ملخص
لم يعد خطر رجال الأعمال الأكثر ثراء على مبادئ الديمقراطية مجرد تنظير جاف، ولكنه واقع تقره الأرقام وتحذر منه المؤسسات المعنية بمكتسبات العدالة السياسية التي حققتها الشعوب على مدار عقود، فهل باتت الدول بحاجة إلى قوانين أكثر صرامة للتعامل مع تعاظم سلطة المليارديرات ونفوذهم الذي يعبر من الاقتصاد للسياسة؟
مع الصعود غير المسبوق في ثروات أصحاب المليارات في الأعوام الثلاثة الأخيرة، يتزايد معدل القلق حول قيم ناضلت الشعوب لأجلها طويلاً، أبرزها الديمقراطية وعدالة توزيع الثروة والسلطة، فهل يشتري الأثرياء السياسة أيضاً مثلما يسعون إلى النفوذ والوجاهة والممتلكات؟ وكيف تتحوّل ممارسات راسخة مثل نزاهة التصويت وحرية الاختيار إلى سلع قابلة للاقتناء والتلاعب في بعض الأوقات؟
وفق الاتحاد الدولي أوكسفام النشط في مجالات العدالة الاجتماعية فالشواهد تقول إن نمو ثروات الأثرياء وتضاعفها بمعدل أسرع ثلاث مرات منذ أواخر 2024 مقارنة بالأعوام الخمسة الماضية، جلب سلبيات كثيرة للنظم السياسية، أبرزها عودة حكم الأوليغارشية في ثوب معاصر، بأن تتركّز السلطة والثروة في يد قلة مقابل تزايد معدلات الفقر والخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية والمشاركة في صنع القرار بالنسبة إلى العامة، فيما التأثيرات تمتد وفقاً للتقرير المعمق إلى الضغط من أجل تعديل بعض السياسات من طريق العلاقات القوية مع صناع القرار، وامتلاك قوة وسائل الإعلام كذلك.
تأخذ الولايات المتحدة الاهتمام الأكبر في هذا النقاش الحاد، لا سيما بعدما أصبح رجل الأعمال إيلون ماسك أول تريليونير في العالم، وهو المعروف بانتمائه إلى التيار المحافظ إلى جانب الرئيس دونالد ترمب، وفي ظل آرائه التي دوماً ما تثير الجدل، ويتهمها البعض بأنها تعارض كثيراً من القيم المتعلقة بالتنوّع وحقوق النساء والإنسان بصورة عامة، وتهدف إلى فرض أجندات تخاصم المسارات الديمقراطية المعروفة.
فيما يبدو مشهد تنصيب الرئيس الأميركي حاضراً في الأذهان، إذ كان يصطف أمامه كبار مليارديرات العالم والقابضين على مؤسسات التكنولوجيا والإعلام والسوشيال ميديا الأكثر تأثيراً وانتشاراً في العالم، من مارك زوكربيرغ إلى جيف بيزوس إلى سام ألتمان وتيم كوك وسيندر بيتشاي وبالطبع إيلون ماسك، فهل اقتراب سطوة المال من السلطة مقلق إلى هذا الحد؟ وهل الأمر بتلك البساطة؟ وهل هذا يعني أن الديمقراطيات باتت بهذه الهشاشة أم أن الوضع يختلف من نظام إلى آخر؟
رجال الأعمال يحركون السياسة
الأمر ليس مجرد توجسات، فالأرقام تقول إن أسماء شركات التكنولوجيا العملاقة وساكني وادي السيلكون تحضر بقوة في الإنفاقات المتعلقة بمسارات الديمقراطية بأميركا، فالمؤسسات المرتبطة بأغنى 10 رجال بالعالم أنفقت ما يقارب 90 مليون دولار على جماعات الضغط السياسي اللاعبة في معترك السياسة الأميركي، وذلك خلال عام 2024 فقط، فيما تتراجع إنفاقات المؤسسات المستقلة والنقابية بشدة مما يضعف تأثيرها بطبيعة الحال. وفقاً للآراء يبدو النظام الأميركي هو الأكثر تأثراً، ولهذا فإن متخصصي العلوم السياسية يعبرون عن مخاوفهم من أن ترجمة السطوة السياسية للأثرياء أصبحت بمظاهر أكثر وضوحاً، لا سيما في بداية الولاية الثانية لترمب.
على سبيل المثال استحدث الرئيس الأميركي وزارة الكفاءة الحكومية خصيصاً ليتولاها التريليونير إيلون ماسك، المستثمر التكنولوجي الأبرز ومؤسس ورئيس شركات "سبيس إكس" و"تسلا" ومالك موقع "إكس"، وقد أثار القرار الاستهجان، لا سيما أنه ينظر إلى ماسك بوصفه رجل أعمال صاحب قرارات راديكالية، ولا يبدو متوائماً مع الإجراءات الحكومية، وما تفرضه عليه القوانين والدستور، ولهذا على ما يبدو أن مهمته انحصرت في خمسة أشهر فقط بعد الانتقادات المتواصلة، فالرجل قلّص عدد الموظفين بصورة غير مسبوقة توفيراً للنفقات، بينما كان هدفه المعلن القضاء على البيروقراطية، لكن هذا لا يعني انتهاء العلاقة بينه وبين إدارة ترمب.
لا شك أن رأس المال السياسي موجود من قديم الأزل، ودوماً تحاول فئة من الأثرياء الاستحواذ على منصب رسمي يكون ظهيراً لها لحماية مصالحها الاقتصادية، وفي محاولة لتلاقي أهواء السياسة مع أهواء من يدفعون قد تخسر العملية الديمقراطية كثيراً من نزاهتها، ولهذا استحدثت الدول قوانين صارمة وشديدة لحماية مكتسبات الشعوب: فلماذا عادت مجدداً نغمة الرعب من أن تخسر الديمقراطية قوتها أمام تعاظم ثروات النخبة؟
ربما لأن السؤال عن شفافية مصادر التبرعات للسياسيين المرشحين على مقاعد الكونغرس أو لحكم الولايات أو حتى في سباق انتخابات الرئاسة نفسه لا يتوقف في الولايات المتحدة، فالتبرعات الضخمة دوماً تثار حولها شبهات، فالمتبرع لم يمنح أمواله لمن لا يحقق له مصالحه، ويتوافق مع رؤيته السياسية والاقتصادية التي ربما قد تجانبها النزاهة، وليس شرطاً أن تتوافق مع متطلبات العامة، فالمبدأ الأساس في التبرعات السياسية بأميركا هو أنه يمثل نوعاً من حرية التعبير وفقاً لقرارات المحكمة العليا الأميركية التي قامت بإلغاء القيود عليها مما يسهل عملية التعمية على مصادرها فحتى لو كانت تخضع لرقابة فمن السهل الإفلات منها.
تمويل جماعات الضغط
الشفافية في العملية السياسية بصورة عامة من الصعب أن تكون مطلقة، ولهذا فتدفق الأموال حينما يكون هو لبّ تلك الممارسة يتكاتف الجميع لإيقاف عملية تتبعه، وبطبيعة الحال فإن أهدافه المخفية تكون مثيرة للقلق مقارنة بأهدافه المعلنة فيما الناخب العادي لا يملك آليات إيقاف أي تلاعب محتمل، إذ إن الحديث عن سلبيات تنامي الثروات الضخمة وانحصارها في يد قلة، مرتبطة بالمؤسسة السياسية بصورة أو بأخرى، يجلب معه أسئلة حول مدى استقلالية السلطات التشريعية والقضائية والمؤسسات الإعلامية، وأيضاً مدى التمكّن من الحفاظ على العملية الانتخابية نفسها خالية من الفساد.
الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية، يشير إلى أنه على رغم أن الناخب الأميركي لا يمنح صوته إلا لمرشح متمرس في العملية السياسية صعد بصورة متدرجة في الدرجات الحزبية والعمل على الأرض، فإن الأثرياء يذهبون إلى الأبواب الخلفية لمحاولة تحقيق مصالحهم عبر دعم مرشحين بعينهم وتمويل حملاتهم الانتخابية للتأثير في المصوتين، وبهذا يأتون بمرشحيهم المفضّلين بصورة غير مباشرة، ومن ثم يجري تمرير بعض القرارات التي تأتي على هواهم بالطريقة ذاتها من طريق جماعات الضغط الممولة أيضاً بصورة غير مباشرة وبطريقة ضمنية غير ظاهرة.
في هذا السياق يشير تقرير منظمة أوكسفام "مقاومة حكم الأثرياء: حماية الحرية من سطوة أصحاب المليارات"، وتقارير أخرى معنية بالفجوة بين الثروات، إلى أن 100 عائلة فقط من أصحاب المليارات أسهمت بأكثر من ملياري دولار ونصف في الانتخابات الفيدرالية بالولايات المتحدة عام 2024، ووفقاً للمراقبين فالأمر ليس متعلقاً بالثراء، ولا بالفقر بصورة عامة، إنما الثراء الشديد مقابل تفاوت ضخم وهائل وعميق بين ما يملكونه وبين ثروات الغالبية، مما يرسّخ اللامساواة في كل المناحي.
