ملخص
تتحول موجة العداء للمهاجرين في جنوب أفريقيا إلى اختبار قاسٍ لإرث مانديلا، بعدما خرجت احتجاجات منظمة تطالب بطرد المهاجرين غير الموثقين وتخللتها أعمال عنف ونهب. الغضب الشعبي من الفقر والبطالة بات وقوداً لحراك سياسي ممول ومنسق، يهدد صورة البلاد التي قامت بعد الفصل العنصري على وعد التعايش والوحدة.
فيما كانت دوريس مثيبي في طريقها لشراء حاجياتها الغذائية في جوهانسبورغ، شاهدت مجموعة كبيرة من الرجال والنساء والأطفال يلوحون بالعصي ويصرخون: "أخرجوهم".
لا تبعد ضاحية آيفوري بارك سوى مسافة قصيرة بالسيارة عن استاد ألكسندرا، إذ عرض نيلسون مانديلا قبل 30 عاماً، في خطاب تاريخي قبيل انتخابات محلية، رؤيته لجنوب أفريقيا متسامحة ومتنوعة.
وقال مانديلا أمام تجمع نظم رداً على اندلاع عنف معاد للأجانب، بعد عام واحد فقط من وصوله إلى السلطة: "لا يمكننا أن نلقي باللوم على الآخرين في مشكلاتنا، لسنا ضحايا لتدفق الأجانب إلى جنوب أفريقيا".
ويواجه حلم مانديلا مرة أخرى تهديداً مع موجة من الاحتجاجات العنيفة المعادية للأجانب، التي تطالب بإخراج جميع المهاجرين غير الموثقين من البلاد فوراً، والتظاهرات الأخيرة أكثر استمرارية وتنسيقاً وتأثيراً سياسياً من أي تحركات سبقتها.
وتروي دوريس ما تتذكره من احتجاج شهدته ثيمبيسا في الـ15 من يونيو (حزيران)، وكان واحداً من احتجاجات كثيرة في أنحاء البلاد يقول خبراء إنها جزء من حملة سياسية تستغل مخاوف اقتصادية مشروعة لتحقيق مكاسب سياسية قبل الانتخابات البلدية المقررة في وقت لاحق من هذا العام.
وتقول دوريس لـ"اندبندنت": "كان الناس يهربون من المجموعة التي تحمل العصي وتصيح وتصرخ".
وتضيف: "كانوا يركضون نحو متجر ’بيك ن باي‘ ركضوا خوفاً من احتمال وقوع إطلاق نار. كان هناك كثير من الناس، رجال ونساء وأطفال أيضاً، في الـ14 أو الـ15، يهتفون ويصرخون: عليهم الرحيل، عليهم الرحيل، عليهم الرحيل".
جاءت الجولة الأخيرة من الاحتجاجات يوم الثلاثاء، التي نظمها تحالف يضم أكثر من 20 مجموعة، لتتزامن مع موعد نهائي غير رسمي حدد في الـ30 من يونيو (حزيران)، إذ طالب المتظاهرون بمغادرة جميع المهاجرين غير المسجلين، ممن لا يملكون وثائق إقامة قانونية، للبلاد. وقد ألقي القبض على أكثر من 900 شخص.
انتهى في عام 1994 نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) البغيض في جنوب أفريقيا، الذي كان يعزل البيض عن غير البيض ويحرم الأخيرين من حقوقهم الأساسية.
لقد وفرت دول مثل زامبيا وتنزانيا وزيمبابوي ملاذات آمنة وموارد وقواعد حيوية لمناضلي الحرية المنفيين، كما أنفقت نيجيريا المليارات لدعم "المؤتمر الوطني الأفريقي" (ANC)، وهو حزب نيلسون مانديلا. ومع ذلك، قالت الحكومة النيجيرية يوم الأربعاء إنها ستسعى إلى الحصول على تعويضات من جنوب أفريقيا لمواطنيها، الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد بسبب الاحتجاجات.
ويبدو هذا المشهد بعيداً كل البعد من دعوة مانديلا عام 1996 لإرساء "إرث من الوحدة والتضامن" في أفريقيا، إذ قال في ذلك التجمع الحاشد: "لا ينبغي لأي فرد أن ينصب نفسه حكماً ويطبق القانون بيده".
غير أن الاحتجاجات الأخيرة في جنوب أفريقيا اتسمت بنوبات مقلقة من العنف استهدفت الأجانب، ففي حي "يوفيل" Yeoville - وهو ضاحية يقطنها عدد من المهاجرين الأفارقة - رشق المحتجون عدداً من المنازل بالحجارة. وفي مدينة "غيرميستون" Germiston، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً من جوهانسبورغ، اندفع متظاهرون هائجون بين المنازل، وأخرجوا بالقوة سكاناً اشتبهوا في أنهم رعايا أجانب، مطالبين الشرطة بالتحقق من بياناتهم وهوياتهم.
وانتشرت أعمال النهب أيضاً على نطاق واسع خلال الاحتجاجات، بحسب دوريس وتقارير إعلامية محلية، إذ استغل كثيرون الفوضى لارتكاب جرائم.
كما اضطرت شركات ومؤسسات تجارية في أنحاء البلاد إلى الإغلاق تحسباً لاحتجاجات الثلاثاء.
"الأمر مختلف هذه المرة"
وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في وقت سابق من هذا الأسبوع إن التظاهرات "تتسبب في أزمة إنسانية، مع نزوح كثيرين وبقائهم بلا طعام"، بعدما أجبر مهاجرون على الفرار من مناطق كانوا قد استقروا فيها.
