Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نهاية حقبة "حماس" هل تكون بداية لإدارة غزة من خلف الكواليس؟

الحركة تفكك حكومتها وتناور بـ"اللجنة الوطنية" لهندسة "اليوم التالي"

قرار "حماس" ينهي رسمياً حقبة 18 عاماً من حكم الحركة المدني المباشر لقطاع غزة (أ ف ب)

ملخص

بعد 18 عاماً "حماس" تنهي حكمها المدني المباشر لقطاع غزة بحل لجنة الطوارئ الحكومية.

شجع الوسطاء "حماس" على حل لجنة الطوارئ الحكومية وأقنعوها بأن التنازل عن الحكم المدني والقبول بصيغ لنقاش ملف السلاح ليس تراجعاً، بل هو الممر لتفكيك الذرائع الدولية وإنقاذ الحاضنة الشعبية من شبح المجاعة.

لم يكن إعلان "حماس" حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة مجرد إجراء إداري يطوي صفحة مؤسسة خدمية، وإنما جاء كقرار سياسي مدوٍ ينهي رسمياً حقبة 18 عاماً من حكم الحركة المدني المباشر للقطاع.

هذا الانسحاب التكتيكي لـ"حماس" من المشهد الإداري جاء وسط ضغوط إنسانية ميدانية بلغت حد الانفجار، وتحركات متسارعة وراء الكواليس لمجلس السلام، تزامناً مع طرح مسودة المقترح المعدل ذي الـ15 نقطة الذي صاغه المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف لهندسة "اليوم التالي" للحرب.

ميدانياً، أعلن مدير المكتب الإعلامي الحكومي استقالة رئيس لجنة الطوارئ الحكومية محمد الفرا، مؤكداً إتمام جميع الترتيبات الإدارية والقانونية لعملية تسليم الحكم للجنة الوطنية الجديدة.

وبعد الاستقالة كشفت حركة "حماس" عن أن الخطوة جاءت استجابة للمصلحة الوطنية ونزعاً لذرائع إسرائيل، ولتنفيذ ما أعلنته دوماً من أنها لن تكون في ترتيبات اليوم التالي لإدارة قطاع غزة.

حقبة حكم "حماس" في غزة

على مدار 19 عاماً بقي قطاع غزة تحت سيطرة "حماس"، لكن منظومة الحكم مرت عبر ثلاثة تحولات رئيسة، بدأت الحقبة الأولى في عام 2007 عقب أحداث الانقسام الفلسطيني، حينها فرضت "حماس" سيطرتها الكاملة وأدارت القطاع عبر الحكومة المقالة برئاسة إسماعيل هنية.

وفي عام 2014 شكلت حكومة الوفاق الوطني وكانت مهمتها إدارة غزة وإنهاء حقبة الانقسام، وعلى رغم تشكيلها إلا أن الوزارات في غزة بقيت تُدار فعلياً عبر وكلاء الوزارات التابعين لحركة "حماس".

أما الحقبة الثانية كانت في عام 2016 حين أسست "حماس" اللجنة الإدارية كبديل شبه حكومي لإدارة غزة ثم حلتها في عام 2018، واستبدلتها بلجنة متابعة العمل الحكومي لتصبح المرجعية التنفيذية العليا لجميع الوزارات المدنية في غزة.

بينما الحقبة الثالثة لحكم "حماس" في غزة بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فمع اندلاع الحرب وتدمير المقار شكلت "حماس" لجنة الطوارئ الحكومية برئاسة محمد جواد الفرا لإدارة الأزمات بالحد الأدنى من الميدان ومراكز النزوح، وهي اللجنة التي أعلن حلها أخيراً لمصلحة "اللجنة الوطنية".

لماذا خلعت "حماس" عباءة الحكم؟

لم تنسحب "حماس" من الحكم في خطوة عشوائية، بل كانت استراتيجية تحاول من خلالها مغادرة المقاعد الأمامية للحكم وتتفرغ لهندسة المشهد من الخلف، إذ يقول الباحث السياسي وائل الكتري "من خلال هذا التكتيك، تخفف الحركة طواعية من التزامات إدارية يومية طاحنة أثقلت كاهلها، لا سيما أزمات الرواتب وأعباء البلديات وإدارة القطاع الصحي المتهالك".

ويضيف الكتري "تحولت ’حماس‘ إلى تنظيم قتالي متحرر من العبء الأخلاقي والقانوني لإدارة حياة ملايين النازحين، وتلقي بكرة النار الإنسانية كاملة في وجه المجتمع الدولي، لكن ما ينقص هذا الإعلان أن الطواقم التي تسيطر على الأرض عسكرياً ستبقى مرتبطة بالبنية الفصائلية".

في كتاب استقالته الرسمي الموجه إلى لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية، صرح محمد الفرا بأن هذا القرار جاء "استجابة للمصالح العليا لأبناء شعبنا، وسعياً للتخفيف من معاناة المواطنين الشديدة نتيجة استمرار الإبادة الجماعية وتأخر الإعمار واستمرار الحصار وإغلاق المعابر".

يوضح الكتري أنه على الصعيد العملي، يعني ذلك تحول الطواقم الخدمية في غزة رسمياً إلى موظفين فنيين وتقنيين يعملون في تسيير المرفق العام بلا أي غطاء سياسي أو حزبي مباشر، مشيراً إلى أن هذا التحول يمنح المنظومة الإدارية القائمة هامشاً من المرونة والحماية الصامتة بانتظار عملية التسليم والتسلم الرسمية مع طواقم اللجنة الوطنية الجديدة فور عبورها من القاهرة.

خطة ملادينوف ومجلس السلام

استندت خطوة "حماس" عندما حلت إدارة غزة التابعة لها، على بنود خريطة طريق معقدة مؤلفة من 15 بنداً طرحها الرئيس التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المعتمد بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.

تدور ورقة ملادينوف حول تفكيك الحكم في غزة على ألا يكون دور لـ"حماس" أو للسلطة الفلسطينية، وإنما خلق سلطة ثالثة انتقالية مدعومة دولياً لإدارة شؤون الحكم المدني والمعابر.

تتحرك هذه الخطة تحت رعاية وإشراف مجلس السلام الذي أسس اللجنة الوطنية لإدارة غزة وهي المنظومة الشرعية الموكلة. وفي تعليق ملادينوف على حل "حماس" اللجنة الإدارية التابعة لها، قال "نحن نراقب الأفعال لا الأقوال، ويجب أن يمكِّن نقل السلطة الحقيقي اللجنة الوطنية لإدارة غزة من ممارسة تفويضها بصورة مستقلة كاملة".

ويضيف "تحويل المناقشات في شأن خريطة الطريق في غزة إلى خطوات تنفيذية أمر ضروري، وكلما أسرعت اللجنة الوطنية في تولي مهامها الإدارية، يمكن بدء نزع السلاح وانسحاب إسرائيل من القطاع وانطلاق قطار إعادة الإعمار".

شرط شعث

عندما عرف رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث بتخلي "حماس" عن حكم غزة، أطلق شرطاً حاسماً حين قال "يجب وجود سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد كشرط للبدء".

في الحقيقة، يعد شعث شخصية تكنوقراطية تجيد فهم المجتمع الدولي، إذ يرى الباحث صائب مقاط أن شرط لجنة إدارة غزة وضع لأن رئيسها يعرف أن الصناديق التنموية والبنوك العالمية العابرة للقارات ترفض تماماً ضخ المليارات في بيئة أمنية محكومة برأسين أمنيين.

في تصريحات صحافية، أكد شعث ذلك قائلاً "اشتراط حصر السلاح وسلطة القانون ليس بنداً سياسياً للمساومة، بل هو درع حماية وتأمين إلزامي، إذ لا يمكن لأي شركة إعمار دولية أن تبدأ بوضع حجر أساس واحد في غزة بينما قرار السلم والحرب يقع بيد فصيل مسلح لا يخضع للمرجعية الإدارية الرسمية".

يوضح مقاط أن شعث يدير طواقمه من القاهرة، ويحتاج إلى موافقة وتسهيلات من "حماس" على الأرض لتمكين طواقمه من تسلم مقار الوزارات والبلديات من دون اصطدام ميداني، حتى يحصل على صك الاعتراف والتمويل المالي من مجلس السلام، الذي يشترط غياب أي مظهر للتنسيق أو الخضوع لهيمنة "حماس" المسلحة.

الفيتو الإسرائيلي

قرأت إسرائيل خطوة "حماس" بأنها "مخادعة"، وتحاول الضغط على تل أبيب للسماح للجنة التكنوقراط دخول غزة، قبل البدء في خطوة سحب السلاح. يقول وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر "هذه خدعة بصرية ومناورة شكلية لتضليل المجتمع الدولي، إسرائيل لن تقبل بأي صيغة تمنح ’حماس‘ غطاء شرعياً لإعادة بناء نفسها، ولن نسمح بتحويل القطاع إلى منصة تهديد متجددة تحت تسميات تكنوقراطية مخادعة".

يقول الباحث مقاط "تتحرك تل أبيب بموجب معادلة أمنية، إذ تخشى استنساخ نموذج ’حزب الله‘ في لبنان وتطبيقه داخل غزة، وترفض إسرائيل تماماً أن تدير لجنة تكنوقراط الشؤون الحياتية والبلديات وتتحمل الأعباء الإنسانية والاقتصادية نيابة عن ’حماس‘، بينما تسترخي الحركة في أنفاقها وتحتفظ بترسانتها العسكرية".

ويشير إلى أن إسرائيل ترفض خطوة "حماس" ولن تقبل بدخول لجنة شعث لغزة، وتصر على صيغة تفكيك القدرات العسكرية للحركة وحظر سلاحها أولاً كشرط مسبق وإلزامي قبل إعادة الإعمار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القنابل الموقوتة

شجع الوسطاء "حماس" على حل لجنة الطوارئ الحكومية وأقنعوها بأن التنازل عن الحكم المدني والقبول بصيغ لنقاش ملف السلاح ليس تراجعاً، بل الممر لتفكيك الذرائع الدولية وإنقاذ الحاضنة الشعبية من شبح المجاعة.

يقول وزير وزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي "نحن نؤكد للأخوة في ’حماس‘ أن إلقاء أعباء الحكم اليومية في وجه المجتمع الدولي خطوة ذكية، ولكنها تحتاج إلى شجاعة سياسية في قبول مبدأ التدرج الأمني، لأن تفويت الفرصة على المخططات الإسرائيلية الساعية لفرض الفراغ الشامل يتطلب تمكين لجنة علي شعث فوراً، من دون وضع السلاح كعقبة أولى تفجر المسار قبل بدئه".

يواجه الوسطاء قنبلتين تهددان بنسف المسار، الأولى وهي مصير نحو 50 ألف موظف مدني وأمني عينتهم "حماس" وأي محاولة إقصاء لهم ستعني تفجير جهود علي شعث، فمن دون موافقة وتمويل رواتب هؤلاء من قبل مجلس السلام والمانحين لضمان استمرار المرفق العام، ستدخل غزة في شلل تام وفوضى إدارية، أما القنبلة الثانية وهي دور السلطة الفلسطينية في غزة.

السيناريوهات المستقبلية

يعتقد المراقبون للميدان أن مسارات مستقبل غزة تنحصر بثلاثة سيناريوهات، إذ يقول الباحث في التخطيط الحكومي شادي رجب "السيناريو الأول هو الانفراج الانتقالي المشروط حيث ينجح الوسطاء في فرض صيغة سياسية مرنة تقضي بدخول لجنة علي شعث وبدء الإعمار والخدمات بتمويل دولي، مع تجميد وتأجيل حسم ملف السلاح الفصائلي بضمانات دولية وترحيله لخطوات متأخرة.

ويضيف "السيناريو الثاني هو الفراغ والفوضى الشاملة، إذ قد تمسك إسرائيل بشرط التفكيك الفوري للسلاح كشرط لدخول اللجنة، مما يبقي غزة بلا مرجعية إدارية واضحة، ويعمق الكارثة الإنسانية والمجاعة، وينزلق بالقطاع نحو فوضى أمنية ومجتمعية شاملة نتيجة غياب التمويل والإدارات الحيوية".

أما السيناريو الثالث الذي يتوقعه رجب هو المنطقة الرمادية الموقتة، بأن يعجز الأطراف عن حسم المعركة السياسية وتبقى اللجنة الوطنية معلقة في القاهرة بينما يستمر الموظفون الفنيون ورجال الشرطة المحلية الحاليون داخل غزة يديرون الحد الأدنى من الشؤون كلجنة تسيير أعمال غير رسمية وبلا غطاء معلن، بانتظار نضوج تسوية إقليمية ودولية كبرى وشاملة تعيد صياغة المنطقة.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات