ملخص
تُرهق القيادة الدماغ وتستنزف قدرته على الانتباه واليقظة، وقد تبدأ آثار التعب بعد ساعة واحدة فقط، فيما تجعل الغفوات اللاإرادية القصيرة السائق عرضة لعواقب قاتلة. يقلل النوم الكافي وفترات الراحة المنتظمة وتقسيم الرحلات الطويلة خطر الحوادث، بينما لا توفر الموسيقى أو فتح نافذة السيارة حماية مثبتة من الإرهاق.
سواء كنت متجهاً إلى عملك أم في رحلة برية على طول الساحل، فقد تكون القيادة مرهقة.
ويعود السبب في ذلك لأن القيادة مهمة معقدة تتطلب تضافر أجزاء متعددة من الدماغ، بما في ذلك الأجزاء التي تساعدك في التخطيط والبقاء يقظاً وإدراك ما حولك.
ولكن عندما تكون متعباً، قد لا تؤدي هذه الأجزاء من الدماغ وظائفها بالكفاءة المعتادة، وهذا أحد الأسباب التي تجعل إرهاق السائقين مدعاة للقلق؟
وتظهر الأبحاث الحديثة أن القيادة أثناء النعاس تسهم في وقوع ما بين 20 و30 في المئة من إجمالي حوادث السير على الطرق الأسترالية، كما أنها قد تؤثر في السائقين من مختلف الأعمار ومستويات الخبرة.
إذاً، كيف تؤثر القيادة في دماغك؟ وكيف يمكنك البقاء يقظاً على الطريق؟
علم أعصاب القيادة
القيادة مهمة معقدة تعتمد على مناطق الدماغ المسؤولة عن الانتباه واليقظة والإدراك الحسي والتحكم الحركي والوظائف المعرفية العليا.
وخلصت مراجعة تحليلية للأبحاث المتاحة حول تأثير القيادة في نشاط الدماغ إلى أنها تتطلب تفعيل عدد كبير من مناطق الدماغ، على نحو يفوق المتوقع.
وتشمل هذه المناطق المخيخ والقشرة الأمامية الحركية، وهما منطقتان في الدماغ تسهمان في تنسيق الحركة، كما تشارك في ذلك القشرة البصرية خارج الجسم المخطط، التي تعالج المعلومات البصرية من العالم المحيط بك. كما تؤدي القيادة إلى تنشيط المهاد، وهو جزء من الدماغ يساعد في الحفاظ على اليقظة وتحويل المعلومات الحسية إلى استجابات حركية.
لماذا يعد الإرهاق بالغ الخطورة على السائقين؟
تشير الأبحاث إلى أن القيادة أثناء الإرهاق توازي في خطورتها القيادة تحت تأثير الكحول، وترتبط نحو 20 في المئة من إجمالي الوفيات على الطرق الأسترالية بأسباب متعلقة بالإرهاق.
ويعرف الإرهاق بأنه حالة فسيولوجية من الاختلال تؤثر في كفاءة وظائفك العقلية والجسدية. وعلى وجه التحديد، يمكن للإرهاق أن يؤثر سلباً في قدرتك على الانتباه واتخاذ القرارات والاستجابة لمحيطك، وهي جميعاً عوامل حاسمة للقيادة الآمنة.
ومع ذلك، ربما تكون الغفوات القصيرة اللاإرادية أخطر عواقب القيادة أثناء الإرهاق، وهي فترات نوم وجيزة وغير إرادية قد تستمر مدة تصل إلى 15 ثانية.
لكن حتى خلال غفوة قصيرة لا تتجاوز ثلاث ثوان أثناء القيادة بسرعة 100 كيلومتر في الساعة، قد تقطع سيارتك مسافة تزيد على 80 متراً من دون أن تكون مسيطراً عليها، وهو ما قد يسفر عن عواقب كارثية إذا انحرفت عن الطريق أو اصطدمت بالمشاة أو بمركبات أخرى.
عامل الوقت
قد تبدو القيادة وكأنها مهمة تؤديها تلقائياً، لكنها تتطلب قدراً كبيراً من الانتباه المستمر، لا سيما مقارنة بالأنشطة الأخرى مثل الرد على رسائل البريد الإلكتروني أو تشغيل الآلات أو أداء مهمات العمل العادية الأخرى.
وإذا قمت بالقيادة لفترة طويلة، فقد تلاحظ تراجعاً في مستوى انتباهك بمرور الوقت، ويعود ذلك لأن القيادة تتطلب جهداً عقلياً كبيراً، إذ تشير بعض الأدلة إلى أن الإرهاق قد يبدأ بعد 60 دقيقة فقط من القيادة.
وكلما طالت مدة القيادة المتواصلة، زاد احتمال اتخاذك قراراً خاطئاً أو دخولك في غفوة قصيرة لاإرادية. وتشير الأبحاث إلى أن هذا الأمر ينطبق بصفة خاصة عند القيادة ليلاً أو على الطرق الطويلة والمستقيمة. وحتى إن لم تشعر بالتعب، فقد ترتكب أخطاء لأن دماغك لا يكون في حالة يقظة تامة.
لذا، إذا كانت أمامك رحلة قيادة طويلة، فإن القاعدة العملية الجيدة هي تقسيمها إلى فترات زمنية مدة كل منها ساعتان. فهذا يحد من الوقت الذي تقضيه في القيادة من دون راحة، مما يساعد في تقليل خطر إصابتك بالإرهاق أثناء القيادة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عوامل أخرى يجب أخذها في الاعتبار
قد تزيد عوامل أخرى عدة من شعورك بالإرهاق أثناء القيادة.
ويأتي النوم في مقدمة هذه العوامل، إذ تظهر الأبحاث أن النوم أقل من خمس ساعات قد يضاعف احتمال تعرضك لحادثة سير. كما يرتبط البقاء مستيقظاً لفترات طويلة، أي أكثر من 17 ساعة، بارتفاع خطر التعرض لإرهاق القيادة.
ويتمثل عامل آخر في القيادة خلال الأوقات التي تخلد فيها إلى النوم عادة، فهذا من شأنه أن يخل بإيقاعك اليومي، المعروف شائعاً باسم "الساعة البيولوجية"، مما قد يزيد احتمال استسلامك للنوم خلف عجلة القيادة.
وتشير الأبحاث إلى أن التوتر ورعاية طفل حديث الولادة وعدم تناول ما يكفي من الماء أو الطعام الصحي، قد تسهم أيضاً في إرهاق القيادة.
يذكر أيضاً أن كونك سائقاً متمرساً لا يقيك من الإرهاق، وتظهر الأبحاث أن السائقين المتمرسين يظلون عرضة لخطر التورط في حوادث مرتبطة بالإرهاق. كما قد يصابون بالثقة المفرطة، مما قد يدفعهم إلى المجازفة أكثر على الطريق.
إذاً، كيف يمكنني البقاء يقظاً أثناء القيادة؟
من الأهمية بمكان الحصول على قسط كاف من النوم قبل الجلوس خلف عجلة القيادة. ولأداء الوظائف على أكمل وجه، يحتاج البالغون عموماً إلى ما بين سبع وتسع ساعات من النوم كل ليلة. أما للقيادة بأمان، فإنك تحتاج إلى خمس ساعات من النوم في الأقل في الليلة السابقة.
ومن المهم الإشارة إلى أنه لا توجد أدلة كثيرة على أن أساليب مثل فتح نافذة السيارة أو الاستماع إلى الموسيقى تكافح الإرهاق فعلياً.
وبدلاً من ذلك، تذكر عند القيادة لمسافات طويلة الحفاظ على رطوبة جسمك وأخذ فترات راحة منتظمة. وإذا كنت تشعر بإرهاق شديد يمنعك من القيادة بأمان، فخذ قيلولة أولاً، كما يمكنك التناوب على القيادة أو تأجيل رحلتك.
مادلين سبرايسر محاضرة أولى في علم النفس في "جامعة سي كيو" الأسترالية.
أليسا باكمان مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس في "جامعة سي كيو" الأسترالية.
نشرت هذه المقالة أولاً على موقع "ذا كونفرزيشن" The Conversation، ونعيد نشرها بموجب ترخيص "المشاع الإبداعي".