وتقول الشرطة في جنوب أفريقيا إنه تمت إعادة 25 ألف مهاجر غير موثق لبلدانهم حتى الآن.
وقد أجلت نيجيريا 269 مواطناً جواً عشية الاحتجاجات، كما تمت إعادة مواطنين من غانا وملاوي وموزمبيق وزيمبابوي إلى أوطانهم عبر الجو أو الحافلات خلال الأيام القليلة الماضية.
من بين 120 مسيرة نظمت في أنحاء البلاد، أفادت الشرطة بأن 108 منها كانت سلمية، في حين شهدت 12 مسيرة تدخلاً من جانب الشرطة، غير أن الخبراء السياسيين في جنوب أفريقيا يرون أن هذه الموجة الأخيرة من الاحتجاجات تختلف عن حالات التوتر السابقة المناهضة للمهاجرين في البلاد - مثل أحداث عام 2008، التي قتل فيها ما لا يقل عن 62 شخصاً في موجة من الهجمات ضد المهاجرين.
أما حراك عام 2026، فهو منسق ومدعوم بمبالغ كبيرة من المال، كما أنها تتميز بمستوى عال جداً من التنظيم السياسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تنتشر المعلومات المضللة على نطاق واسع.
وتقول البروفيسورة جو فيري، من المركز الأفريقي للهجرة والمجتمع بجامعة ويتواترسراند: "الأمر مختلف هذه المرة، سواء من حيث تنسيق هذه المسيرات الاحتجاجية على مستوى البلاد في جميع المدن الكبرى، أو من حيث التمويل الذي يقف وراء هذه الحركة".
وتضيف: "هذا ليس مجرد حراك شعبي عفوي، بل هو أمر يجري في حيز منظم وموجه بصورة واضح للغاية".
وقد تجلى نجاح الحركة في الوصول إلى صدارة المشهد العام من خلال اجتماع دعا إليه الرئيس سيريل رامافوزا منظمي الحركة، عشية مظاهرات يوم الثلاثاء، في محاولة أخيرة لنزع فتيل التوتر.
ويرى هيرمان واسرمان، أستاذ الصحافة وخبير الإعلام السياسي في جامعة ستيلينبوش، أن هذه الحركة مفتعلة وليست نابعة من قاعدة شعبية حقيقية.
ويقول: "إنها تقدم نفسها كحركة شعبية عفوية، لكنها في الواقع حيلة مفتعلة عبر الإنترنت تستخدم حسابات آلية وجيوشاً من المؤثرين، وتعتمد كل تلك الاستراتيجيات القائمة على الكراهية والتضليل التي باتت تستخدم الآن بهدف إحداث انقسام حقيقي".
وبالنسبة إلى واسرمان، فإن مصطلح "احتجاجات" يعد وصفاً مخففاً للغاية لهذه التظاهرة؛ إذ يرى أنها "في حقيقتها نوبات من العنف وكراهية الأجانب"، وهي ظواهر غالباً ما تتجدد خلال سنوات الانتخابات، إذ تستغلها الأحزاب السياسية "لكسب تأييد شعبي".
وتستهدف موجات الغضب هذه في معظمها مهاجرين من دول أفريقية أخرى، وهي ظاهرة تعرف باسم رهاب الأفارقة "أفروفوبيا".
ومن بين الجماعات المشاركة في دفع المشاعر المعادية للمهاجرين حركة "مارتش آند مارتش"، التي تصف نفسها بأنها حركة يقودها مواطنون وتدعو إلى تطبيق أكثر صرامة لقوانين الهجرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقالت زعيمة الحركة، ياسينتا نغوبيسي-زوما، إنها ستتظاهر كل خميس لمدة ستة أشهر من أجل "التخلص" من المهاجرين غير الموثقين الذين لا يزالون في جنوب أفريقيا.
كما اتهم حزب "أم كيه"، الذي تأسس عام 2023 ويقوده الرئيس السابق جاكوب زوما، بالاصطفاف مع المنظمين. واتهمت أيضاً حركة "أكشن إس إيه" وزعيمها هيرمان ماشابا بتأجيج الاحتجاج، ومن ذلك تعميم ادعاء ثبت الآن بطلانه، مفاده بأن في جنوب أفريقيا 15 مليون مهاجر غير موثق.
وتقول فياري إنه على رغم صعوبة تتبع التمويل، يشتبه في أن هذه الأحزاب تساعد في تمويل الاحتجاجات.
ويضيف واسرمان أن البرنامج قد "تبنته واستحوذت عليه أحزاب سياسية"، وأنه "بات الآن راسخاً بقوة في الأجندة الوطنية".
ويضيف فيري "لقد اكتسب هذا الخطاب الشعبوي زخماً كبيراً، لكن قادة هذه الحركات هم المستفيدون منه في المقام الأول"، واصفاً مشاركتهم بأنها سعي إلى تحقيق "مكاسب سياسية رخيصة".
ويشير واسرمان إلى أن كراهية الأجانب والعنف الموجه ضد المهاجرين يمكن ربطهما أيضاً بمناخ دولي أصبحت فيه مثل هذه الأفكار تحظى بالشرعية.
"يحزنني ويغضبني أن أرى تصاعد الكراهية تجاه الأجانب"، هكذا قال مانديلا قبل ثلاثة عقودـ وكان سيحزنه أن يرى كيف جرى تجاهل نصيحته.
© The Independent