Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنماط العيش في ظل البعث ترصدها "وارثة المفاتيح"

سوسن جميل حسن تسترجع مصائر السوريين بين الموت والهرب والانتحار والهجرة

لوحة للرسام السوري أحمد داود (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

   تشكل أنماط العيش ومآلاتها في ظل النظام السوري السابق، الثيمة التي تتناولها رواية "وارثة المفاتيح"، الصادرة عن منشورات الربيع المصرية للروائية والطبيبة السورية المقيمة في برلين سوسن جميل حسن.

ترصد الكاتبة في روايتها التداعيات المباشرة وغير المباشرة للنظام السابق، على أسرة سورية تقيم في مدينة ساحلية وتتحدر من أصول ريفية، وترسم المسارات المتعاكسة والمصائر المختلفة لأفرادها، تلك التي تراوح ما بين الهجرة والانتحار والجنون والعزلة. وهذه المصائر هي نتيجة طبيعية للعيش في ظل نظام جائر، يحصي على الناس حركاتهم وسكناتهم، ويصادر حقهم في الحياة الحرة الكريمة، ويتحكم زبانيته بكل مفاصل الحياة، ويمارسون الموبقات شتى. وتأتي الحرب التي شنها على مواطنيه لتزيد من تفاقم الأمور. ويكون عليهم الاختيار بين الموت قصفاً، أو الانتحار قهراً، أو الهجرة هرباً، أو الجنون قسراً، أو العزلة طوعاً، مما يؤول إليه أفراد الأسرة المرصودة.

 تجري الأحداث في شقها المعيش في مدينة ساحلية لا تسميها الرواية، لعلها اللاذقية، في آذار من العام الخامس لاندلاع الحرب. وتعود في شقها المتذكر للعشريتين الأولى والثامنة من القرن الماضي. وتتمحور حول شخصيتي الشرطي عفيف وزوجته رضية، المتحدرين من أصول ريفية. وعلى رغم ذلك، لم يكُن ثمة تكافؤ بينهما في الميول والاتجاهات، مما يشكل أول عطب في العلاقة بينهما، تليه أعطاب أخرى، تترتب عليها نتائج خطرة ليس أقلها التفكك الأسري.

شخصية انطوائية

 تبدأ الرواية على المستوى النصي من النهاية، على المستوى الوقائعي بالنسبة إلى عفيف، ومن نقطة قريبة منها بالنسبة إلى رضية، والمفارق أن كلاً منهما يتخذ من واقعة سقوط صاروخ في أحد أحياء المدينة إطاراً زمنياً لاستعادة شريط حياته بكل تفاصيله، ذلك أن عفيف الذي يمضي يومه الأخير في سلك الشرطة بعد خدمة 40 عاماً، يسمع دوي الانفجار ولا يكترث، ويستمر في جمع أغراضه المزمع تسليمها إلى المخفر، قبل إحالته على التقاعد، وتقع في يده مجموعة من الصور القديمة، يقوم بمشاهدتها لتوقظ كل منها ذكرى معينة.

وهكذا، يستعيد شريط حياته خلال عملية التفقد. ويتبين لنا من خلال هذه الاستعادة، أننا إزاء شخصية منطوية على نفسها، ترزح تحت وطأة شعور ثقيل بالذنب وتخشى طرح الأسئلة وتعاني خللاً في العلاقة الزوجية وتفشل في بناء أسرة متماسكة وتعجز عن تأمين حياة كريمة لأفرادها، مما نستنتجه من الوقائع الروائية المختلفة، ذلك أنه خلال سني خدمته الـ40 في سلك الشرطة، يشهد كثيراً من المظالم. ويخاف من رفضها علناً ويعجز عن حماية ابنه الوحيد عابد، حين يعتقل بتهمة تعاطي المخدرات. ويشعر بالضعف أمام زوجته، حين تقرر الانطلاق في مشروعها التجاري، بذريعة تأمين حياة كريمة للأسرة. ويقف مكتوف اليدين إزاء رحيل ابنته الكبرى غيداء عن البيت بحثاً عن فرصتها في الحياة.

 وفي مواجهة هذه الوقائع، غالباً ما كان ينسحب إلى نفسه ويلوذ بالصمت أو يفضي بهواجسه إلى عمته مزنة التي "كان قلبها مأواه كلما عصفت رياح الحياة بكيانه" (صفحة 8)، ورحلت منذ 14 عاماً. ومن هنا، يشكل تفقده الصور نوعاً من كشف حساب متأخر له مع الحياة، يخلص منه إلى أنها كانت مجموعة من الهزائم والانكسارات. لذلك، ما إن يقوم بتسليم أمتعته إلى المخفر ويقابل العقيد المسؤول حتى يخرج مسدسه ويفرغ طلقة في رأسه، هي الأولى له، طوال 40 عاماً من الخدمة. وبذلك، يسقط ضحية شخصيته الانطوائية وظروف خدمته القاسية وعجزه عن الكلام وفشله في الفعل.

