Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الصنعة"... إرث أندلسي يبحث عن جمهوره الجديد

تراث ثقافي جزائري يكافح للبقاء في زمن الإيقاعات السريعة وهيمنة المنصات الرقمية

يزداد الجدل حول مدى كفاية هذه المبادرات لضمان انتقال هذا التراث إلى الأجيال الجديدة (مواقع التواصل)

ملخص

تشير كلمة الصنعة إلى الموسيقى الجزائرية، أي المدرسة التي تؤدي الموسيقى الأندلسية أو الكلاسيكية المغاربية في الوسط، أي العاصمة وما جاورها مثل مناطق شرشال ومليانة وبجاية والبليدة وغيرها، وهي عبارة عن طريقة أداء لديوان الموشحات الموروثة من فترة الأندلس وبعد سقوطها، فموسيقى الصنعة رصيد غني وتحف غنائية متداولة تم الحفاظ عليها ونقلها عبر التقليد الشفهي منذ أجيال.

لم تعد المنافسة التي تواجهها موسيقى "الصنعة" الجزائرية تقتصر على اختلاف الأذواق بين الأجيال، بل أصبحت جزءاً من تحولات عميقة يشهدها المشهد الموسيقي العالمي، إذ تفرض المنصات الرقمية والإيقاعات السريعة وأنماط الاستهلاك الجديدة معايير مختلفة للانتشار والنجاح، فبينما تتواصل الجهود الرسمية والأهلية لتنظيم التظاهرات المخصصة للموسيقى الأندلسية، يزداد الجدل حول مدى كفاية هذه المبادرات لضمان انتقال هذا التراث إلى الأجيال الجديدة، في وقت أصبحت خوارزميات المنصات الرقمية هي التي تحدد إلى حد كبير ما يسمعه الجمهور.

عرض فني

احتضنت الجزائر العاصمة في الفترة بين الرابع والتاسع من يوليو (حزيران) الماضي فعاليات الدورة الـ12 للمهرجان الثقافي الوطني للموسيقى الأندلسية "الصنعة"، تزامناً مع الاحتفالات بالذكرى الـ64 لاستقلال الجزائر، وبمشاركة واسعة لأكثر من 500 فنان وعازف يمثلون مختلف مناطق البلاد، في تظاهرة تسعى إلى صون أحد أبرز مكونات التراث الموسيقي الجزائري وتعزيز حضوره لدى الأجيال الصاعدة.

وافتتحت فعاليات المهرجان من خلال عرض فني ضخم أحياه الجوق الكبير للموسيقى الأندلسية، الذي قدم باقة من النوبات والقطع الموسيقية عكست ثراء مدرسة "الصنعة" وتنوع روافدها الفنية.

وشهدت حفلة الافتتاح مشاركة أكثر من 500 فنان وعازف ينتمون إلى 53 جمعية متخصصة في الموسيقى الأندلسية، قدموا من 22 ولاية، إلى جانب مشاركة فرقة موسيقية من تونس، في تأكيد للبعد المغاربي المشترك لهذا التراث الموسيقي العريق.

 

وفي سياق ترسيخ البعد العلمي للمهرجان الثقافي الوطني للموسيقى الأندلسية "الصنعة"، جرى تنظيم يوم دراسي جمع باحثين وأكاديميين وشيوخ الموسيقى الأندلسية، في فضاء للحوار العلمي وتبادل الرؤى حول واقع هذا الموروث الفني الأصيل، واستشراف السبل الكفيلة بصونه وتثمينه ونقله إلى الأجيال المقبلة.

وتناولت مداخلات المختصين جملة من القضايا المرتبطة بالتراث الموسيقي الكلاسيكي الجزائري، من بينها توثيق التراث الشفهي، والتربية الموسيقية، وإشكالات المصطلح الموسيقي، ودور الشيوخ في الحفاظ على المدرسة الأندلسية وتطويرها، وآفاق إعداد مدونة مرجعية للتراث الموسيقي الأندلسي، إلى جانب استراتيجيات حماية هذا الرصيد الحضاري من تحديات الاندثار.

توصيات أكاديمية

واختتمت أشغال اليوم الدراسي بعرض ومناقشة واعتماد جملة من التوصيات، أكدت أهمية مواصلة البحث والتوثيق، وتعزيز التعاون بين الباحثين والجمعيات والمؤسسات الثقافية، وتكثيف المبادرات الرامية إلى حماية الموسيقى الأندلسية وتثمينها، بما يضمن استمراريتها وإشعاعها باعتبارها رصيداً ثقافياً وحضارياً أصيلاً.

كذا تضمنت التوصيات المنبثقة عن أشغال الندوة توحيد تسمية الموسيقى الأندلسية الجزائرية، إذ تسمى تارة موسيقى أندلسية، وأخرى عربية أندلسية، أو موسيقى كلاسيكية جزائرية أو عالمة، مع مراعاة البعد الوطني لهذا الموروث الموسيقي، وتوحيد المصطلحات المعمول بها في مجال الموسيقى الأندلسية الجزائرية، وإعداد ديوان شعري مرجعي للنصوص الشعرية المغناة، بعد إخضاعها لدراسة علمية وتحقيقها وتنقيحها وتصحيحها من طرف مجموعة عمل تضم متخصصين في علوم اللغة والعروض وفقه اللغة والأنثروبولوجيا والتاريخ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واقترحت التوصيات إدراج الموسيقى الأندلسية ضمن المقررات المدرسية بالتعاون مع وزارة التربية الوطنية، وتدريس الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية بالمعهد العالي للموسيقى وملحقاته، وإنشاء قناة تلفزيونية خاصة بالموسيقى الأندلسية بالتعاون مع وزارة الاتصال، وفتح أرشيف الإذاعة الوطنية أمام الباحثين والأكاديميين لإثراء ودراسة موروث الموسيقى الأندلسية، واستكمال نشر الأرشيف الصوتي والمكتوب ضمن بوابة التراث الثقافي الجزائري.

إرث أندلسي

وتعني كلمة "الصنعة" أدبياً حرفة أو عمل فني في المعمل الحرفي، ويقول شيوخ هذه الموسيقى إن هذه الكلمة تعني عمل أو تحفة كاملة.

وتشير كلمة الصنعة إلى الموسيقى الجزائرية، أي المدرسة التي تؤدي الموسيقى الأندلسية أو الكلاسيكية المغاربية في الوسط، أي العاصمة وما جاورها مثل مناطق شرشال ومليانة وبجاية والبليدة وغيرها، وهي عبارة عن طريقة أداء لديوان الموشحات الموروثة من فترة الأندلس وبعد سقوطها، فموسيقى الصنعة رصيد غني وتحف غنائية متداولة تم الحفاظ عليها ونقلها عبر التقليد الشفهي منذ أجيال.

وتعد موسيقى الصنعة العاصمية جزءاً لا يتجزأ من التراث الموسيقي الكلاسيكي الجزائري، ومواضيعها تجمع بين ما هو ديني وشعبي، وزاد الاهتمام بموسيقى الصنعة بظهور العزف الموسيقي والجمعيات التي كانت تنشط في الإذاعة والتلفزيون، ومن أهم ممثلي الصنعة في الجزائر نجد محمد بن تفاحي ومحمد إسفنجة ومحيي الدين بشطارزي وعبدالرزاق فخارجي ونور الدين سعودي وبهجة الرحال وبن شاوش وسيد أحمد سري والفنان عبدالكريم دالي.

وتستخدم في موسيقى "الصنعة" آلات عدة لعزف ألحانها وضبط إيقاعاتها، وهي الآلات الوترية مثل الرباب والكمنجة، والآلات ذات الأوتار المنقورة مثل العود الشرقي والقويترة والقانون والسنيترة، والآلات الإيقاعية مثل الطار والدربوكة.

ولأهمية هذا النوع الموسيقي، أسست وزارة الثقافة الجزائرية عام 2006 المهرجان الثقافي الوطني للموسيقى الأندلسية "الصنعة"، الذي بدأ نشاطه الفعلي في 2007، ويهدف إلى ترقية هذا الطابع من الموسيقى الأندلسية، من خلال إبراز أسماء الشيوخ الذين صنعوا هذا الفن وعملوا على استمراره ونقله للأجيال.

فرصة الرقمنة

ويرفض مختصون تفسير تراجع الاهتمام بـ"الصنعة" بعزوف الشباب عن التراث، معتبرين أن المشكلة تكمن في ضعف التعريف بهذا الفن منذ المراحل الدراسية الأولى.

ويؤكد أساتذة في الموسيقى أن كثيراً من الشباب يكتشفون هذا اللون الفني للمرة الأولى عند حضور مهرجان أو مناسبة ثقافية، في حين لا يجدونه حاضراً بصورة منتظمة في المدرسة أو الجامعة أو وسائل الإعلام أو التطبيقات التي يستخدمونها يومياً، ولم تعد وسائل الإعلام تخصص المساحة نفسها التي كانت تمنحها للموسيقى التراثية قبل سنوات، في مقابل اتساع حضور المحتوى الترفيهي السريع.

 

ويعتبر هؤلاء أن حماية "الصنعة" لا تتطلب فقط نقل حفلات المهرجانات، بل إنتاج وثائقيات وبرامج تعريفية ومقاطع قصيرة و"بودكاست" وسلاسل رقمية تشرح تاريخ هذا الفن ومدارسه ورواده بلغة تناسب الجمهور الحالي.

بينما يرى خبراء في التحول الرقمي، أن التكنولوجيا يمكن أن تصبح أحد أهم أدوات حماية التراث الموسيقي، إذا استثمرت بالصورة الصحيحة. وتشمل الحلول المقترحة إنشاء منصات رقمية متخصصة، وإطلاق تطبيقات لتعليم المقامات والأوزان، ورقمنة المخطوطات الموسيقية، وإتاحة التسجيلات النادرة بجودة عالية، إلى جانب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في ترميم التسجيلات القديمة، وفهرسة الأرشيف، وترجمة المحتوى للتعريف بهذا الفن لدى الجمهور الدولي، ويمكن أن تسهم تقنيات الواقع الافتراضي في إعادة تقديم الحفلات التاريخية وتجربة التعلم بأساليب تفاعلية، وهو ما قد يجذب فئات جديدة من المتلقين.

شغف والتزام

يؤكد الفنان الجزائري في الطابع الأندلسي سيف الدين شيخ التوهامي، أن الحفاظ على موسيقى "الصنعة" يبدأ من التكوين الجيد، مشدداً على أهمية التحاق الشباب بمختلف فئاتهم العمرية بالمعاهد الموسيقية والجمعيات الفنية التي تبذل جهوداً كبيرة في تعليم هذا الموروث وصونه.

وقال التوهامي لـ"اندبندنت عربية" إن "تعلم هذا الفن لا ينبغي أن يكون مجرد اكتساب لمهارة العزف أو الغناء، بل علاقة قائمة على الشغف والالتزام، لأن من يحب هذا التراث يستطيع أن يطور أداءه وينقله إلى الآخرين بروح صادقة".

وأضاف أن أداء مقطوعة موسيقية أو العزف على آلة يتطلب الإحساس بالموسيقى والإخلاص لها، معتبراً أن هذه الروح هي الكفيلة بضمان انتقال "الصنعة" إلى الأجيال المقبلة، سواء من خلال المشاركة في الجمعيات والمهرجانات أم عبر نشر المحتوى الفني على مختلف المنصات، بما يسهم في التعريف بهذا الإرث الثقافي والحفاظ على استمراريته.

وأوضح المتحدث أن موسيقى "الصنعة" لا تقتصر على الجانب الفني بل تحمل في طياتها قيماً تربوية وأخلاقية، وتسهم في غرس الطاقة الإيجابية وتنمية المواهب، داعياً إلى تثمين هذا الموروث والتعريف به باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية الجزائرية.

ودعا إلى العودة لأعمال المشايخ والرواد الذين أسسوا لهذا الفن وتركوا إرثاً موسيقياً وشعرياً غنياً، مشيراً إلى أن بعض النوبات لم تدون بعد، على رغم وجود دواوين وقصائد وتسجيلات تركها هؤلاء الرواد، وهو ما يستدعي تكثيف جهود التوثيق والأرشفة حتى لا يضيع جزء مهم من الذاكرة الموسيقية الجزائرية.

منظومة متكاملة

من جانبه يقول الباحث الجزائري في التراث الموسيقي الأندلسي عبدالقادر سليم الحصار "لا يمكن إنكار الدور الذي تؤديه المهرجانات في إبراز موسيقى الصنعة والتعريف بها، فهي توفر فضاء للقاء بين الفرق الموسيقية، وتشجع التنافس الفني، وتمنح الجمهور فرصة لاكتشاف هذا التراث العريق، وتسهم في استمرارية الممارسة الموسيقية وإبقاء هذا الفن حاضراً في المشهد الثقافي".