القلق ليس أميركياً فقط
مع ذلك يربط الدكتور رامي عاشور بين تأثير ضخ أموال الأثرياء في العملية السياسية، ومن ثم تقويض الديمقراطية ومسارات العدالة الاجتماعية على وجه التحديد بالوعي المجتمعي، لافتاً إلى أنه في بعض المجتمعات يتحكّم المال السياسي بمن يجلسون في مقاعد تمثيل الشعب بالبرلمان من طريق الرشاوى الانتخابية الصغيرة سواء أموال مباشرة أو هدايا عينية مقابل منح الصوت للمرشح الثري، حيث يجري هنا استغلال الوضع الاقتصادي الضاغط على الفئة المعدمة أو محدودة الدخل، لكن في دول أخرى لدى أفرادها وعي سياسي ومستوى تعليمي أفضل، ووضع اجتماعي أعلى، يجب أن يبذل رجل الأعمال مجهوداً أكبر لمحاولة الحصول على المكاسب، فلا يمكن أن يأتي رجل أعمال على سبيل مثال بين يوم وليلة ويدخل المعترك السياسي وإلا كان فعلها بيل غيتس في الولايات المتحدة منذ أعوام، مضيفاً "الأمر يلزمه أرضية حزبية واحتكاك بالجماهير وممارسة سياسية حقيقية واختبارات، ولهذا يلجأ غالبية الأثرياء إلى تحقيق أهدافهم من طريق التبرع المفتوح للتأثير السلبي في صنع القرار".
وعلى رغم الاختلاف الكبير في البيئات السياسية والمجتمعية بين الدول فإن فكرة تدخل أصحاب الثروات في العملية السياسية معضلة تؤرق الباحثين السياسيين في مختلف أنماط النظم، ومصطلح رأس المال السياسي الذي أعاد عالم السياسة الأميركي روبرت بوتنام تعريفه منوهاً إلى أن هيمنته من طريق النخبة الثرية تضعف الديمقراطية بصورة مباشرة، وبخاصة إذا ما ترافق هذا الأمر مع عزوف مجتمعي عن المشاركة السياسية، وأشار إلى أن المؤسسات الثقافية والنوادي والمؤسسات الاجتماعية والأنشطة غير الرسمية هي التي تقوي ثقة الجماهير في الدولة وتقلص حجم نفوذ رجال الأعمال الباحثين عن سيطرة على مقاليد السياسة.
فيما لا تتوقف الدراسات حوله لمحاولة فهم كيفية تفاعل المجتمعات معه، وبينها دراسة لأستاذ علم الاجتماع بجامعة أسيوط المصرية صبري عبدالمطلب، الذي صاغ دراسة حديثة حول رأس المال السياسي وأثره في العملية الديمقراطية، وتساءل فيها بصورة أساسية "هل يُسهم تراكم رأس المال السياسي وتفعيل الشبكات الاجتماعية في تعزيز المشاركة الديمقراطية، وتوسيع فرص التمثيل السياسي، وإتاحة قنوات أكثر عدالة للتأثير في المجال العام؟ أم أن هذه الشبكات قد تؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط غير متكافئة من النفوذ السياسي وتكرس احتكار التأثير من قبل فئات محددة، وتحدّ فاعلية المشاركة الشعبية الواسعة، بما ينعكس على جودة الممارسة الديمقراطية ومضمونها الفعلي؟".
ومن ضمن ما خلصت إليه الدراسة أن "رأس المال السياسي يُسهم بصورة ملموسة في تغيير المواقع والأدوار داخل المجال السياسي، إذ ينتقل المشاركون من هامش النشاط السياسي إلى مركزه"، ووفقاً لمعهد الأبحاث الأميركي "معهد الفكر الاقتصادي الجديد" فإن سقف التبرعات السياسية من قبل رجال الأعمال فاحشي الثراء في الولايات المتحدة الأميركية أكثر حرية بكثير مقارنة بالدول الأوروبية، مما ينعكس بصورة مباشرة على انتصار تفضيلات الأثرياء في الخيارات السياسية مقارنة بمتوسطي الدخل والفقراء، لكن هذا لا ينفي القلق كلياً حول الوضع الأوروبي، فبحسب دراسة نشرها المعهد فإن الأموال الخاصة في الحملات الانتخابية في فرنسا على سبيل المثال تؤثر أيضاً بصورة حاسمة في العملية السياسية، وبخاصة في حالة محدودية التمويل والموارد، وهو ما حدث في حملة الرئيس إيمانويل ماكرون الانتخابية، لكن لا يزال الأمر أقل بكثير مما يحدث في الولايات المتحدة، في ظل نظام التشديد الرقابي الذي أقرته الجمهورية الفرنسية منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي.
كذلك فإن الجدل متصاعد في المملكة المتحدة حول فوز كثير من رجال الأعمال النافذين ومسؤولي كبرى الشركات وأصحاب استثمارات المليارات في مقاعد سياسية مهمة في مجلس اللوردات، وذلك بحسب ما جاء في تقرير لمنظمة الشفافية الدولية بمكافحة الفساد.
تأثير المال السياسي
إذن فحتى الليبراليات الكبرى ذات قوانين التمويل الصارمة قد تقف عاجزة في بعض الأوقات أمام التصدي لنفوذ أصحاب المليارات، الذين يبدو طموح بعضهم بالتأثير في توجهات الأحزاب عابراً للقارات، حيث يحضر اسم إيلون ماسك مرة أخرى حينما أثار جدلاً العام الماضي بظهوره في فيديو دعائي لحزب "البديل من أجل ألمانيا"، وعدّه الأفضل لقيادة الدولة الأوروبية التي تتعاظم فيها قوى اليمين حالياً، وصرح رئيس موقع "إكس" بأنه من خلال توجهات هذا الحزب الذي يصنف على أنه متطرف ومتعصب، يمكن للألمان التخلص من عقد ذنب النازية القديمة أي أن يتوقفوا عن التكفير عما فعله هتلر، وعلى رغم ترحيب التيارات اليمينية بما قاله ماسك، لكن كثراً أبدوا قلقهم مما سمّوه تدخلاً سافراً في توجيه الناخب الألماني، لا سيما أن ماسك يحكم قبضته أيضاً على موقع السوشيال ميديا الشهير "إكس"، فهو يمتلك مزايا عدة للتأثير في الآراء.
ويرى أستاذ العلوم السياسية رامي عاشور أن صنع القرار في أوروبا لا يزال أكثر تحصناً على رغم تعاظم خطورة الأثرياء يوماً بعد آخر، لا سيما داعمي التيارات اليمينية المحافظة، فهناك وعي بمصالح الدولة العليا، وحول الدول الأقل ديمقراطية، وهل تكون تأثيرات المال السياسي هنا نحو مزيد من القيود، يضرب الدكتور رامي عاشور أستاذ العلوم السياسية المثل بالصين كحكومة أوتوقراطية تعتمد على الكفاءات شبه الثابتة، التي لا تتغير، لافتاً إلى أن القوانين الصارمة تحمي هذا النظام الذي يهتم كثيراً بتخصص العلوم السياسية لنشر الوعي السياسي بين المواطنين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع عاشور، "بعكس أنظمة أخرى يكون فيها المجال خانقاً تماماً فلا توجد حكومة تكنوقراط أو أوتوقراط ومع ذلك يبدو المجال السياسي شبه منعدم، ولهذا فإن أصحاب الثروات يدركون أنهم لن يحققوا أمانهم المالي دون مواءمة مع المؤسسات الرسمية، فلا يهتمون بالعملية السياسية إلا من خلال السعي إلى تحقيق أرضية حزبية وإلى إرضاء بعض الجماهير لتكون ورقة في يده تساعده في الحصول على مزايا تصب في نفوذه المالي".
بحسب تقرير منظمة أكسفام الصادر مطلع هذا العام فإن الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء لم تعد في مستوى الدخل فقط، إنما السلطة السياسية انتقلت أيضاً من حكم الغالبية وهو الشعب، للنخبة الأكثر ثراء فإن لم يكن الأمر بالتأثير بصورة مباشرة في من تجلبه صناديق الاقتراع، فإنه يتحول إلى تمويل جماعات الضغط والدعاية من أجل تمرير القرارات السياسية، التي ترضى عنها تلك القلة التي تملك الأموال الباهظة، ولفت التقرير إلى أن تمركز الثروات في فئة قليلة للغاية يهدد بقوة ازدهار الديمقراطية.