ملخص
خلال العقود الماضية وثقت الحركة السياسية وباحثون كرد أسماء مئات القرى والبلدات التي جرى تعريبها بقرارات من وزارة الإدارة المحلية، والتي تركزت في أرياف حلب والرقة والحسكة، من أسمائها الأصلية إلى العربية، إما من خلال ترجمة معانيها بصورة حرفية، أو باعتماد أسماء عربية جديدة لها.
بات الحديث عن سوريا جديدة رؤية استراتيجية طويلة الأمد بالنسبة إلى الدول المحيطة والمجتمع الدولي، من خلال احتضانها مجدداً في مراكز القرار والمنتديات التي ترسم ملامح المستقبل في المنطقة، إضافة إلى رفع العقوبات الاقتصادية والسياسية عنها من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وسبق ذلك دعم عربي واسع، فيما تنسج الآمال بأن تعود سوريا دولة متصالحة مع نفسها ومع جوارها.
هذا النشاط المحموم لإعادة تموضع سوريا يطرح سؤالاً في الداخل حول الهوية الوطنية والهويات الفرعية التي تشكلت منها البلاد على المستوى القومي والاجتماعي والثقافي، فعلى الأرض يبدو التوجه نحو نظام مختلف عما كان عليه إبان حكم حزب البعث، الذي عمل على إنكار أية صبغة غير عربية لأي مكون أو منطقة في البلاد، بل وغير ما كان قائماً عبر التاريخ القديم أو الحديث من أسماء الأماكن والمدن والبلدات والقرى التي تحمل طابعاً تراثياً محلياً متعلقاً بالمجتمعات المحلية، وكانت هذه السياسة بارزة بصورة واضحة في المناطق الكردية من خلال تغير ديموغرافيتها عبر إسكان سوريين عرب، وتسمية القرى التي استحدثت بأسماء عربية، وكذلك تغير أسماء البلدات والقرى الكردية إلى أسماء عربية في السجلات الرسمية.
وخلال العقود الماضية وثقت الحركة السياسية وباحثون كرد أسماء مئات القرى والبلدات التي جرى تعريبها بقرارات من وزارة الإدارة المحلية، والتي تركزت في أرياف حلب والرقة والحسكة، من أسمائها الأصلية إلى العربية، إما من خلال ترجمة معانيها بصورة حرفية، أو باعتماد أسماء عربية جديدة لها.
أسماء مزدوجة
وخلال هذه العقود اكتسبت معظم المدن أسماء مزدوجة واحدة عربية رسمية، وهي المعتمدة على الشاخصات وفي اللوحات التعريفية والسجلات الحكومية، وأخرى كردية معتمدة لدى السكان مثل كوباني وسري كانيه وديريك وتربه سبي وقامشلو وشييه وغيرها، يقابلها عين العرب ورأس العين والمالكية والقحطانية والقامشلي.
خلقت هذه التسميات إشكالية العلاقة ما بين الحكومة والكرد في مناطقهم، إذ اعتبروها إحدى ممارسات القمع وإنكار هويتهم بصورة ممنهجة من قبل النظام السياسي والإداري في سوريا، لتنتقل لاحقاً إلى الأوساط الشعبية المؤيدة للحكومة، وتصبح مجالاً للسجالات ما بين تلك الفئات والأوساط الكردية، امتدت حتى ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.
وخلال الأيام القليلة الماضية رفعت الحكومة لافتة على الحدود الإدارية لمنطقة كوباني باسم منطقة عين العرب، ولاحقاً وضعت شاخصة تشير بالاسم إلى مدينة كوباني، وسبق ذلك اعتماد اسم المدينة والمنطقة معاً باسم عين العرب في القرارات والتسميات الرسمية للحكومة الموقتة، مما أثار حفيظة ناشطين أكراد سارعوا إلى إطلاق حملة باسم " كوباني... الهوية"، بدأت بتظاهرة حاشدة وسط المدينة الواقعة شمال سوريا، ورفع فيها المتظاهرون شعارات تعبر عن تمسكهم باسم مدينتهم، رافضين أية تسمية أخرى، إلى جانب رفع الأعلام الكردية.
"كوباني... الهوية"
يقول رضوان بيزار، وهو صحافي وأحد منظمي حملة "كوباني... الهوية"، "بدأنا بالترويج لها في وسائل التواصل الاجتماعي، والتظاهرة كانت إحدى نشاطاتها، وستستمر الحملة من أجل تحقيق إدراج وتداول اسم كوباني رسمياً"، مضيفاً أنه "بعد كل هذه الأعوام من التضحيات التي تمثلت بأعوام الثورة والنزوح والقتال من أجل المدينة، وبعد سقوط النظام البعثي تأتي حكومة موقتة لتعتمد التسميات العنصرية السابقة؟ إن هذا مرفوض ولا نقبله نحن أهالي المنطقة".