وقال الحصار لـ"اندبندنت عربية" إن "الحفاظ على التراث الموسيقي لا يمكن أن يختزل في تنظيم التظاهرات الفنية مهما بلغت أهميتها، لأن التراث ليس مجرد أداء فوق الركح، بل منظومة متكاملة تشمل النصوص الشعرية والألحان والمصطلحات وطرق الأداء والمدارس والذاكرة الجماعية التي تشكلت عبر قرون".

 

وتابع أن "المحافظة على موسيقى الصنعة تستوجب مشروعاً علمياً وثقافياً طويل المدى، يقوم على التوثيق والتحقيق والتصنيف والتكوين ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة، فالمهرجان يضمن استمرارية الأداء ولكنه لا يضمن بالضرورة استمرارية المعرفة. ومن هنا تأتي أهمية الجامعات ومخابر البحث ومراكز الأرشيف والجمعيات الثقافية، باعتبارها مؤسسات مكملة للدور الذي تؤديه المهرجانات".

وأوضح أن أبرز التحديات التي تواجه موسيقى "الصنعة" اليوم غياب مرجع علمي وطني موحد يحدد بدقة النصوص الشعرية والألحان والتسميات والروايات المختلفة، مما يؤدي أحياناً إلى اختلافات في الأداء وفي نسبة بعض الأعمال. كما أن جزءاً معتبراً من التراث لا يزال حبيس المخطوطات والمجموعات الخاصة، ولم يخضع بعد للتحقيق العلمي والنشر، مما يجعل كثيراً من الكنوز مهددة بالضياع مع مرور الزمن.

جيل جديد

ومن التحديات أيضاً، بحسب المتحدث، استمرار الاعتماد على التلقي الشفهي وحده، على رغم أهميته، في وقت أصبح التوثيق العلمي ضرورة لا غنى عنها. فالتراث الشفهي يبقى عرضة للنسيان أو للتحوير أو لاختلاف الروايات، بينما يسمح التوثيق المكتوب والرقمي بالحفاظ على المادة الأصلية وإتاحتها للباحثين والممارسين.

ويشير إلى "ضعف الدراسات الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال مقارنة بالقيمة التاريخية والفنية لهذا التراث، فما زلنا بحاجة إلى مزيد من الرسائل الجامعية والتحقيقات والإصدارات العلمية التي تتناول موسيقى الصنعة من مختلف جوانبها: التاريخية والنظرية والموسيقية واللغوية والأدبية".

وأشار الحصار إلى تحد آخر يتمثل في "ضرورة تكوين جيل جديد يجمع بين الممارسة الفنية والمعرفة العلمية، فالموسيقي المعاصر لم يعد مطالباً بإتقان العزف والغناء فقط، بل وبفهم تاريخ هذا الفن وأصوله ومصادره ومناهج دراسته، حتى يكون قادراً على صونه وتطويره من دون الإخلال بأصالته".

ويرى أن "المستقبل يقتضي الانتقال من منطق المحافظة إلى منطق بناء مرجعية علمية لهذا التراث، وهذا يمر عبر إعداد مدونة وطنية مرجعية تضم النصوص الشعرية المحققة، وتوثيق الروايات الموسيقية، وجمع المخطوطات والكناشات، ورقمنة الأرشيفات الصوتية، وتوحيد المصطلحات، بما يتيح للباحثين والفنانين العمل على أسس علمية مشتركة".

وخلص إلى القول إن "المهرجانات تظل ضرورة ثقافية وفنية لا غنى عنها، لكنها تمثل واجهة التراث أكثر مما تمثل بنيته العلمية. أما الضمان الحقيقي لاستمرار موسيقى الصنعة فيكمن في التكامل بين الأداء الفني والبحث الأكاديمي والتوثيق والتكوين والسياسات الثقافية الواعية، فالتراث لا يصان بالاحتفاء به فقط، وإنما أولاً بمعرفته وتوثيقه وإعادة إنتاجه في إطار من العلمية والوفاء للأصول".

اقرأ المزيد

المزيد من فنون