 شخصية مختلفة

 في المقابل، يشكل تلقي رضية اتصالاً هاتفياً من ابنتها سمرا، تبلغها فيه بأن ثمة دورية تريد إغلاق محلها وختمه بالشمع الأحمر، بتهمة بيعها ألبسة مستعملة، الإطار الزمني والوقائعي لاستعادة رضية شريط حياتها. ومن خلال هذه الاستعادة، نتعرف إلى شخصية مختلفة عن شخصية عفيف، ترفض الأمر الواقع وترمي الماضي الريفي وراءها وتحب أن تعيش حياتها وتجنح نحو المغامرة وتطمح إلى أن تكون سيدة أعمال ناجحة.  لذلك، تتخذ من محدودية راتب الزوج ورغبتها في مساعدته في إعالة الأسرة ذريعة لتحقيق غايتها، والغاية عندها تبرر الوسيلة، فتقرر الانفتاح على شريحة من محدثي النعمة، ممن يدورون في فلك النظام، ولا تتورع عن الدخول في علاقة غرامية مع الباشا، الآمر الناهي الذي يرتكب الموبقات شتى، من دون حسيب أو رقيب، ويسير ابنه أمجد على خطاه، في التسلط والتشبيح والاغتصاب. وحين تدرك رضية خطورة ما انزلقت إليه، يكون الأوان قد فات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وهي، إذا كانت قد أفادت، إلى حد معين من علاقتها المشبوهة بهذا الوسط الموبوء، فإنها، من حيث تدري أو لا تدري، تدفع أثماناً غالية لهذه العلاقة، تؤول بها إلى الجنون، فالباشا يتخلى عنها بعد أن استنفد أحدهما الآخر ويمتنع عن الرد على اتصالاتها. وزوجها عفيف ينتحر بعد إحالته على التقاعد. وابنتها غيداء التي تشهد عبثها مع الباشا في الشاليه تنفر منها وتنسحب إلى نفسها وتغادر البيت بعد أن تترك لها رسالة تعرض بفشلها في أن تكون أماً صالحة. وابنها عابد الذي تتوسط له لدى الباشا، فيلحقه بفريق حماية أمجد، يقوم بتعاطي المخدرات، في ظل عدم قدرته على حماية ضحايا الابن الأرعن من رعونته، وينتهي به المطاف منتحراً. وحفيدها غزوان تخطفه عصابة أمجد من دون أن يعرف، ويا لسخرية القدر، أنه ابنه الطبيعي من إحدى ضحاياه الكثيرات، وقد قام عابد بالزواج بها كي ينقذها من الانتحار، حتى إذا ما استعانت بالباشا لتحرير الحفيد من خاطفيه، يقوم بالاستيلاء على ما بقي من أموال جدته، ويهاجر تحت جنح الظلام بطريقة غير شرعية. وهكذا، تكون رضية قد جنت كثيراً من المال، ولكنها خسرت نفسها وأسرتها ومالها وعقلها، في نهاية المطاف.

 وعليه، تؤول الأسرة التي وقعت عليها تداعيات النظام المباشرة وغير المباشرة إلى مصائر فاجعة، فينتحر الأب والابن، وتهاجر الابنة الكبرى والحفيد، وتجن الأم، وتفيئ الابنة الصغرى إلى وحدة قاتلة. وعلى رغم هذه المآلات، تبقي الروائية الباب مفتوحاً على أمل ما، حين تنهي روايتها بالقول "كانت تباشير الفجر قد بدأت، وحياة أخرى ستنهض بعد قليل" (صفحة 230).  

 تقنيات سردية

  في "وارثة المفاتيح"، تثبت سوسن جميل حسن مرة أخرى تمكنها من أدواتها الروائية، فتصوغ روايتها بلغة رشيقة، تجاور بين المستويين الفصيح في السرد والمحكي في الحوار. وتتموضع في الأول في منزلة بين منزلتي الأدبية والمباشرة، وتوهم في الثاني بواقعية المروي. وهي، إذ تعهد بمهمة الرواية إلى راوٍ عليم، فإنها لم تعدم تقنية تعدد الأصوات، من خلال إيراد مقاطع كاملة على لسان هذه الشخصية أو تلك، في سياق المروي. وتضع روايتها في 20 وحدة سردية، متفاوتة المساحة، بحيث يراوح طول الوحدة ما بين صفحة وربع الصفحة في الحد الأدنى، و33 صفحة في الحد الأقصى. وإذا كان من الطبيعي أن تتناول كل منها شخصية واحدة أو أكثر، في مكان وزمان معينين، فإن المفارق أن تتعدد الأزمنة والأمكنة والشخوص في الوحدة الواحدة، تنتقل بينها الكاتبة بسهولة ويسر، بسبب أو بلا سبب، مما يتيح لنصها قدراً كبيراً من الحيوية والتنوع. وبهذه التقنيات السردية وغيرها، تقدم لنا سوسن جميل حسن رواية متماسكة، جميلة، تمتع قراءتها قبل أن تفيد، ولا يمكن لقارئها أن يعود من الغنيمة بالإياب.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة