ملخص
تكشف مقبرة نسائية عمرها 300 ألف عام في جنوب أفريقيا أن "هومو ناليدي" امتلك ثقافة وطقوساً اجتماعية أكثر تعقيداً مما كان يعتقد، مع دلائل على هوية ثقافية نسائية ودفن منظم للموتى، مما يقلب مفاهيم راسخة تربط تطور الثقافة البشرية بكبر حجم الدماغ.
في سابقة من نوعها، تشير اكتشافات جديدة واستثنائية إلى أن مجتمعات بشرية قديمة (لا تنتمي إلى نوع الإنسان العاقل Homo-sapien) كانت أكثر تعقيداً وتقدماً بكثير مما كان يعتقد سابقاً.
وتكشف أدلة علمية جديدة عن أن نوعاً غير معروف نسبياً من أشباه البشر، انقرض منذ زمن بعيد ويعرف باسم "هومو ناليدي" Homo naledi، طور قبل نحو 300 ألف عام ما يبدو أنه صورة شديدة التعقيد من التنظيم المجتمعي، تميز بفصل ثقافي صارم بين الجنسين وبهوية ثقافية نسائية قوية للغاية.
وترجح الأدلة بقوة أن هذا النوع كان يفصل بين موتاه من الذكور والإناث، مما يدل على احتمال خضوع الجنسين لفصل اجتماعي وثقافي مماثل خلال حياتهما. وتشير كذلك إلى أن إناث هذا النوع طورن شكلاً من الهوية الثقافية المبنية على النوع الاجتماعي، ربما يمثل في بعض جوانبه شكلاً من أشكال النسوية في عصور ما قبل التاريخ.
فقد كشفت اختبارات لبروتينات قديمة محفوظة في أسنان هذا النوع عن تخصيصه مقابر للإناث فقط، بل إن بعض الأدلة يرجح أن الأفراد الذين نقلوا تلك المتوفيات إلى مثواهن الأخير (في كهف ناء داخل تل) وتولوا دفنهن، كانوا من الإناث حصراً.
واللافت أن ذكور هذا النوع غائبون تماماً عن السجل الأثري، إذ لم يعثر على أي منهم أبداً، ويجهل علماء الآثار طبيعة دورهم في المجتمع أو أماكن دفنهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتقع المقبرة الكهفية النسائية في كهف "رايزينغ ستار" (النجم الصاعد) Rising Star Cave بالقرب من جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا، ويحقق فيها فريق من العلماء الجنوب أفريقيين بقيادة البروفيسور لي بيرغر، الذي كان سابقاً في جامعة ويتواترسراند ويعمل حالياً مع الجمعية الجغرافية الوطنية الأميركية (ناشيونال جيوغرافيك) National Geographic Society.
في الواقع، نحن إزاء أول مثال معروف في العالم لمقبرة مخصصة للنساء حصراً تعود لعصور ما قبل التاريخ. بل إن الفصل بين الجنسين بعد الموت ظل نادراً للغاية حتى في الأزمنة الحديثة نسبياً، فباستثناء بعض المقابر التابعة لمؤسسات نسائية بحتة، مثل الأديرة الخاصة بالراهبات، فإن المثال الوحيد المعروف لمقبرة مخصصة للنساء يوجد في رواندا، إذ كانت تدفن النساء اللاتي يتوفين أثناء الولادة في جزر مخصصة داخل بحيرة محلية.
إضافة إلى كونها تكشف عن مستوى غير متوقع تماماً من التعقيد الاجتماعي المبكر، تظهر المقبرة الكهفية في جنوب أفريقيا أن إناث هذا النوع كان لديهن استعداد كبير لبذل جهود استثنائية من أجل ممارسة طقوسهن وتقاليدهن الخاصة بالنساء وحدهن.
ولنقل الجثامين إلى المقبرة الواقعة داخل الكهف، كان يتعين على المشيعين - الذين يرجح أنهم من الإناث - قضاء ما لا يقل عن ساعة وهم يزحفون عبر ممرات شديدة الضيق وينحدرون عبر فتحات ومهاو صعبة العبور. وتشير المعطيات إلى أن ذكور أشباه البشر، بمختلف أنواعهم، كانوا في العادة أكبر حجماً من الإناث بنسبة تراوح بين 15 و50 في المئة، مما يعني أن ذكور "هومو ناليدي" كانوا على الأرجح سيجدون صعوبة أكبر بكثير، أو ربما يستحيل عليهم أساساً، الوصول إلى الأجزاء الداخلية من الكهف.
كذلك، كان على تلك المشيعات المحتملات، اللاتي كن يحملن جثث المتوفيات، استخدام مشاعل تدوم طويلاً، أو إشعال سلسلة من النيران على أرضية الكهف، لإضاءة طريقهن في هذه الرحلة إلى أعماق الكهف.
والأهم من ذلك أن هذه الثقافة تعد، وبفارق كبير، الأقدم على الإطلاق في اعتماد ممارسة دفن الموتى.
وأخيراً وليس آخراً، فإن أدلة جديدة (من المقرر نشرها قريباً) تعزز فرضية أن نساء "هومو ناليدي" ابتكرن شكلاً من الفنون الهندسية، لا تزال معالمه تزين أكثر من خمسة أمتار مربعة من جدران الكهف.
