منها على يد النظام السابق. أما قوات التحالف الدولي فدمرت 15 جسراً، في حين كانت التنظيمات المتشددة مسؤولة عن تدمير جسرين، ودمرت القوات الروسية جسراً واحداً.

وإلى ذلك خصصت الحكومة في دمشق موازنة خاصة بلغت 30 مليون دولار، تضمنت أربعة مشاريع تهدف إلى تأهيل وإصلاح الجسور المدمرة، مع إجراء دراسة فنية لإنشاء جسرين جديدين بهدف زيادة الربط بين المدن على ضفتي الفرات.

ولفت المهندس المدني والخبير في بناء وترميم الجسور عصام علواني إلى ضرورة العمل على دراسات جادة، والحرص على مسألة الوقت لما يتكبده أهالي الدير من مشقات الانتقال، وأخطار عبور تفتقد شروط السلامة العامة.

وأضاف أن "الدمار الذي أتى على بعض الجسور بصورة جزئية، والعمل على ترميمها يبدو أقرب إلى الحلول الإسعافية، وبخاصة أن دير الزور تعتمد على ستة جسور من أصل نحو 26 جسراً تحول معظمها إلى ركام". وأضاف "أقترح دعوة جميع المهندسين المتخصصين في سوريا إلى المشاركة في دراسات وأعمال تنفيذ لإشادة كل الجسور، ويمكن البدء بإصلاح الجسور وترميم الأقل تضرراً، والانتقال إلى الأشد خطورة وهكذا".

 

ومن بين أهم الجسور في مدينة دير الزور بعد "الجسر المعلق"، وهو الأكثر شهرة، يبرز "جسر السياسية"، الذي استقى اسمه من فرع الأمن السياسي في المدينة. ومن الجسور على سبيل المثال تبرز أسماء مثل حطلة والحويجة والبوكمال، وكنامات والجورة العشارة والأعيور.

وتتكرر الحوادث بصورة شبه يومية بين ضفتي "الشامية" و"الجزيرة"، وغالباً ما ينقذ الأهالي مع القاطنين في القرى المحيطة بسرير النهر وبالتعاون مع فرق الإنقاذ، حياة أشخاص من الغرق، بينما يتحدث أحد سكان المدينة عن كون العبارات النهرية المصنوعة بطرق بدائية لا تتوافر فيها شروط المتانة المناسبة، إذ تسقط السيارات أو المعدات الثقيلة التي تحملها أحياناً في سرير النهر.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات