ملخص
تراهن إسبانيا على الاستحواذ لإبطال خطورة هجوم فرنسا المرعب، بينما يعول "الديوك" على التماسك الجماعي وروح المجموعة لإنجاز مهمة العبور إلى نهائي كأس العالم في مواجهة تكتيكية مرتقبة.
تدخل فرنسا مواجهة اليوم الثلاثاء أمام إسبانيا في نصف نهائي كأس العالم لكرة القدم بما يمكن اعتباره أكثر خطوط الهجوم اكتمالاً في البطولة، إذ يضم فريق المدرب ديدييه ديشان مجموعة من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق في أي لحظة، يتقدمهم كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي ومايكل أوليسه وديزيريه دويه وبرادلي باركولا، لكن إسبانيا لا ترى أن أفضل وسيلة لإيقاف هذا السلاح الهجومي هي التراجع إلى الخلف، بل حرمانه من الكرة من الأساس.
ويختصر هذا التصور الفلسفة التي بنى عليها المدرب الإسباني لويس دي لا فوينتي مشروعه خلال العامين الماضيين، إذ لا يعد الاستحواذ بالنسبة إلى المنتخب الإسباني مجرد وسيلة لصناعة الفرص، وإنما خط الدفاع الأول، والطريقة الأكثر فاعلية لإبعاد الخطر عن مرماه والتحكم في إيقاع المباراة.
وقال الجناح أليكس باينا إن المنتخب الإسباني يدرك تماماً حجم القوة الهجومية التي يمتلكها منافسه، لكنه لا ينوي تغيير شخصيته بسبب أسماء اللاعبين الذين سيواجههم.
وأضاف للصحافيين "الرباعي الأمامي يقدم بطولة رائعة وسيتعين علينا مراقبتهم، لكننا سنحاول أن نجعلهم يراقبوننا أكثر مما نراقبهم".
وأوضح أن الاستحواذ يظل السلاح الأهم بالنسبة إلى منتخب بلاده، قائلاً "نقاط قوتنا تكمن في الاحتفاظ بالكرة كثيراً من أجل الهجوم، وضمان ألا يهاجمونا إلا بأقل قدر ممكن. نأمل أن تسير المباراة بهذا الشكل".
تفوق سابق وثقة من دون مبالغة
ولا تبدو هذه مجرد تصريحات معتادة قبل مباراة كبيرة، بل تلخص بدقة الطريقة التي تفوقت بها إسبانيا على فرنسا في قبل نهائي بطولة أوروبا، ثم كررت الأمر نفسه في دوري الأمم الأوروبية، عندما فرضت أسلوبها وأجبرت فريق ديشان على اللعب وفق الإيقاع الإسباني.
ومع ذلك، رفض باينا الاعتقاد بأن تلك النتائج تمنح منتخب بلاده أفضلية نفسية قبل مواجهة جديدة بهذا الحجم.
وقال "صحيح أننا فزنا عليهم في المباراتين السابقتين، لكن كل مباراة لها ظروفها الخاصة. إنهم يقدمون بطولة مذهلة".
الإرهاق والسفر في حسابات المنتخب الإسباني
وفي الوقت الذي تبدو فيه المعركة التكتيكية متقاربة، تواجه إسبانيا تحدياً مختلفاً بعيداً من أرض الملعب، بعدما فرض عليها جدول البطولة قطع مسافات أطول بكثير من منافستها الفرنسية.
واختار المنتخب الإسباني الإقامة في مدينة تشاتانوغا بولاية تينيسي خلال دور المجموعات، وهي مدينة لم تستضف أي مباراة في البطولة، مما أجبر الفريق على السفر عبر ثلاث مناطق زمنية مختلفة لخوض مبارياته، بينما حافظت فرنسا على مقرها في بوسطن طوال البطولة، ولن تغادر المنطقة الزمنية الشرقية إلا للمرة الأولى في قبل النهائي، بعدما قطعت مسافة تقل بنحو 16 ألف كيلومتر عن المنتخب الإسباني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم ذلك، قلل الظهير بيدرو بورو من تأثير الإرهاق، مؤكداً أن لاعبي المنتخب اعتادوا السفر بصورة مستمرة مع أنديتهم.
وقال "من الخارج قد تبدو الأمور مرهقة، لكننا نسافر باستمرار في حياتنا اليومية، ولا نشعر بالكيلومترات التي نقطعها، لقد تعافينا جيداً وأصبحنا جاهزين للمباراة".
أما باينا فاعترف بأن الإرهاق موجود بالفعل، لكنه لا يراه عاملاً حاسماً، وقال "صحيح أننا نشعر ببعض التعب بسبب كثرة السفر، فعندما تصل إلى الأدوار النهائية تبدأ هذه التفاصيل في الظهور، لكننا جميعاً بخير، ونشعر بحماسة كبيرة، نحن نواجه أحد أفضل المنتخبات في العالم، ونأمل أن تحسم المباراة بتفاصيل صغيرة".
تماسك فرنسا وروح الفريق خارج الملعب
وفي المقابل، يرى لاعبو المنتخب الفرنسي أن سر وصولهم إلى هذا الدور لا يقتصر على جودة خطهم الهجومي، بل يرتبط أيضاً بما يحدث بعيداً من التدريبات الرسمية، داخل غرف الفندق وفي النقاشات اليومية بين اللاعبين.
وأكد لاعب الوسط أدريان رابيو أن المجموعة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على تبادل الأفكار وتحليل المباريات من دون انتظار توجيهات الجهاز الفني، وقال "نتواصل كثيراً ونتحدث معاً باستمرار. في الفندق، وخلال أوقات فراغنا، نجلس في مجموعات صغيرة لتحليل المباريات ومحاولة إيجاد حلول مختلفة. هذا الأمر لا يقل أهمية عما يقدمه المدرب وطاقمه"، وأضاف "لدينا جميعاً الهدف نفسه، ونتحدث اللغة نفسها. ما يقدمه الجهاز الفني مهم، لكن الحوار بين اللاعبين من دون تدخل أحد مهم أيضاً".
ويعتقد الفرنسيون أن هذا التفاهم انعكس مباشرة على الأداء داخل الملعب، إذ لم تعد القوة الهجومية للفريق منفصلة عن التزامه الدفاعي، بل أصبح الضغط يبدأ من المهاجمين قبل المدافعين.
وعلى رغم تسجيل مبابي ثمانية أهداف وديمبيلي خمسة، شدد المدافع جول كوندي على أن نجاح فرنسا ارتبط بما تفعله من دون الكرة بقدر ما ارتبط بموهبة لاعبيها عند امتلاكها، وقال "قمنا بعمل دفاعي جيد، لكن الأمر لا يتعلق بالمدافعين فقط. يبدأ كل شيء بالطريقة التي نضغط بها منذ التمريرة الأولى للمنافس. عندما يقوم المهاجمون ولاعبو الوسط بعملهم كما يجب، تصبح مهمتنا في الخلف أسهل كثيراً".
ديشان ودافع الوداع في مشوار فرنسا
ويؤكد اللاعبون أن هذا الانضباط الجماعي ليس وليد البطولة الحالية، بل نتيجة أعمال من العمل المشترك.
وقال رابيو "هناك تفاهم حقيقي بيننا. من الصعب وصفه بالكلمات، لكن الأمور تسير على أفضل نحو خارج الملعب، وهذه الطاقة تنتقل تلقائياً إلى أرض الملعب".
أما كوندي فأرجع ذلك إلى الاستقرار الذي تعيشه المجموعة منذ أعوام، قائلاً "كان هناك شعور قوي بالتماسك منذ البداية، حتى إذا عدنا إلى كأس العالم 2022. هذه المجموعة تطورت مع مرور الوقت، والجميع يعملون من أجل الهدف نفسه. نستمتع باللعب معاً، ونستمتع أيضاً بالتضحية من أجل بعضنا بعضاً".
ويكتسب هذا التماسك بعداً عاطفياً إضافياً، إذ يخوض المنتخب الفرنسي البطولة الأخيرة تحت قيادة ديدييه ديشان، الذي أعلن رحيله عقب نهاية كأس العالم، منهياً مسيرة امتدت منذ عام 2012 شهدت قيادة فرنسا إلى لقب كأس العالم 2018 ونهائي نسخة 2022، إلى جانب ألقاب وإنجازات أخرى أعادت المنتخب إلى قمة الكرة العالمية.
وزادت الظروف الشخصية الصعبة التي مر بها المدرب خلال البطولة من إحساس اللاعبين بالمسؤولية، بعدما غاب فترة قصيرة عن معسكر الفريق إثر وفاة والدته خلال دور المجموعات.
وقال رابيو إن تلك الظروف قربت اللاعبين أكثر من مدربهم، وأضاف "الصعوبات التي مر بها المدرب جعلتنا أكثر ترابطاً. تريد أن تبذل كل ما لديك عندما تعلم أن هذه هي آخر بطولة له مع المنتخب. بالنسبة إلينا، هذه لحظة حاسمة بكل معنى الكلمة".