بيد أن اللغز الأكبر الذي يكتنف ثقافة "هومو ناليدي" يكمن في أنهم كانوا (في السلوك المعقد، والثقافة، والفن، والطقوس، وإيقاد النار، وغيرها) قادرين على ممارسة أنشطة تشبه إلى حد كبير ما يفعله الإنسان الحديث تشريحياً (هومو سابينس)، ومع ذلك فقد حققوا ذلك بأدمغة أصغر من أدمغتنا بنسبة تراوح بين 54 و63 في المئة.
وللمرة الأولى، يجد علماء الأنثروبولوجيا أنفسهم مضطرين إلى التخلي عن اعتقاد ظلوا متمسكين به طويلاً، ومفاده بأن نشوء ثقافة شديدة التعقيد لدى الرئيسات يتطلب امتلاك أفراد النوع أدمغة كبيرة.
ومع أن دماغ "هومو ناليدي" لا يزيد كثيراً في حجمه على دماغ الشمبانزي، فإن القوالب الداخلية لجماجمهم (نماذج للتجويف الداخلي للجمجمة) كشفت عن أن بنية أدمغتهم لم تكن تشبه بنية دماغ الشمبانزي في شيء، بل كانت تضاهي في تعقيدها بنية دماغ الإنسان.
يشير ذلك إلى أن بنية الدماغ في مسار التطور البشري (لا سيما الفص الجبهي الكبير) ليست أقل أهمية من حجم الدماغ ككل، بل ربما تفوقه أهمية.
ويترتب على ذلك أيضاً تداعيات مهمة على دراسة القدرات الذهنية لبعض أسلاف الإنسان العاقل الأوائل وفهمها، ولا سيما مجموعة الأوسترالوبيثيكيات Australopithecines التي عاشت في شرق أفريقيا وجنوبها بين 4.2 مليون و1.9 مليون سنة مضت (وكانت تمتلك أدمغة تقارب في حجمها أدمغة أفراد "هومو ناليدي" الذين عاشوا قبل نحو 300 ألف عام وتمتعوا، وفق المعطيات الحالية، بثقافة متقدمة على نحو لافت).
وكان جانب كبير من الأعمال الاستكشافية داخل كهف "رايزينغ ستار"، الذي يضم المقبرة النسائية التابعة لـهومو ناليدي، قد نفذ في مراحله الأولى على يد فريق مؤلف من ست عالمات أطلق عليهن لقب "رائدات فضاء الأعماق الجوفية"، نظراً إلى الصعوبات والأخطار الكبيرة المرتبطة بالوصول إلى الحجرة الرئيسة في الكهف.
وكان قائد البعثة، لي بيرغر، قد اختارهن بعدما استعان بوسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب باحثات يمتلكن خبرة في التنقيب الأثري واستكشاف الكهوف، على أن يكن صغيرات القامة ونحيفات بما يكفي للزحف عبر ممرات الكهف الضيقة للغاية.
بل إن أحد أكثر الممرات صعوبة حمل اسم "زحف سوبرمان"، لأن عبوره كان يتطلب من الباحثات مد ذراع واحدة إلى الأمام، على نحو يشبه هيئة سوبرمان أثناء الطيران.
وقال البروفيسور بيرغر، قائد مشروع كهف "رايزينغ ستار"، إن "نتائج اختبارات البروتين تقدم دليلاً حاسماً على وجود تعقيد ثقافي في مجتمع هومو ناليدي"، مضيفاً "لا شك في أن هذا سيجبرنا على إعادة النظر في توقيت ظهور ونشأة السلوك الثقافي المعقد".
وتابع البروفيسور بيرغر قائلاً: "ويكتسب ذلك أهمية خاصة، لأن السلف المشترك الأحدث بين ’هومو ناليدي‘ وجنسنا كان على الأرجح من نوع الأسترالوبيثيكوس، الذي عاش قبل أكثر من مليوني عام".
وقد نشرت أخيراً في مجلة "سيل" (خلية) Cell الأميركية العلمية الأدلة التي تشير إلى أن مقبرة ناليدي الجوفية، التي يعود تاريخها لنحو 300 ألف عام، كانت مقبرة مخصصة للإناث فقط. أما اختبارات البروتين الأساسية التي كشفت عن أن الأفراد المدفونين في الكهف كانوا، على الأرجح شبه المؤكد، من الإناث، فقد أجرتها العالمة الجنوب أفريقية الدكتورة باليسا مادوبي في معهد "غلوب" التابع لجامعة كوبنهاغن.
ويبدو أن هذه المقبرة كانت المثوى الأخير لعشرات، في أقل تقدير، من نساء "هومو ناليدي" (ومن بينهن رضيعات وصغيرات وأطفال إناث أكبر سناً ومراهقات). وقد استمر دفن الإناث، على الأرجح على أيدي مشيعات من النساء، داخل هذا العالم السفلي الجوفي على امتداد فترة زمنية طويلة نسبياً. ومن ثم، يبدو أن تقليد الدفن المخصص للإناث وحدهن كان عرفاً ثقافياً مستقراً استمر زمناً غير قصير داخل مجتمع "هومو ناليدي".
© The Independent