ملخص
منذ بدايات القرن العشرين، فرضت السينما الهوليوودية نفسها وسيلة لصياغة المخيال الجماعي، متجاوزةً دور الترفيه الذي أُسند اليها. عقداً بعد آخر، راحت تعزّز صورة مثالية عن الولايات المتحدة، وتصدّرها إلى العالم، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه.
لم تعكس السينما الأميركية الواقع فحسب، وإنما أعادت تشكيله وفق رؤيتها الأيديولوجية، ولم تتردّد، في أحيان كثيرة، في إعادة اختراعه، محوّلةً المنعطفات التاريخية، وحتى أكثر الوقائع بساطةً، إلى سرديات أسطورية تقوم على الانتقاء والاختزال والتكثيف الدرامي. ومن هذه العملية المتواصلة ولد ما يمكن تسميته بـ"الميثولوجيا الأميركية"، وهي منظومة قصصية وثقافية تخطّت حدود الشاشة لتستقر في الوعي الجماعي.
وإذا كان للإغريق، كما لسائر الحضارات الكبرى، آلهتهم وأساطيرهم المؤسِّسة، فإن هوليوود اشتغلت هي الأخرى على نسيج من الحكايات والرموز والأبطال، لتصيغ من خلالها صورة أميركا الحضارية والقوية والمتفوقة. صورة أحاطتها المبالغة واتسعت لها المخيلة، لكنها طبعت وجدان المشاهدين جيلاً بعد جيل، حتى أضحت أقرب إلى حقيقة منها إلى بناء متخيّل. هذا كله من خلال أسلوب يقوم على فكرة "تبسيط المعقّد".
أميركا صنيعة صورة وخيال
هكذا تأسست أميركا في المخيلة العالمية. لم يصنعها اقتصادها القوي وحده، ولا تدخّلاتها العسكرية، ولا تفوقها التكنولوجي، ولا غزوها الفضاء، بقدر ما صنعتها الصورة، ورسّخها الخيال، اللذان أدّيا دوراً استثنائياً في تعميم هيمنتها السياسية ونفوذها الثقافي، حتى بات هذا النفوذ يسبق، في كثير من الأحيان، حضورها الدبلوماسي والعسكري.
من خلال حكايات البطولة المطلقة، والصعود من العدم، والتوسّع نحو الغرب الذي صنع من الولايات المتحدة دولة عظمى، وعبر شخصيات تراوحت بين راعي البقر، والخارج عن القانون، ورجل العدالة، والجندي الذي يهب حياته دفاعاً عن وطنه، والمغامر الذي يُعطى كلّ الفرص، تبلورت فكرة "الحلم الأميركي"، التي تحوّلت إلى أحد أكثر المرتكزات ثباتاً في السينما. فالإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير مصيره، مهما كان أصله أو خلفيته أو ظروفه، إذا امتلك الإرادة والعمل والمثابرة والذكاء، لم يبق فكرة أميركية خالصة، وإنما أصبح حلماً يتقاسمه ملايين البشر خارج الولايات المتحدة، وذلك من خلال حضوره المتكرر على الشاشة.
"الوسترن": مشروع أمّة
غير أن هذا البناء الأسطوري يستند، في عمقه، إلى قراءة انتقائية للتاريخ، ينطلق من زاوية المستوطن الأوروبي، فيما تُهمَّش التجربة المعقّدة للشعوب الأصلية، أو تُختزَل في صور نمطية، كما يجري التخفيف من حجم العنف الذي رافق التوسّع نحو الغرب. وعلى هذا النحو، تحوّلت الذاكرة التاريخية إلى رواية سينمائية أحادية، يتم تناولها من موقع المنتصر، وتغيب عنها أصوات المهزومين.
البطل الأميركي العادل
في موازاة ذلك، ابتكرت السينما الأميركية نموذجها الخاص لـ"البطل الأميركي"، الذي ما لبث أن تحوّل إلى شخصية أيقونية. فهو المستقل، الشجاع، الذي تحركه فكرة العدالة أو الشعور بالواجب تجاه الآخرين. ومع تطوّر السينما، لم يختفِ هذا النموذج، وإنما أعاد تشكيل نفسه ليتلاءم مع المتطلّبات الجديدة، من دون أن يتخلّى عن جوهره. ففي أفلام الحرب، والأكشن، والمغامرات، ظهر البطل نصيراً للحرية، ومدافعاً عن "العالم الحر" وقيمه، بما يكرس الوظيفة الرمزية لهوليوود في ترسيخ صورة الولايات المتحدة كـ"شرطي" يقف في مواجهة الشر، حتى وإن طاولت هذه الصورة مع الوقت مساءلة وسخرية.
الواقع مقابل الأسطورة
تصح العودة إلى البدايات، إلى لحظة البزوغ، لكن من الأجدى اختيار مدخل بعينه لولوج هذه الميثولوجيا، وما من فيلم أفضل من "الرجل الذي قتل ليبرتي فالانس" لجون فورد (1962). ففي هذا الفيلم، ترد جملة عابرة تكاد تمر كتعليق هامشي، لكنها تختزل منطقاً كاملاً: "عندما تصبح الأسطورة حقيقة، انشر الأسطورة". هذه الحكمة مفتاح لفهم كيفية عمل آلية ثقافية يتجاوز مداها حدود الحكاية نفسها. ينطق بها رئيس تحرير جريدة موجّهاً كلامه إلى السيناتور، بعدما يكتشف الحقيقة المتعلّقة بالقاتل الفعلي لليبرتي فالانس، لكنه يقرر تجاهلها.
وما إن تُقال الجملة حتى تغادر الشخصيتين لتلامس جوهر المشروع الهوليوودي في علاقته بالتاريخ، والطريقة التي تُصَاغ بها منظومة كاملة من القيم والرموز. فالقضية لا تتعلّق بما حدث فعلاً، وإنما بما ينبغي أن نستلخص منه، وبالرواية التي يُراد لها أن تصمد في الذاكرة. وقد أدرك فورد، الإيرلندي الأصل، الذي كان يردد أنه يفضّل الأسطورة على الحقيقة، أن هوية الشعوب لا تقوم على الحقائق وحدها، وإنما على السرديات المؤسسة. يكتشف السيناتور أن القصّة التي أصبحت جزءاً من الوعي العام لا تطابق الحقيقة. ومع ذلك، ستبقى الحقيقة طي الكتمان، لأن هدم الأسطورة يعني زعزعة قناعة تعزز ثقة الناس بتاريخهم. وينسحب هذا على الكيفية التي عالجت بها هوليوود التاريخ، وهي الكيفية التي كان فورد نفسه أحد أبرز من أسهموا في ترسيخها.
على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، منح فورد "الميثولوجيا الأميركية" صوراً وبيئةً ووجوهاً، ووثّق، في عشرات الأفلام، ولادة الديمقراطية الأميركية، فكان شريكاً أساسياً في بناء الخطاب الوطني. ثم عاد، في هذا الفيلم، ليكشف أن ذلك الخطاب يقوم، في جانب منه، على "كذبة لا بد منها". أدرك، ربما أكثر من أي مخرج آخر، المكانة التي تحتلها الأسطورة في صناعة صورة بلد وشعب وأمّة وحضارة. لم يسع إلى إنكارها، ولا إلى هدمها، بل اعترف بما تؤدّيه من دور في توحيد الجماعة وتشكيل هويتها، من دون أن يغفل أولئك الذين يُقصَون من الرواية الكبرى، ويُتركون في الظلّ إلى الأبد. وحين تتكرس هذه الصور بفعل التكرار، وتنتقل من جيل إلى آخر، تصبح جزءاً من الطريقة التي يرى فيها العالم الولايات المتحدة.
"ذهب مع الريح": غداً يومٌ آخر
يحتل "ذهب مع الريح" لفيكتور فليمينغ (1939) مكانة عظيمة في الذاكرة الثقافية كإحدى الملاحم المؤسسة لـ"الميثولوجيا الأميركية" على الشاشة. فهو يرسم صورة للجنوب الأميركي عشية الحرب الأهلية (1861-1865) تكاد تبدو فردوساً ريفياً مفقوداً، يقوم على مجتمع أرستقراطي تغمره الوفرة والرقي، حيث يظهر ملاك المزارع أصحاب أخلاق ومروءة، فيما يُقدَّم المستعبَدون في هيئة أشخاص راضين عن مصيرهم، أوفياء لسادتهم، ومنسجمين مع النظام القائم.