وتابع أنه "عندما تعتمد الجهات الرسمية ما قام به نظام الأسد فهذا يعني أن العقلية الحالية ترفض سوريا تعددية ومتنوعة، ولا تقبل بهوية الكرد في سوريا الجديدة". لذا، فإن مطلبهم في هذه الحملة هو اعتماد الحكومة لاسم كوباني في الوثائق الرسمية للدولة، وثانياً إزالة آثار الممارسات العنصرية التي قام بها النظام السابق، بما فيها تغيير أسماء مئات القرى التابعة لكوباني وريفها واعتماد الأصلية لها، وكذلك وقف أية ممارسات عنصرية ومنع خطاب الكراهية على وسائل التواصل تجاه أبناء المنطقة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عرفت كوباني خلال الأعوام السابقة بهذا الاسم على مستوى العالم أجمع من خلال معركتها الشهيرة في مواجهة تنظيم "داعش"، ومنها بدأت الشراكة العسكرية الأميركية والدولية مع الأكراد، كما أن الجيل الجديد من سكان المنطقة لا يعرفون اسماً لها سوى كوباني، كما أن التنظيم المتطرف حاول تسميتها باسم "عين الإسلام" ولكنه لم ينجح في السيطرة عليها، بل إن انكساره عسكرياً بدأ من هذه المعركة، بحسب بيزار.
ويشدد منظمو الحملة على أن اتفاق الدمج الجاري بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الموقتة لا يعني المساس بالتراث اللامادي لأبناء المنطقة، بل يجب الحفاظ على خصوصيتهم وهويتهم من خلال تثبيتها رسمياً.
ويشير بيزار، إلى أن عدداً من المدن السورية الكبرى لا تحمل أسماء عربية مثل طرطوس وحتى اسم سوريا، متسائلاً عن الإصرار على تعريب أسماء المناطق الكردية "في حين لا يجرؤ أحد على تعريب مناطق الداخل السوري"، بحسب تعبيره.
لا للتعريب
ونوه بيزار إلى أنهم ناقشوا مطالبهم قبل انطلاق الحملة مع المسؤولين، لا سيما المنخرطين في عملية الاندماج مع الحكومة، بمن فيهم أعضاء البرلمان الجديد، إلا أنهم لم يتلقوا أي جواب، وكذلك جرى التواصل مع المدير الجديد لمنطقتهم إبراهيم مسلم، الذي صرح لوسائل إعلام محلية بأن موضوع تغيير الاسم أو تعديل الوحدة الإدارية أو إعادة التسمية يعد من اختصاص وزارة الإدارة المحلية ولا يندرج ضمن صلاحيات إدارة المنطقة، مؤكداً رفع هذا الطلب إلى الجهات المعنية في وزارة الإدارة المحلية للنظر فيه واتخاذ ما تراه مناسباً وفق الأصول والإجراءات المعتمدة.
وتفاعل مع الحملة شخصيات وأحزاب سياسية كردية، إذ أصدرت مجموعة من الأحزاب الكردية السورية المعروفة بأحزاب اللقاء التشاوري والمكون من ثمانية أحزاب، بياناً علقت فيه على سياسات التعريب خلال العقود السابقة، داعية إلى القطع مع العهد السابق الذي استهدف الكرد ووجودهم القومي وحقوقهم المشروعة، وفي مقدمها سياسة التعريب الممنهجة "التي لم تقتصر على مشروع الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي والحرمان من الحقوق الأساس، بل شملت أيضاً تغيير الأسماء التاريخية للمدن والبلدات والقرى والجبال والأنهار والتلال والمواقع الأثرية والجغرافية الكردية، في محاولة لطمس الهوية القومية والثقافية للشعب الكردي، وتزييف الحقائق المرتبطة بجغرافية كردستان سوريا"، وفق ما جاء في البيان.
وطالبت هذه الأحزاب بإعادة جميع الأسماء الكردية الأصلية للمدن والبلدات والقرى والمزارات والمواقع الأثرية والتاريخية والجغرافية التي تعرضت للتعريب، واعتمادها رسمياً في جميع الوثائق والسجلات والخرائط والمؤسسات العامة، وإلغاء جميع القرارات والمراسيم التي شرعت سياسات التعريب وتغيير أسماء المناطق الكردية، من خلال تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم متخصصين في التاريخ والجغرافيا واللغات والآثار، إلى جانب ممثلين عن المناطق المعنية، تتولى توثيق الأسماء الأصلية وإعادة اعتمادها وفق المعايير التاريخية والعلمية.
كذا طالبت الأحزاب باعتبار معالجة آثار التعريب جزءاً أساساً من مسار العدالة الانتقالية، وجبر الضرر المعنوي والثقافي الذي لحق بالشعب الكردي نتيجة سياسات الإنكار والإقصاء، إضافة إلى إدراج حماية التنوع اللغوي والثقافي، واحترام الخصوصيات القومية، ضمن المبادئ الدستورية الناظمة للدولة السورية الجديدة.
وختمت أحزاب اللقاء التشاوري بيانها بالقول إن إعادة الأسماء التاريخية إلى أصحابها ليست مطلباً رمزياً أو شكلياً، "وإنما استحقاق وطني وحق تاريخي، وخطوة أساس في مسار المصالحة الوطنية، وترسيخ مبدأ المساواة بين جميع السوريين، وبناء دولة ديمقراطية تعددية تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الحقوق القومية والثقافية لجميع مكوناتها".