استند الفيلم إلى رواية مارغريت ميتشل، الصادرة عام 1936، التي تتتبّع سيرة سكارليت أوهارا (فيفيان لي)، ابنة إحدى العائلات الثرية في الجنوب، في زمن كانت فيه مزارع القطن والاقتصاد القائم على الرق يشكّلان ركناً أساسياً في البنية الاجتماعية. في حين تتصدّر قصة الحبّ مسار الأحداث وتمنح الفيلم زخمه الدرامي، يفرض الإطار التاريخي حضوره بقوة، ليصبح الجنوب بطلاً موازياً. انه عالم قائم في ذاته، بثقافته وقيمه وتناقضاته، يعاد استحضاره في قالب رومنطيقي يفيض بالحنين. ومن هنا تنبع الإشكالية الأساسية في الفيلم. فالعبودية، على رغم أنها تشكّل الأساس الذي قامت عليه تلك المنظومة الاجتماعية، تبقى في الهامش، فيما يعيد الفيلم إنتاج صورة للجنوب تستند إلى النوستالجيا أكثر ممّا تدعو إلى مساءلة الماضي.
تبدو الحرب الأهلية دفاعاً عن استقلال الجنوب السياسي في مواجهة الشمال، أكثر من كونها صراعاً ارتبط، في عمقه، بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التي كرست نظام العبودية. ويختتم الفيلم بجملة أصبحت من أشهر العبارات في تاريخ السينما: "غداً يوم آخر"، وهي عبارة تتجاوز مصير سكارليت أوهارا لتجسّد فكرة الإيمان بإمكانية البدء من جديد، مهما بلغت قسوة الهزيمة.
كان للفيلم صدى عابر للحدود: فيما كان شارل ديغول يمشي من قوس النصر في باريس إلى نوتردام وسط "بحر" من البشر احتفاء بالتحرير، كان هنري لانغلوا (مؤسس السينماتك الفرنسية)، جمّع عدداً من المشاهدين في سينما "كلوب دو ليتوال"، واعداً إياهم بمفاجأة. وعندما دخل الجميع الصالة ورُفعت الستارة، صدحت فجأةً موسيقى ماكس ستاينر في الأجواء، فأصبح "ذهب مع الريح" أول فيلم أميركي يُعرض علناً في فرنسا بعد التحرير، بعدما كانت الأفلام الأميركية مستبعدة عن الشاشات تحت الاحتلال النازي، وإنما هذا لم يمنع لانغلوا من عرضها سراً طوال فترة الاحتلال.
لم تبقِ هذه القراءة الرومنطيقية للجنوب موضع نقاش في "ذهب مع الريح" وحده، وإنما انسحبت على أعمال أخرى في تاريخ السينما الأميركية، في مقدّمها الفيلم الصامت "مولد أمّة" لديفيد وورك غريفيث، وصولاً إلى أفلام عديدة أعادت طرح الأسئلة نفسها حول تمثيل العنف، وصورة الآخر، وبناء الهوية الوطنية، والذاكرة التي اختارت هوليوود أن ترويها، وتلك التي آثرت التعتيم عليها.
"مولد أمّة": قراءة منحازة
"مولد أمة" (1915) من أكثر الأفلام الإشكالية في تاريخ السينما. فعلى امتداد عقود، انقسم النقّاد بين مَن احتفى به فتحاً سينمائياً أسّس للغة بصرية حديثة، ومن رآه عملاً يكرّس تفوق العرق الأبيض ويمنح العنصرية شرعية بصرية. ويعود هذا الانقسام إلى صاحبه، ديفيد وورك غريفيث، رائد السينما الأميركية، الذي أحدث ثورة على مستوى المونتاج والسرد، لكنه قدّم، في الوقت نفسه، قراءة منحازة للتاريخ.
الفيلم، المقتبس من رواية لتوماس ديكسون جونيور، تدور أحداثه في الجنوب الأميركي إبان الحرب الأهلية، ويتابع مصير عائلتين على خلفية ذلك الصراع، من منظور يتماهى مع البيئة الجنوبية المؤيدة للعبودية التي نشأ فيها غريفيث. ولعقود طويلة، احتل الفيلم مكانة شبه مقدّسة في تاريخ الفنّ السابع، قبل أن تدفع التحوّلات الاجتماعية، وتصاعد الوعي بقضايا التمييز العنصري، إلى إعادة النظر فيه، ليصبح، في نظر كثيرين، عملاً يحرّف الوقائع ويضفي مسحة بطولية على خطاب الكراهية.
واين: الأميركي المحافظ
أنجب الغرب الأميركي نوعاً سينمائياً ظلّ حكراً على السينما الأميركية، هو الوسترن، الذي سيغدو مع مرور الزمن أحد أكثر الأنواع تعبيراً عن الهوية الوطنية. ففي فضاء شاسع تحتضنه الجبال والسهول والبراري، تموضعت حكايات رجال القانون والخارجين عليه، ورعاة البقر، والسكّان الأصليين، والصالونات الخشبية، وعربات الخيل والأفق البعيدة. من هذا الخليط ولدت ميثولوجيا كاملة اكتظت بشخصيات تحوّلت تدريجاً إلى أيقونات.
من قلب هذا العالم السينمائي، أطل جون واين باعتباره النموذج الأكثر اكتمالاً للرجل الأميركي كما تخيله الـ"وسترن" الكلاسيكي: صلابة جسدية، ثقة مطلقة بالذات، استعداد دائم للمواجهة. وقد ظهر هذا النموذج في صورة المستكشف والمحارب وحامي الجماعة، قبل أن يبدأ بالتحوّل تدريجاً بين خمسينات القرن العشرين وثمانيناته، مع التحولات العميقة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. ارتبط اسم واين، أكثر من أي ممثّل آخر، بصورة الأميركي المحافظ، حتى غدا رمزاً تشكّلت حوله أجيال كاملة.
تبدو مسيرته الفنية متداخلة مع سيرة الولايات المتحدة نفسها، بما حملته من توسّع وصراعات وتحولات. في معظم أدواره، جسّد الرجل الذي لا يتراجع عن المهمّة الموكلة إليه، مهما ارتفعت كلفتها أو اشتدت قسوتها. وكأي ظاهرة، تجاوز حضوره حدود الشاشة، إلى درجة أن وفاته حظيت بتكريم استثنائي داخل الكونغرس الأميركي، في سابقة نادرة.
يمثّل واين القوة والإصرار والحسم، كما عُدّ لدى كثيرين تجسيداً لفكرة التفوّق التي روجت لها الثقافة الأميركية التقليدية، القائمة على مركزية الرجل الأبيض. في أفلامه، كان البطل الذي يفي بوعوده، ويصمد أمام المحن، ويرفض المساومة أو الانحراف عما يعتبره صواباً أخلاقياً، تلك السمة التي ستصبح واحدة من أبرز ثوابت السينما الأميركية.
حضوره ظل محكوماً بتناقض لافت، إذ جمع بين تمثيل القيم التي أرادت الولايات المتحدة أن تقدّم نفسها من خلالها، وبين جوانب أخرى مثيرة للجدال في الوعي الأميركي. وبغضّ النظر عن الموقف من آرائه السياسية، فقد حرص على تقديم صورة المواطن الأميركي المثالي كما تخيّله عصره.
لم يفصل واين بين حضوره السينمائي ومواقفه السياسية. فقد أعلن، من دون مواربة، انتماءه إلى التيار المحافظ، وهو ما جعل صورته موضع جدال متواصل، وألقى بظلاله على قراءة إرثه الفنّي حتى اليوم. بلغ هذا التداخل ذروته عام 1968 مع فيلم "القبّعات الخضر"، الذي أخرجه واين (بالتعاون مع راي كيلوغ) وبادر إلى إنتاجه بدعم مباشر من الجيش الأميركي، مثيراً سخط الجماعات المناهضة للحرب. بدا الفيلم أقرب إلى خطاب تعبوي منه إلى عمل سينمائي قائم على المسافة النقدية، إذ قدّم التدخّل الأميركي في فيتنام كخيار مشروع وضرورة لا مفر منها، متبنياً رؤية واضحة داعمة للحرب.
ومع تغيّر المزاج العام داخل الولايات المتحدة، وظهور موجة من الأفلام التي أعادت النظر في حرب فيتنام وكشفت أبعادها الإنسانية والسياسية المؤلمة، ظلّ واين ثابتاً على موقفه، غير عابئ بالتحوّلات التي أعادت تشكيل الوعي الأميركي تجاه تلك المرحلة.
"ستايجكوتش": نقطة تحوّل
لكن، قبل تورطه في قضية الانتصار للحروب الأميركية، لا يمكن إغفال أن جون واين هو أحد أبرز ممثّلي أفلام جون فورد، و"ستايجكوتش" (1939)، إذ لعب دور هنري، شكّل نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ السينما الأميركية. ففي مرحلة كان يُنظر فيها إلى الـ"وسترن" باعتباره نوعاً سينمائياً هامشياً، يُنتَج في الغالب ضمن أفلام الدرجة الثانية، جاء فورد ليقلب هذه المعادلة، مانحاً هذا النوع مكانة فنية لم يكن يحظى بها من قبل، ومثبتاً قدرته على احتضان دراما إنسانية معقّدة، ورؤية سينمائية طموحة لا تقل قيمةً عن أصناف أخرى. مع هذا الفيلم، لم يعد الغرب الأميركي خلفية لقصص المواجهة وتصفية الحسابات فحسب، وإنما أصبح بقعة رمزية لاختبار نشأة المجتمع الأميركي، وطرح أسئلة تتعلّق بالعلاقة بين القانون والفوضى، وبكيفية تشكّل السلطة داخل مجتمع وليد.
يمثّل الفيلم الانطلاقة الفعلية لما سيُعرف لاحقاً بـ"الوسترن الفوردي". ففي عالم فورد، لا تُستخدَم الصحارى والسهول الشاسعة من منطلق الفرجة فحسب، لكنها تتحوّل إلى مكوّنات درامية محمّلة بالدلالة التاريخية والأخلاقية. أما رحلة العربة التي تجمع شخصيات تنتمي إلى طبقات وخلفيات متباينة، فتغدو نموذجاً مصغّراً لمجتمع يتشكّل تحت ضغط الخطر والحدود المفتوحة. أسهم "ستايجكوتش" في إعادة التعريف بـ"الوسترن"، وفتح الباب أمام موجة من الأفلام التي تعاملت مع الغرب الأميركي باعتباره مادة درامية كبرى. لذلك يُنظر إليه اليوم كأحد النصوص العظيمة لهذا النوع السينمائي الذي ارتبط، بعمق، بتشكّل الهوية الثقافية الأميركية.
سيسيل ب. ديميل: امتداد للمقدّس
في أميركا التي "اكتشفها" المسيحيون الأوروبيون، كان لا بد من ربط "تاريخها" الفتي بالإنجيل والتوراة، على نحو يتيح لملايين المسيحيين حول العالم التماهي معها. هذه المهمة تولاها سيسيل ب. ديميل، البروتستانتي من ناحية الأب واليهودي من ناحية الأم، الذي عمل على إضفاء بُعد شبه مقدّس على السردية الأميركية، من خلال وصلها بالنصوص الدينية الكبرى.
وجد ديميل في القيم الأميركية امتداداً مباشراً لتلك السرديات التي حملت الوحي الإلهي، فحوّلها إلى عروض سينمائية مهيبة، ضخمة واسطورية، بدت أقرب إلى إعادة بناء بصري للعالم المقدّس. في أفلام مثل "الوصايا العشر" و"ملك الملوك" و"شمشون ودليلة"، تُقدَّم التوراة كحكاية بصرية مكتملة، ذات يقين درامي صارم، حتى غدت هذه الأعمال، لدى شريحة واسعة من الجمهور، مرجعاً تخييلياً شبه نهائي للكتاب المقدّس. فصار من الصعب على المخيال الشعبي أن يستحضر النبي موسى من دون ملامح تشارلتون هيستون.
قدّم ديميل النصوص التوراتية كصراع أزلي بين الحرية والاستبداد، في معالجة تماهت مع التصوّر الأميركي لذاته، وعملت على تكريس إحدى الأفكار المؤسسة للوعي الأميركي: أن أميركا أمة ترى في نفسها صاحبة رسالة تاريخية ذات بُعد أخلاقي وروحي يتجاوز حدود السياسة.
من خلال الديكورات العملاقة، والحشود الغفيرة، والموسيقى المهيبة، والمَشاهد الاحتفالية، جعل ديميل من السينما طقساً بصرياً يقترب من الشعائر الدينية في تأثيره وقدرته على الاقناع. ويمكن القول إنه، إذا كان فورد قد ابتكر أبطال الميثولوجيا الأميركية، وكابرا منحها إيمانها بالديمقراطية، وهوكس كرّس أخلاقيات الفرد، فإن سيسيل ب. ديميل ألبس هذه الميثولوجيا ثوب العناية الإلهية، وجعلها تبدو امتداداً لتاريخ مقدّس ورسالة كونية.
"الميوزيكال": أميركا ترقص وتغنّي
يحتاج "الميوزيكال" إلى مقال مستقل للبحث في هذا النوع الذي لم يبرع فيه إلا الأميركيون. فمن "قصّة الحي الغربي" إلى "ساحر أوز" وصولاً إلى "صوت الموسيقى"، أسّست هذه الأفلام لأميركا أخرى، تنتفض عبر الغناء والرقص، وتنظر إلى الحياة من نافذة مفتوحة على البهجة.
ولا بد من التوقّف عند فيلم واحد قادر على اختزال هذه الحالة التي صنعت مجد هوليوود في الأربعينيات والخمسينيات: "غناء تحت المطر" لستانلي دونن وجين كيلي وايز (1952)، وهو من أكثر الأفلام الغنائية، مساهمة في نشر "الميثولوجيا الأميركية". الفيلم يحوّل هوليوود نفسها إلى موضوع للحكاية، مقدّماً صناعة السينما كمصنع للأحلام، قادر على تحويل الأزمات إلى لحظات انتصار جمالي.
تدور الأحداث في لحظة الانتقال من السينما الصامتة إلى الناطقة، وهي لحظة مفصلية في تاريخ الصناعة السينمائية، يلتقطها الفيلم من زاوية أميركية خالصة: التقدّم المستمر، والقدرة على إعادة اختراع الذات مهما تكن طبيعة التحولات. يجسّد دون لوكوود (جين كيلي) نموذج البطل الأميركي الذي ينتصر عبر الموهبة والعمل والمثابرة، فيما تتحوّل الاستوديوهات رمزاً لصناعة الخيال التي صدّرتها أميركا إلى العالم. أما المشهد الشهير الذي يرقص فيه كيلي تحت المطر، فيكثّف الفلسفة الإيجابية التي يقوم عليها هذا النوع السينمائي: ان تستمد من داخل الواقع القاسي لحظات خفيفة، قابلة للاحتفاء بالحياة. انه مشهد تتكرس فيه صورة أميركا كأرض للتفاؤل والطاقة الحيوية والانطلاقات الدائمة.
مونرو: تسويق نجمة
داخل بيئة تمنح الانطباع الدائم بالخشونة والصلابة، اضطلعت الأنوثة بدور مركزي في تشكيل ملامح "الميثولوجيا الأميركية"، وإن بدا دورها محكوم باعتبارات جندرية. لم تكن النساء مجرد حضور ثانوي خلف الكاميرا، وإنما أُسند إليهن، عبر منظومة النجومية الهوليوودية، فرز صور كاملة عن الجمال والرغبة والطموح والقوة. ومن بين هذه الأسماء برزت مارلين مونرو، كاثرين هيببورن، بيتي دايفيس، جوان كروفورد، وأودري هيبورن. كلّ واحدة منهن جسّدت تصوراً مختلفاً للأنوثة: من الاستقلالية إلى الحضور الطاغي، من الصلابة النفسية إلى الأناقة المغرية.
غير أن مارلين مونرو تظل التعبير الأكثر كثافةً عن "الغلامور" الهوليوودي، بما يحمله من سحر بصري قائم على التسويق الدقيق للصورة. فمنذ اللحظة الأولى، فُرضت صورتها كحقيقة بصرية تكاد تبدو عصيّة على التشكيك: الفستان الأبيض المتطاير فوق فتحة التهوية، الابتسامة الطفولية، والجسد المنحوت بعناية داخل منظومة تعرف تماماً كيف تصنع "النجمة" قبل أن تصنع الممثّلة.
بين نورما جين ومارلين مونرو، يتجلى انقسام جوهري في بنية النجومية الأميركية: طفولة قاسية، وحدة، استغلال، في مقابل صورة براقة جرى إنتاجها داخل ماكينة استوديوهات تملك الصورة وتعيد تشكيل الحياة وفق منطقها الخاص. وهكذا تحولّت مونرو منتجاً ثقافياً كاملاً، يُعاد استهلاكه وتكراره وتصديره.
كابرا: سينما النيات الحسنة
لا يمكن التقليل من دور فرانك كابرا في صياغة الحلم الأميركي والتسويق للميثولوجيا الأميركية. فإذا كان جون فورد مجّد فتوحات الغرب في أفلامه جاعلاً منها اسطورة، فإن كابرا نقل مركز الثقل إلى المواطن العادي، وتعاطى مع الحلم الأميركي كفكرة وطنية جامعة. في عمله الذي وُصف أحياناً بـ"سينما النيات الحسنة"، يتقدّم التفاؤل كخيار جمالي وأخلاقي، فيما يُمنح الخير حضور القوة المتأصلة داخل الإنسان.
في عالم كابرا، ينتصر الخير في النهاية، لكن هذا الانتصار لا يأتي مصادفة سردية، وإنما نتيجة إيمان عميق بقدرة الفرد على إحداث الفارق. ويكفي التوقّف عند "إنها حياة رائعة" (1946)، الذي يُعتبر "قبلة" هذه الرؤية، ليظهر كيف يمكن لفكرة واحدة، مرتبطة بجدوى الحياة الفردية وتأثيرها في الجماعة، أن تتحوّل إلى ما يشبه العقيدة. في هذا التصور، لا يُشترَط أن تعكس السينما الواقع بحذافيره، ما دام جوهرها يقوم على بثّ الإيمان بإمكان التغيير.
اهتم كابرا بالجانب المضيء من أميركا، وحرص على جعله قابلاً للتصديق من خلال بنية درامية متماسكة، حتى في أكثر اللحظات قسوةً في تاريخ البلاد، مثل مرحلة الكساد الكبير. اكتسبت أفلامه وظيفة تتجاوز الترفيه، إذ بدت وكأنها تعيد ترميم الثقة بالإنسان في لحظات الانكسار. وتقوم رؤيته في جوهرها على صدام مستمر بين تصورين لأميركا: تصوّر يضع الإنسان العادي في قلب التجربة الديمقراطية، ويحتفي بالنزاهة والمسؤولية والعدالة، وتصوّر آخر تحكمه هيمنة المال، وتحالف النفوذ الاقتصادي مع السلطة السياسية والإعلامية. غير أن هذا الصدام لا ينتهي إلى تفكيك الحلم الأميركي، وإنما إلى إعادة إنتاجه، لأن انتصار القيم في اللحظة الحاسمة يعيد التأكيد على أهمية الإيمان في تحقيق العدالة داخل المجتمع الأميركي.
"العصابة المتوحشة": نهاية أسطورة
انطوت الثقافة الأميركية، على الشاشة وخارجها، على قدر هائل من الحيوية ونقد الذات. وفي هذا السياق، جاء فيلم "العصابة المتوحشة" (1969) لسام بكينبا، أحد أبرز أساتذة الـ"وسترن"، ليطيح بصورة راعي البقر النبيل التي كرّستها هوليوود لعقود، مقدّماً مجموعة من الخارجين عن القانون، المنهكين والعاجزين عن التكيّف مع أميركا الحديثة.
وضع الفيلم، وبالخط العريض، حدّاً لميثولوجيا الغرب الأميركي. فلم تعد البطولة مرادفاً للفضيلة، ولم يعد العنف وسيلة واضحة لإرساء العدالة، هذا كله تحوّل إلى دائرة عبثية من الدم. أعلن بكينبا، من خلال تحفته هذه، نهاية الغرب كأسطورة مؤسّسة للأمة. وفي العام التالي، نسف رالف نيلسون في "جندي أزرق"، السردية التقليدية بالكامل، مقدّماً الجيش الأميركي قوةً تمارس العنف والبطش ضد السكّان الأصليين. في مشهده الختامي الصادم، المستلهم من مجزرة ساند كريك، يعيد الفيلم كتابة تاريخ الغرب من زاوية معاكسة، كاشفاً العنف الذي قامت عليه الميثولوجيا، بدل إخفائه خلف إنجازات التمدّن والتوسّع. مع حلول السبعينيات، كان الـ"وسترن" قد طوى مرحلة وشق الطريق إلى أخرى، منتقلاً من الاحتفاء بمولد الأمّة إلى مساءلة روايتها الرسمية.
سينما ما بعد فيتنام
هناك في السينما الأميركية ما قبل حرب فيتنام وما بعدها. أسهمت تلك الحرب، إلى جانب التحوّلات السياسية العميقة التي رافقتها، في إعادة تشكيل النظرة إلى التاريخ والهوية، وطيّ صفحة المثالية التي حكمت المخيال الأميركي لعقود. في تلك المرحلة التي تزامنت أيضاً مع اغتيال الرئيس جون كينيدي وبروز فضيحة ووترغايت، بدأ الصراع التقليدي بين الخير والشر، الموروث من البنية الأخلاقية للنصوص الدينية، يتراجع لمصلحة رؤية أكثر تعقيداً. ما عاد هناك مكان لأبطال لا تشوبهم شائبة، حتى مظهرهم بدأت تفقد ذلك اللمعان السابق، وكأن الحلم الأميركي بدأ يدخل مرحلة التفكّك البطيء.
في تلك الفترة، كانت السينمات الجديدة في فرنسا وبريطانيا تعيد تعريف مفهوم السينما، فيما كانت حركات التحرر والمناهضة للاستعمار والمطالبة بالحقوق المدنية للفئات المهمّشة تعيد طرح سؤال التعايش داخل المجتمعات الغربية. ما كان يُنظر إليه سابقاً كمركز ثقة (الدولة ومؤسّساتها)، أصبح موضوع مساءلة ومراجعة. وفي هذا السياق، ظهرت ما عُرف منذ نهاية الستينات بـ"هوليوود الجديدة"، تيار أحدث قطيعة جمالية وأيديولوجية وإنتاجية مع النموذج الكلاسيكي. أفلام مثل "سائق التاكسي" لمارتن سكورسيزي، و"صائد الغزلان" لمايكل تشيمينو، و"العودة إلى الوطن" لهال آشبي، و"المحادثة" لفرنسيس فورد كوبولا، قدّمت أميركا وهي تواجه صورتها للمرة الأولى بهذا القدر من القسوة و"الانهزامية": عالم مشبّع بالعنف، والإحساس بالذنب، وتأكل المرجعيات الأخلاقية. منذ تلك اللحظة، لم تعد العودة إلى النموذج القديم ممكنة. إنها سينما جديدة في عالم جديد.
"إيزي رايدر": تفكّك حلم
ضمن هذا التحوّل، يأتي"إيزي رايدر" لدنيس هوبر (1969) كأحد الأعمال المؤسّسة لهذه المرحلة. هزّ الفيلم، من خلال بساطته الإنتاجية وروحه المتمردة، الأساليب التي حكمت هوليوود لعقود، وأثبت أن في الإمكان إنتاج عمل مستقل بموازنة محدودة قادر على تغيير قواعد اللعبة. قدّم هوبر، في أولى تجاربه الإخراجية، عملاً يرفض الامتثال للقيم السائدة، ويتابع شخصيات تعيش على هامش المجتمع الأميركي، تبحث عن الحرية خارج سلطة المؤسّسات والأعراف. أما النهاية التراجيدية بما تحمله من موت مجاني، فجاءت انعكاساً لرؤية قاتمة لأميركا في لحظة انقسام عميق. ففي الوقت الذي كانت فيه حركات الهيبي تبلغ ذروتها في كاليفورنيا، ويتحوّل تعاطي الـ"أل أس دي" إلى أحد رموز الثقافة المضادة، كان الفيلم يلتقط هذا التوتّر ويحوّله إلى صورة سينمائية مكثّفة عن جيل فقد ثقته بالفردوس الأميركي. حتى مشاهد الهذيان والهلوسة فرضت نفسها كجزء من المزاج الثقافي والسياسي الذي طبع تلك الحقبة بأكملها.
تميّز الفيلم أيضاً بقطيعته مع الصورة المنمّقة التي اعتادت هوليوود تقديمها عن المجتمع الأميركي، معبّراً عن إحباط جيل أنهكته التناقضات الداخلية، وفي مقدّمتها حرب فيتنام. ومن خلال هذا الارتباط الوثيق باللحظة التاريخية، اكتسب "إيزي رايدر" صدقيته، وأصبح صوتاً لشريحة واسعة من الشباب الذين لم يعودوا يجدون أنفسهم في السينما التقليدية.
انتصار للثقافة المضادة
غيّر نجاح "إيزي رايدر" موازين القوى داخل الصناعة، إذ أثبت أن أفلاماً ينجزها مخرجون شباب من خارج منظومة الاستوديوهات الكبرى يمكن أن تحقّق نجاحاً جماهيرياً واسعاً، وهو ما شجّع جيلاً كاملاً من السينمائيين على المطالبة بمساحات أوسع من الحرية الإبداعية.
وجاء هذا التحوّل امتداداً للتأثير الذي مارسته "الموجة الفرنسية الجديدة" منذ أواخر الخمسينيات، إذ تبنّى هوبر، ومعه أسماء مثل برت شنايدر وروبرت إيفانز وجاك نيكلسون، فكرة سينما أكثر تحرراً وتقشّفاً، تقترب في روحها من أفلام روجر كورمان ذات الموازنة المنخفضة، وتبتعد عن البذخ الإنتاجي الذي ميّز هوليوود الكلاسيكية. بهذا المعنى، شكّل "إيزي رايدر" أول انتصار كبير للثقافة المضادة داخل السينما الأميركية المستقلة، خارج هيمنة الاستوديوهات الكبرى. وكثيراً ما يُنظر إليه كالشرارة التي دشّنت "هوليوود الجديدة". أما على المستوى التجاري، فقد جاءت الأرقام لتؤكّد حجم التحوّل الذي أحدثه الفيلم، إذ حقّق نحو 20 مليون دولار في شبّاك التذاكر، قبل أن يتوَّج بجائزة أفضل عمل أول في مهرجان كانّ، في اعتراف دولي بتجربة أعادت رسم حدود السينما الأميركية، ووسّعت مفهوم الممكن داخلها.
"بوني وكلايد": عنف فاضح
لكن قبل دنيس هوبر، كان هناك المعلّم آرثر بنّ، الذي قدّم "بوني وكلايد" (1967)، بالنَفَس الاعتراضي نفسه، فيلماً من وحي مجتمع بات العنف فيه جزءاً من نسيج الحياة اليومية. وقد اختزل الملصق الترويجي للعمل هذه الرؤية بعبارة صادمة: "شابان، مُغرمان، يقتلان"، في صياغة أحدثت ما يشبه الانقلاب في الذوق العام في تعامله مع العنف الذي بات يُعرض بشكل أكثر فضاحةً.
بعد أكثر من نصف قرن، ما زال من الصعب فصل تلك المرحلة عن الثنائي الأشهر: بوني وكلايد (وارن بيتي وفاي داناواي)، وهما يجوبان القرى والمدن الأميركية، يسطوان على المصارف، ويعيشان خارج أي اكتراث بما قد يخبئه المستقبل. حياة متهوّرة، منفلتة، ومشبّعة بإحساس دائم بتبديد الزمن.
جاء الفيلم، الذي تدور أحداثه في زمن الكساد الكبير (الثلاثينيات)، ليكرّس موقع آرثر بن كأحد رواد السينما المتحررة من قبضة الاستوديوهات التي ظلت حتى أواخر الستينات تهيمن على الصناعة وتحتكر صيغها الجمالية وأدوارها. ولكن، حتى هوليوود الجديدة صنعت الميثولوجيا، وقد تجاوزت "أسطورة" الفيلم مكانها وزمانها وحتى الوسيلة التي أنتجته، ليغدو نموذجاً ألهم لاحقاً عدداً من المخرجين، وصولاً إلى المغني الفرنسي سرج غينسبور الذي استلهم منه أحدى أغانيه.
"الخريج": خارج المعايير
فيلم آخر واكب مرحلة العبور من هوليوود الكلاسيكية إلى هوليوود الحديثة: "الخريج" لمايك نيكولز (1967). الفيلم من بطولة داستن هوفمان وآن بانكروفت، ومقتبس من رواية لتشارلز وب، وقد جاء في لحظة كانت فيها هوليوود القديمة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وصناعة الترفيه قد وقعت أسيرة كوميديات مستهلكة، باهتة، لا تجرؤ على استفزاز المؤسّسة الأميركية أو مساءلة منظومة قيمها.
في هذا السياق، بدا "الخريج" بمنزلة صفعة سينمائية، أعلن من خلالها ولادة حساسية جديدة ستغيّر وجه السينما الأميركية إلى الأبد، قبل ان يُتوَّج بجائزة "أوسكار" أفضل مخرج، وهو إن دل على شيء فعلى سرعة المنظومة في تلقّف الوافدين الجدد. وبفضل ملصقه الذي تحوّل إلى أيقونة بصرية، إذ تتقدّم ساق آن بانكروفت المشهد فيما يقف داستن هوفمان خلفها بملامح مناقضة تماماً لمواصفات النجم الهوليوودي الوسيم، خطف الفيلم قلوب الجمهور والنقّاد معاً. وأغلب الظنّ أن أغنية "مسز روبنسون" لسايمون وغارفنكل أسهمت في منحه حياة ثقافية أطول. كما أن موضوع الفيلم، القائم على علاقة عاطفية بين شاب وامرأة تكبره سنّاً، شرع باباً واسعاً للنقاش داخل مجتمع أميركي كان لا يزال يتأرجح بين إرثه المحافظ ذي النزعة الطهرانية، ورياح التحرر الجنسي التي بدأت تعصف بالثقافة الأميركية في أواخر الستينات. الكيفية التي استُقبِل بها الفيلم حملت كلّ المؤشرات على تحوّل أعمق في الحساسية الاجتماعية والثقافية في الولايات المتحدة.
بحثاً عن بداية جديدة
أواخر الستينات كانت حقبة مفصلية في تاريخ هوليوود والسينما الأميركية. فإلى جانب "إيزي رايدر"، عُرض أيضاً "كاوبوي منتصف الليل" لجون شليزينغر 1969))، بطولة داستن هوفمان وجون فويت. وتبقى نهاية الفيلم من أكثر النهايات صموداً في الذاكرة، لأنها تكثّف انهيار حلم النجاح الفردي الذي شكّل أحد الأعمدة الأساسية في تشييد "الميثولوجيا الأميركية". يغادر جو ورتسو نيويورك على متن حافلة متّجهة إلى فلوريدا، في محاولة أخيرة للبحث عن بداية جديدة. غير أن هذا الرحيل لا يقود إلى أي خلاص. فريتسو، المنهك والمريض، يضعف تدريجاً حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة داخل الحافلة، فيما يحاول جو التمسّك بوهم الوصول إلى "الجنوب الدافئ"، وكأنه يتّجه نحو فردوس ما يكفي أن يطأ فيه قدميه كي تصبح ملكه. لكن لا وجود لخلاص حقيقي في هذا العالم.
"هوليوود الجديدة": الوجه الآخر
إذا كانت هوليوود الكلاسيكية قد هندست "الميثولوجيا الأميركية، فإن "هوليوود الجديدة" انشغلت بمساءلتها وتصوير مقلبها الآخر. جيل جديد راح يحدق في الوجه الآخر للحلم الأميركي، في محاولة لهدم المفاهيم التي راكمتها استوديوهات هوليوود منذ بدايات القرن العشرين، حين كان هذا الفنّ الجماهيري يحتكر خيال العالم ويعيد تشكيله على سجيته. كانت تلك لحظة انتقال من يقين إلى شكّ.
عاماً بعد عام، اتجهت الأفلام نحو الواقع الصرف، فازدادت قتامةً وتعقيداً. في "الرابط الفرنسي" لوليم فردكين، اختفى الشرطي المثالي الذي كرّسته هوليوود لعقود، ليحلّ مكانه رجل قانون "بين بين"، داخل عالم يردم الهوة باستمرار بين العنف والمحاسبة. أما "القيامة الآن" لفرنسيس فورد كوبولا، فقد حوّل حرب فيتنام من ملحمة وطنية إلى رحلة إلى أقاصي الرعب. وفي "سائق التاكسي" لمارتن سكورسيزي، تحوّلت نيويورك إلى مسرح مفتوح لعزلة الإنسان الأميركي وغضبه المكبوت، لا إلى مدينة حلم وفرص. حتى الأماكن تغيّرت مهمّتها وخرجت عن الحياد. ما عادت تعد بالنجاة، بعدما صارت جزءاً من القلق الذي ينهش الشخصيات.
"سائق التاكسي": جحيم نيويورك
وبالفعل، يمنحنا "سائق التاكسي" (1976) إحساساً بنيويورك على نحو غير مسبوق، إحساس ذاتي يطاول الحواس. يأخذنا سكورسيزي في رحلة حضرية تغوص في العزلة المزمنة داخل المدينة، وتحديداً داخل ليلها الذي يبدو في آن واحد أكثر فتنةً وأكثر خفوتاً. إنها حيز ذهني يشكّله التسكّع والبارانويا المتواصلة. هذا كله على إيقاع موسيقى برنارد هيرمان الجازية التي تضفي على المشاهد توتّراً دائماً.
الفيلم هو من أعظم الأعمال التي طرحت، بهذا القدر من الحدّة، فكرة البحث عن التوبة، وهي فكرة ستظهر لاحقاً بوضوح في سينما مخرجين من ذوي خلفيات دينية. فسكورسيزي الكاثوليكي، وكاتب السيناريو بول شرايدر المنحدر من بيئة كالفينية متشدّدة، يلتقيان هنا عند هاجس أخلاقي، يتجلّى من خلال النزول التدريجي لترافيس بيكل في الجحيم. يجسّد دنيرو هذه الحالة بتفان، في أداء يلتقط بدقّة شعور الاغتراب داخل مدينة تتحوّل بدورها إلى كائن حي مربك وغامض. هذا فيلم عن فقدان الاتجاهات، وعن أميركا التي تعيش تحت شبح حرب فيتنام، وتواجه نفسها بقلق متصاعد. أميركا التي تراقب نفسها في الفراغ، فتتحوّل إلى مادة دائمة للمراجعة، وكأنها لا تكف عن إعادة تعريف ذاتها.
"رامبو": دمج البطل
على غرار ترافيس بيكل، جون رامبو هو الآخر من الجنود الذين خاضوا حرب فيتنام وعادوا محمّلين بأوزارها. لم يتعامل الإثنان مع ندوب الحرب بالطريقة نفسها، لكن كليهما يجد نفسه منبوذاً في بلد يفترض أن يحتضن من "ضحّوا" من أجله. كلاهما يواجهان صعوبة في الاندماج داخل مجتمع لم يعد قادراً على استيعاب أثر تلك التجربة.
هنا يكمن أحد المفاتيح الأساسية في "الميثولوجيا الأميركية": فهي لا تكتفي بتقديم الولايات المتحدة كقوة ونفوذ، بل تطرح أيضاً فكرة أمّة تصنع أبطالها ثم تتركهم لمصيرهم. حتى الهزيمة في فيتنام استطاعت السينما الاستثمار فيها لقول عظمة أميركا، أولاً في عرض التجربة ثم في نقدها.
في هذا السياق، يتحوّل رامبو (سيلفستر ستالون) إلى شخصية يستمد من الجرح قوة. في أول أفلام السلسلة (1982 - إخراج تيد كوتشيف)، يظهر كجندي يحمل على عاتقه تجربة نفسية قاسية، يحاول التكيف مع عالم مدني يرفضه. لكن مع تطوّر السلسلة، يتغلّب الخيال على الواقع تدريجاً، ويُعاد تشكيل الشخصية لتصبح قوة شبه أسطورية، تستخدم العنف كلغة وحيدة للتعامل مع العالم.
في المقابل، كجندي سابق يعاني من تروما، بقي ترافيس بيكل خارج هذا التحوّل. فهو لا يُدمج داخل النظام ولا يُعاد تدويره داخل أسطورة جديدة، فيظل منبوذاً، لينزلق نحو عزلة أشد، ويخلق لنفسه ميثولوجيا فردية عن "تطهير المدينة". وهكذا، لا يعود رامبو وبيكل مجرد شخصيتين سينمائيتين، وإنما نموذجين لطريقتين مختلفتين في تعامل السينما الأميركية مع صدمة ما بعد فيتنام: إعادة إنتاج البطل داخل أسطورة متجدّدة، أو تركه "يتفسّخ" على الهامش.
إعادة بناء أساطير
بعض رموز "هوليوود الجديدة" لم يكتفوا بدحض الأساطير، لكنهم عادوا لاحقاً إلى إعادة بنائها بأشكال حديثة مختلفة. لقد ابتكر جورج لوكاس في "حرب النجوم" (1977)، ملحمة معاصرة أعادت الاعتبار إلى صورة البطل ورحلة الخلاص في استعادة واعية للبنية الأسطورية الكلاسيكية، بينما أعاد ستيفن سبيلبرغ إلى الشاشة روح المغامرة والدهشة، واستكشاف الآخر البعيد عبر الكائنات الفضائية، من "لقاءات قريبة من النوع الثالث" إلى "إي تي"، وصولاً إلى "الفكّ المفترس" (1975) الذي شكّل نموذجاً مبكراً لما سيُعرَف لاحقاً بالـ"بلوكباستر"، ذلك الفيلم الحدث الذي يُطرَح في مختلف أنحاء العالم بالتزامن، مدعوماً بحملة دعائية ضخمة، ومقدَّماً نفسه كـ"الفيلم الذي ينبغي على الجميع مشاهدته".
لم تحصر "هوليوود الجديدة" نفسها داخل قطيعة كاملة مع سينما الآباء، فهي وإن انقلبت على صيغها التقليدية، لم تسعَ إلى تدميرها، بل أعادت قراءتها بوعي نقدي ويقين أقل. حتى إن بعض رموز هذا الجيل نظروا لاحقاً إلى أسماء مثل جون فورد وهاورد هوكس بوصفها مرجعيات فنية لا يمكن تجاوزها أو إلغاؤها.
في مناسبة الذكرى الـ250 على استقلال أميركا ورحلة تأسيسها كأمّة جمعت بشراً من مختلف الأمم، تبدو "هوليوود الجديدة" لحظة ثقافية وجمالية لا غنى عنها لفهم العلاقة المتقلّبة بين السينما والهوية الأميركية بعد الحرب. فهي لحظة أكّدت أن السينما ترتقي اذا ما تشجّعت وطرحت أسئلة حول "المسكوت عنه". أفلام السبعينيات، قالت، ضمن ما قالته، إن الأمّة القوية ليست تلك التي تخفي تناقضاتها وضعفها وأمراضها، بل هي التي تملك القدرة على مواجهتها. وهكذا، يمكن القول إن الميثولوجيا الأميركية بُنيت في آنٍ معاً على تمجيد البطل وعلى نزع الهالة من حوله، أي على صعوده وسقوطه، وعلى إعادة إنتاجه في كلّ مرة بصيغة جديدة، تخدم الواقع الجديد. أميركا صنعت تاريخها صعوداً هبوطاً، وفي الحالتين ظلّت موضوعاً دائماً للإعجاب والدهشة.
مايكل تشيمينو: "المتطاول"
بلغ مشروع مراجعة "الميثولوجيا الأميركية" ذروته في أحد أكثر لحظاته جرأةً وعمقاً، مع مايكل تشيمينو، الذي تجرأ على إعادة تصفّح فصول تكاد لا تُمس في المخيال الوطني الأميركي. في "صائد الغزلان" (1978)، قدّم حرب فيتنام كمأساة وجودية تكشف عبثية الحروب وما تخلّفه من معاناة نفسية وأخلاقية، تطاول الفرد والجماعة معاً. لكن العمل الأعظم في هذا المسار هو "بوابة الجنّة" (1980)، إذ ذهب تشيمينو إلى مدى أبعد في تفكيك ميثولوجيا الغرب الأميركي، مستعيداً حرب مقاطعة جونسون في وايومنغ عام 1892.
بعيداً من الغرب كملحمة رومانسية، نقل الفيلم تاريخاً من العنف والصراع الطبقي، وهيمنة أصحاب النفوذ على المهاجرين والفقراء الذين شكّلوا الهامش الحقيقي لتلك الحكاية. لم يكن مستغرباً أن يدفع صاحب هذا "التطاول" ثمناً باهظاً. فعند عرضه، قوبل الفيلم بعاصفة من الرفض، قبل أن يتعرض لعمليات حذف وإعادة مونتاج. غير أن الزمن أعاد الاعتبار إليه تدريجاً، فبات يُنظر إليه اليوم كأحد أهم الأفلام التي أعادت مساءلة "الميثولوجيا الأميركية" في أكثر قضاياها حساسيةً.
سينما التوتّرات العرقية
تزامن صعود "هوليوود الجديدة" مع ظهور سينمات أخرى، حملت تسميات متعدّدة، من البديلة إلى المضادة فالتجريبية والأندرغراوندية والمباشرة والنسوية وغيرها، نتوقّف هنا مع تيار الـ"بلاكسبلواتايشن" الذي ضم مجموعة من الأفلام التي أنجزها سينمائيون لجمهور من الأميركيين الأفارقة، وتدور أحداثها داخل المجتمع الأفرو أميركي. أعاد هذا التيار الاعتبار إلى صورة السود داخل السينما الأميركية، ومنح الصدارة لفئة بقيت طويلاً على الهامش، بعدما اقتصرت أدوارها على الشخصيات المساعدة أو الثانوية.
وأصبح ملفين فان بيبلز من أبرز رموزه، من خلال فيلمه "أغنية سويت سويتباك الشريرة" (1971)، الذي حمل قضية السود إلى قلب الشاشة، وشكّل، بحسب كثير من المؤرخين، لحظة تأسيسية في مسار السينما الأفرو أميركية الحديثة. جاء الفيلم ليقلب معادلة طويلة، كانت فيها الأفلام التي يظهر فيها السود خاضعة، في إيقاعها وخطابها، لهيمنة أنغلوساكسونية واضحة، مقدّماً في المقابل رؤية فنية وسياسية جديدة لحياة السود في أميركا. وبهذا المعنى، مهّد الطريق أمام جيل كامل من السينمائيين.
ويصعب الحديث عن هذا المسار من دون التوقّف عند سبايك لي، الذي جعل من السينما مساحة دائمة لإعادة طرح الأسئلة حول المجتمع الأميركي وتناقضاته و"عنصريته". فمنذ بداياته، كرّس أفلامه لتوثيق تجربة الأميركيين الأفارقة، واضعاً في صلب أعماله قضايا العنصرية والتمييز والحقوق المدنية. ضخّ لي دماً جديداً في شرايين هذه السينما، التي كان يهيمن عليها البيض، مقدّماً المجتمع الذي يتحدّر منه، بعيداً من الصور النمطية أو مقاربات التعاطف السطحي، ومستنداً في ذلك إلى معرفة مباشرة بهذه البيئة.
في أفلام مثل "افعل ما هو صح" (1989)، ربط لي بين الماضي والحاضر، مذكّراً بأن آثار العبودية والعنصرية ما زالت حاضرة في البنية العميقة للمجتمع الأميركي. لذلك، لا تبدو نيويورك في سينماه مدينة أحلام، بقدر ما هي أرض لتوتّرات عرقية واجتماعية، تتحوّل فيها الشاشة إلى مساحة لاستعادة قصص ظلت، طويلاً، خارج الحقل المرئي لهوليوود.
غزو الفضاء: لا حدود للمخيّلة
عندما أُغلِقت الحدود الغربية مع نهاية القرن التاسع عشر، وختام مرحلة التوسّع الاستيطاني نحو الغرب، لم تختفِ فكرة "الحدود" من المخيلة الأميركية، بل انتقلت من مكان إلى آخر. أصبح الفضاء هو الحدّ الجديد، وصارت الكائنات الفضائية، والتهديدات القادمة من الخارج أو الرغبة في استعمار الكواكب الأخرى، جزءاً من برنامج التسويق للتفوق الأميركي وتخييلاته الكبرى. فإذا كان راعي البقر هو بطل القرن التاسع عشر، فإن رائد الفضاء أصبح بطل القرن العشرين وما بعد. لم تعد السهول والجبال مسرح الشجاعة والمغامرة، بل الكواكب البعيدة والمجهول الكوني الذي ما عاد عصياً على الاختراق. حتى الرئيس جون كينيدي استعمل تعبير "الحدود الجديدة" لوصف المشروع الفضائي الأميركي، في استعادة واضحة للغة التي رافقت فتح الغرب الأميركي.
واكبت هوليوود هذا التحوّل وصنعته، فجعلت من غزو الفضاء ملحمة وطنية جديدة، تحتفي بالعلم والتكنولوجيا والريادة، من دون أن تتخلّى عن القيم المؤسّسة. مع الإيمان بأن المستقبل يُفتَح دائماً أمام من يجرؤ على التقدّم. وهكذا واصلت السينما إعادة إنتاج الميثولوجيا الأميركية في صيغة معاصرة، عبر نقل فكرة "الحدود" من الجغرافيا الأرضية إلى فضاء مفتوح بلا نهاية.
كوبريك VS لوكاس وسبيلبرغ
في هذا السياق، قدّم كلّ من "2001: أوديسّة الفضاء" لستانلي كوبريك و"حرب النجوم" لجورج لوكاس رؤيتين متباينتين للفضاء، تعكسان اختلافاً جذرياً في توظيف الخيال داخل الميثولوجيا الأميركية. في فيلم كوبريك، يظهر الفضاء خالياً من أي بُعد بطولي تقليدي. لا يتعلّق الأمر بمغامرة أو فتح "حدود جديدة"، بقدر ما هو تأمّل في موقع الإنسان داخل الكون. الفضاء عند كوبريك لا يُستعمَر، والتكنولوجيا لا تُقدَّم كأداة تفوق، ولكنها تسمح بطرح سؤال حول معنى التطوّر وحدوده ومآلاته. أما في فيلم لوكاس، فإن الفضاء يتحوّل إلى عالم سردي مكتمل البنية، مكتظ بالشخصيات والصراعات والرموز. إنه كون يُبنى على منطق الحكاية الكلاسيكية، في تكرار للبنية نفسها التي شُيّد عليها الـ"وسترن": أبطال، أشرار، ومناطق نفوذ، مع إعادة صياغة هذه العناصر داخل لحظة مستقبلية.
وهكذا، بين كوبريك ولوكاس، يتحدّد مساران داخل الخيال الأميركي: أحدهما يطيح بفكرة الحدود نفسها، والآخر يعيد إنتاجها في شكل كوني جديد، ممّا يؤكّد أن الميثولوجيا الأميركية لا تتوقّف عن تغيير فضائها، لكنها تحافظ على بنيتها العميقة.
الخيال العلمي عند ستيفن سبيلبرغ يقترب في روحه من جورج لوكاس، وإن كان يحمل في بعض لحظاته نزعة تأملية يمكن أن تُحيل، بدرجات مختلفة، على سينما كوبريك. في هذا المعنى، لا يبدو الفضاء عند سبيلبرغ مجرد امتداد خارجي للخيال، وإنما مساحة تُختبر فيها علاقة السينما الأميركية بـ"الآخر"، سواء كان هذا الآخر كائناً فضائياً أو قوة مجهولة أو حتى انعكاساً داخلياً لقلق إنساني.
ردفورد: نقاء الحلم الأميركي
جسّد روبرت ردفورد إحدى الصيغ الأكثر "نقاءً" للحلم الأميركي في السينما، بحيث يتمظهر البطل في صورة أنيقة، متماسكة، ومتصالحة مع قيم العدالة والحرية. غير أن هذه الصورة لا تبقى سطحية، إذ سرعان ما تنقلب إلى مساءلة للمؤسّسة الأميركية نفسها، خصوصاً عندما بدأت "هوليوود الجديدة" تزيح خطاب القوة بدل الاكتفاء بإعادة إنتاجه.
في أعماله السبعيناتية، ردفورد هو الوسيط بين الفرد والنظام، سواء كان صحافياً في "كلّ رجال الرئيس" يكشف فضيحة ووترغايت، أو محللاً استخباراتياً في "أيام كوندور الثلاثة" يهرب من شبكة مؤامرات لا يدرك أبعادها كاملة. في كلتا الحالتين، لا يعود البطل مركز القوة، بعدما يصبح عيناً قلقة داخل جهاز أكبر منه. حتى في تجربته الإخراجية، "أناس عاديون"، يبرز اهتمام ردفورد بانهيار النموذج العائلي الأميركي وما يعكسه من توتّر اجتماعي، فتصبح الأسرة حيزاً تتقاطع فيه الصدمات والصمت والذنب.
لا يقدّم ردفورد قطيعة مع "الميثولوجيا الأميركية"، لكنه يعيد فهمها. إنه من أكثر الذين حملوا ملامح القوة الناعمة التي حاربت فيها أميركا على كافة الجبهات، وفي الوقت نفسه لم يتوان عن كشف ويلات بلاده، واضعاً البطل في منطقة وسطى بين الصورة التي تريد الأمّة أن تراها عن نفسها، والحقيقة التي تتسرب من خلفها.
"البلوكباستر": قوة أميركا الناعمة
"البلوكباستر" الأميركي، الذي وُلد مع "الفك المفترس" لسبيلبرغ، لم يعد يحمل المعنى نفسه مع التطورات. فما بدأ كصيغة تجارية ناجحة داخل هوليوود، تبلور ليصبح أحد أبرز أدوات "القوة الناعمة" في العالم.
هذه الأفلام، التي تُبنَى على موازنات ضخمة، وإيقاع سردي سريع، وإبهار بصري يحتاج غالباً إلى شاشة كبيرة للاستمتاع بها، صُمِّمت لتكون صالحة للاستهلاك العالمي، بغضّ النظر عن اللغة أو الذوق المحلي. وفي هذا الإطار، يتحوّل "البلوكباستر" إلى منتج عابر للحدود، يفرض حضوره عبر الإبهار، مستفيداً من مكانة أميركا بين الأمم.
في هذا السياق، يشكّل "تايتانيك" لجيمس كاميرون (1997) نموذجاً صارخاً: قصّة حبّ بسيطة في ظاهرها، تُدمَج في كارثة تاريخية كبرى، وتُقدَّم ضمن إنتاج ضخم وتنفيذ متقن، ممّا يجعلها صالحة للتداول في مختلف الثقافات. وهكذا يصبح "البلوكباستر" وسيلة ثقافية، تنقل القيم الأميركية داخل قوالب ترفيهية تبدو محايدة في الظاهر، لكنها في العمق تعيد تشكيل المخيلة العالمية وفق أجندة هوليوود.
الأميركي يخرج منتصراً
وعندما تتّخذ هذه الأفلام طابعاً نقدياً، فإنها لا تخرج كلياً من هذا الإطار. ففي "أوبنهايمر" لكريستوفر نولان (2023)، يبلغ "البلوكباستر" الأميركي قمّة وعيه بذاته كعمل يعيد تمثيل القوة. انطلاقاً من حدث أساسي في القرن العشرين، يعيد الفيلم إدخال المُشاهد إلى قلب التجربة النووية، مستحضراً لحظة مأساة تاريخية حتماً لا يشعر صانعوها بالفخر، لكنهم يعيدون وضعها أمام العالم كجزء من الذاكرة الإنسانية المشتركة. هذا الصنف السينمائي، على رغم طابعه النقدي أحياناً، هو جزء من القوة الناعمة الأميركية، إذ إنه يعيد صوغ الحرب والتاريخ والكارثة في صورة مدروسة للاستهلاك العالمي، واضعاً المُشاهد أمام مفارقة: كيف يمكن للسينما أن تُدين القوة، وفي الوقت نفسه تعيد إنتاج سطوتها داخل المتعة البصرية ذاتها؟
حتى أفلام الكوارث، من الغرق والحرائق والزلازل والتسونامي إلى سقوط النيازك والأعاصير، ليست مجرد سينما عن أحداث مؤسفة، بقدر ما هي، في عمقها الرمزي، سينما إثبات العزيمة والنجاة. فهي بعدما تختبر الإنسان الأميركي أمام الطبيعة، تعود إلى صوغ فكرة الانتصار ذاته: كيف من الجائز، في قلب لحظة لا قدرة لنا على السيطرة عليها، أن يُستعاد النظام، ويُهزم المستحيل.
الكارثة مرحلة عابرة داخل سردية أكبر، حيث يخرج الأميركي في الغالب منتصراً، لأنه يتجاوزه ويعيد بناء العالم على أنقاضه.
من البطل إلى البطل الخارق
أفلام "الكوميكس" أو البطل الخارق، من "سوبرمان" إلى "سبايدرمان" وصولاً إلى شخصيات عالم "مارفل" الذي أثار حضوره الطاغي جدالاً واسعاً في السنوات الأخيرة، تحولت مع الزمن إلى أحد أعمدة الخيال الأميركي المعاصر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في "سوبرمان"، تتبلور ملامح هذا الخيال: كائن قادم من خارج الأرض، لكنه يتبنّى فكرة أميركا أرضاً للخلاص. البطل هنا استعارة للقوة الأخلاقية والنظام والعدالة. أما "سبايدرمان" فينقل هذا النموذج إلى مستوى أكثر يوميةً وقلقاً. بطل يعيش داخل مدينة، ممزّق بين حياته العادية ومسؤوليته الخارقة. إنه مزيج من البطولة والعبء الأخلاقي.
في "الجوكر" لتود فيليبس (2019)، بدلاً من استبدال بطل ببطل آخر، يعمل الفيلم على نسف فكرة البطولة. لا يقدّم مواجهة تقليدية بين الخير والشر، لكنه يتتبع تشكّل الانهيار النفسي داخل مدينة مضطربة، حيث تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من الانكسارات التي تتراكم بصمت. آرثر/الجوكر يظهر ككائن لا يجد مكانه داخل هذا النظام، تماماً كترافيس بيكل، يعيش مع أم مريضة، يعمل مهرجاً، ويحلم بأن يصبح كوميدياً، قبل أن يتحول إلى مادة للسخرية، ثم إلى عنف يرتد على المدينة نفسها. بلغة القصص المصوّرة، نحن أمام العدو التاريخي لباتمان، لكن الفيلم يعود إلى لحظة ما قبل تشكّل هذه الثنائية.
ما بعد البطولة
ما يتركه "الجوكر" في النهاية، هو شرخ عميق في فكرة البطل داخل السينما الأميركية، حيث يمكن المنبوذ أن يتحوّل إلى رمز، والرمز أن ينقلب إلى خطر. وهكذا خرج وجه الجوكر من الشاشة إلى الحياة العامة، ليكشف مدى قدرة السينما الأميركية على التسرب إلى الواقع، وتحولها إلى لغة احتجاج تُستعار خارج سياقها الأصلي. من احتجاجات لبنان إلى العراق، وصولاً إلى تشيلي وهونغ كونغ، بدا واضحاً كيف يمكن للثقافة الشعبية أن تتحوّل وسيلة تعبير سياسي حين يعجز الخطاب التقليدي عن احتواء الغضب الجماعي.
إيستوود يستجوب الميثولوجيا
قد يُعترض على غياب كلينت إيستوود في هذا النص، غير أن اختياره كخاتمة يبدو ضرورياً، من خلال أحد أقل أفلامه شهرةً، ولكن الدالة على ما سبق. فإيستوود، في مرحلته الأخيرة، اشتغل كثيراً على فكرة البطولة، من الطيار سولي الذي أنقذ ركّاب طائرة سقطت، إلى جنود في قطار أحبطوا عملية إرهابية. كيف تُصنع البطولة وكيف تُسوَّق، وكيف يمكن أن تُنتزَع من صاحبها في لحظة واحدة. لا يوجد شأناً أميركياً أكثر من هذا.
عموماً، السؤال الأخير، هو الشغل الشاغل لفيلمه "ريتشارد جاول" 2019)) الذي يأخذ رجلاً عادياً، لا يملك ما يميّزه عن غيره، ثم يضعه داخل لحظة استثنائية، قبل أن يُعَاد تشكيل صورته أمام أعين الإعلام والرأي العام، في مسار بطيء يتحوّل فيه من بطل إلى متّهم، ومن رمز إلى كبش محرقة. هذا فيلم عن الآلية التي تُدار بها الحقيقة داخل المجتمع الأميركي. وعن شخصيات عادية تُزج في ظروف استثنائية، المبدأ الذي نهض عليه مجمل السينما الأميركية.
إنها قصّة ريتشارد جاول، حارس أمن يكتشف عبوة ناسفة خلال دورة الألعاب الأولمبية في أتلانتا عام 1996، فينقذ حياة المئات، قبل أن يتحوّل سريعاً إلى مشتبه فيه تحت ضغط الإعلام ومكتب التحقيقات الفيدرالي. يستجوب إيستوود الميثولوجيا الأميركية نفسها: تلك التي تصنع من المواطن العادي بطلاً في لحظة، ثم تتركه وحيداً. في كلّ مرة، يعود السؤال ذاته بصيغ مختلفة: مَن يملك حقّ تسمية البطل؟ ومَن يملك سلطة سحبه من الضوء إلى العتمة؟