Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ألاسكا الأميركية الغنية بالنفط تواجه أزمة وقود

حرب إيران ترفع الأسعار إلى 9 دولارات للغالون على رغم سياسات ترمب الداعمة للطاقة

تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الخام يهددان المستهلكين في الولاية الأعلى إنتاجاً للنفط في الولايات المتحدة (اندبندنت عربية) 

ملخص

سياسات ترمب الداعمة لصناعة الطاقة تعد بزيادة إنتاج النفط، لكن سكان المناطق الريفية في ألاسكا يتحملون كلفة الإمدادات الباهظة وسط تداعيات الحرب والانتخابات المقبلة.

في أرياف ألاسكا، أدت الحرب مع إيران إلى تسجيل بعض من أعلى أسعار الوقود في الولايات المتحدة، فهذه البلدات والقرى المعزولة غير مرتبطة بشبكة الطرق، وتعتمد على شحنات الوقود التي تصل بحراً، ما يرفع كلفة البنزين وزيت التدفئة والديزل المستخدم في توليد الكهرباء.

وعادةً ما تصل شحنات الوقود على متن صنادل (قوارب مسطحة القاع) خلال فصل الصيف بعد ذوبان الجليد وفتح الممرات المائية، ويحدد سعر آخر شحنة يجرى تفريغها تكلفة الوقود حتى موعد الشحنة التالية بعد أشهر.

لكن هذا العام اضطرت كثير من المجتمعات إلى تقديم طلباتها خلال الربيع، في الوقت الذي دفعت فيه الحرب مع إيران أسعار الطاقة إلى الارتفاع الحاد. 

ويعني ذلك أنه حتى إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق سلام وأُعيد فتح مضيق هرمز بصورة دائمة، فإن سكان أرياف ألاسكا سيواصلون دفع أسعار مرتفعة للطاقة لفترة طويلة، حتى بعد انخفاضها في بقية أنحاء البلاد.

أزمة ألاسكا مفارقة لافتة

قال حاكم ألاسكا مايك دنليفي إن صغر حجم الأسواق المحلية وبُعد المسافات يضاعفان التحديات التي تواجه المجتمعات الريفية، محذراً من أن "الخريف والشتاء قد يكونان صعبين".

وتكشف أزمة ألاسكا مفارقة لافتة، فهي ولاية غنية بالموارد الهيدروكربونية، وفي الوقت نفسه تحتل موقعاً محورياً في أجندة الرئيس دونالد ترمب الهادفة إلى تعزيز إنتاج الطاقة. 

وزادت الحرب مع إيران من أهمية أمن الطاقة بالنسبة إلى الدول، كما عززت قناعة إدارة ترمب بضرورة ترسيخ الهيمنة على موارد الطاقة في نصف الكرة الغربي، من ألاسكا إلى فنزويلا.

وتؤكد الإدارة الأميركية أن ألاسكا مقبلة على مرحلة جديدة من زيادة إنتاج النفط الخام وانخفاض أسعار الطاقة، وهو ما قد يفتح المجال أمام شركات كبرى مثل "كونوكو فيليبس" و"ريبسول" و"إكسون موبيل" و"شل" لتوسيع استثماراتها في الولاية.

لكن في الوقت الذي يُتوقع أن تعود فيه سياسات ترمب الداعمة لقطاع النفط والغاز بالفائدة على شركات الوقود الأحفوري، بدأ بعض سكان ألاسكا بإعادة تجهيز مواقد الحطب استعداداً لفصل الشتاء المقبل، تحسباً لاستمرار ارتفاع كلفة الطاقة.

وقال الرئيس التنفيذي السابق لشركة الكهرباء في مدينة كوتزيبو الريفية، توم أتكينسون، لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إن ثمار تطوير قطاع النفط والغاز لم تصل إلى السكان الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الاستفادة منها، مضيفاً "في كثير من النواحي، لم تنعكس مكاسب تطوير النفط والغاز على الأشخاص الذين ينبغي أن يكونوا أول المستفيدين من انخفاض الكلفة".

وعلى رغم أن دونالد ترمب فاز بولاية ألاسكا بفارق مريح تجاوز 10 نقاط مئوية في كل من الانتخابات الرئاسية الثلاث الأخيرة، فإن الحرب مع إيران بدأت تثير استياءً متزايداً في المجتمعات الريفية، ما أوجد انقساماً داخل الولاية ذات التوجه الجمهوري القوي، وهو انقسام قد يحمل تداعيات سياسية تتجاوز حدود ألاسكا إلى المستوى الوطني.

وقد تكون أصوات المجتمعات الريفية حاسمة في انتخابات مجلس الشيوخ المرتقبة في ألاسكا، والتي يتوقع مراقبون أن تكون شديدة التنافس بين النائبة الديمقراطية السابقة ماري بيلتولا والسيناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان.

 ومن شأن فوز بيلتولا أن يعزز، ولو بشكل محدود، فرص الديمقراطيين في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ.

وقالت متحدثة باسم البيت الأبيض إن أولوية الرئيس ترمب تتمثل في "إطلاق الإمكانات الهائلة لألاسكا في مجال الطاقة الموثوقة والميسورة والآمنة، عبر زيادة الإنتاج وبناء البنية التحتية الحيوية لخفض الأسعار داخل الولاية"، مؤكدة أن سياسات الإدارة في قطاع الطاقة ستوفر وظائف جديدة لسكان ألاسكا.

٩ دولارات للغالون

خلال الحرب مع إيران، دأب ترمب على التأكيد أن الولايات المتحدة قادرة على تحمل صدمة الطاقة لأنها أكبر منتج للنفط والغاز في العالم. كما ساعدت تصريحاته التي قللت من حجم الاضطرابات، إلى جانب السحب المكثف من الاحتياطات النفطية العالمية، في تهدئة أسواق الخام والحد من الارتفاع الحاد في أسعار البنزين.

وبلغ متوسط سعر الغالون على مستوى الولايات المتحدة ذروته عند 4.56 دولار في مايو (أيار) الماضي، قبل أن يتراجع إلى نحو 3.80 دولار.

لكن الوضع في ألاسكا يبدو مختلفاً تماماً، فعلى الرغم من أنها خامس أكبر ولاية أميركية إنتاجاً للنفط، فإن معظم إنتاجها من الخام يُصدر إلى الخارج، بينما يُكرر جزء محدود منه ويُوزع على المجتمعات المحلية، غالباً عبر الشاحنات.

ويعود ارتفاع الأسعار جزئياً إلى أن معظم بلدات ألاسكا غير مرتبطة بشبكة الطرق، إضافة إلى قانون اتحادي يقيّد نقل البضائع بين الموانئ الأميركية بواسطة السفن الأجنبية، وهو ما يجعل استيراد الوقود من الخارج في بعض الأحيان أقل تكلفة من شرائه من المصافي الثلاث الرئيسة داخل الولاية.

وتتحمل القرى النائية كلفة إضافية باهظة، إذ لا يقتصر الأمر على شراء الوقود، بل بُضاف أيضاً ما بين دولار ودولارين لكل غالون لتغطية نقله على متن ناقلات بحرية، ثم تفريغه في صنادل، وبعدها نقله بواسطة قوارب قطر صغيرة قادرة على الإبحار في الأنهار الضيقة، قبل تخزينه في خزانات الوقود.

وقال المحلل المستقل في لوجستيات الوقود، مارك سميث، "من الأرخص بكثير استقدام ناقلة أجنبية وتحميلها بالوقود في كوريا ثم إرسالها إلى ألاسكا، مقارنة بشراء غالون واحد من إحدى مصافي ألاسكا".

وفي مدينة ديلينغهام الساحلية غرب ألاسكا، بدأت صنادل الوقود بالوصول، لكنها حملت معها أيضاً موجة جديدة من ارتفاع الأسعار. وتضم المدينة ثلاث محطات وقود، من بينها محطة جون ستيلينغ، حيث يُباع غالون البنزين بنحو 9 دولارات، بينما يُباع زيت التدفئة بالسعر نفسه تقريباً، ويزيد سعر غالون الديزل قليلاً عن ذلك.

وقال مدير المدينة، جاك سافو الابن، إن التقدم الذي أُحرز في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران واحتمال إعادة فتح مضيق هرمز لا يبعث على الارتياح بالنسبة لسكان المدينة، لأن أسعار الوقود المحلية لا تتأثر سريعاً بالتطورات العالمية.

وأوضح أن ديلينغهام تتوقع إنفاق 166015 دولاراً إضافياً خلال السنة المالية 2027 لتدفئة المباني وتشغيل المركبات، ما سيدفعها إلى اتخاذ إجراءات لخفض النفقات، تشمل تقليص ساعات العمل الإضافية وتعليق بعض الزيادات المرتبطة بالأداء الوظيفي.

وقال سافو، "أسعارنا لا تستجيب فوراً لتقلبات الأسواق أو للأحداث التي يشهدها العالم".

وتعود جذور الاستيطان في المنطقة إلى سكان ألاسكا الأصليين، وكانت تُعرف باسم نوشاغاك بحلول عام 1837، عندما أُقيمت فيها بعثة تابعة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ويبلغ عدد سكانها اليوم نحو ألفي نسمة، وتضم مستشفى ومطاراً صغيراً.

وخلال فصل الصيف، تستقطب المنطقة أعداداً كبيرة من الصيادين القادمين إلى خليج بريستول، الذي يشهد أكبر هجرة لأسماك السلمون الأحمر (Sockeye Salmon) في العالم.

عودة صناعة النفط

وعلى بعد أكثر من 700 ميل إلى الشمال، وفي منطقة بيكا (Pikka) الواقعة على المنحدر الشمالي، القلب النابض لصناعة النفط في ألاسكا، يواصل العمال تنفيذ أحدث مشاريع إنتاج الخام في الولاية.

ويعمل جهاز حفر ضخم على تجهيز آبار يُتوقع أن تنتج مجتمعة 80 ألف برميل يومياً في وقت لاحق من هذا العام، في خطوة تهدف إلى وقف التراجع المستمر في إنتاج ألاسكا من النفط الخام.

ويقام المشروع على أراضٍ تابعة للولاية، بعد أن حصل على الموافقات في عام 2022 من شركتي "ريبسول" الإسبانية و"سانتوس" الأسترالية خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان من بين أولى الأوامر التنفيذية التي وقعها دونالد ترمب عقب عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي قرار يهدف إلى إطلاق العنان لإنتاج الوقود الأحفوري في ألاسكا.

وفي مايو الماضي، زار وزير الداخلية دوغ بورغوم مشروع بيكا، معلناً ما وصفه باسم "العودة الكبرى للأسكا"، في إشارة إلى مرحلة جديدة من ازدهار إنتاج النفط وانخفاض أسعار الطاقة.

وتفقد مشروع "ويلو" التابع لشركة "كونوكو فيليبس"، والذي تُقدّر استثماراته بنحو 9 مليارات دولار، ومن المقرر أن يبدأ الإنتاج في عام 2029، مع قدرة إنتاجية تصل إلى180 ألف برميل يومياً عند بلوغه ذروة التشغيل.

وبالنسبة إلى شركات الوقود الأحفوري، جاءت سياسات إدارة ترمب في توقيت مناسب، إذ يواجه المنتجون تراجعاً في الاحتياطات ونقصاً في المواقع الأكثر إنتاجية داخل الولايات المتحدة القارية. وفي الأعوام الأخيرة، عززت الاكتشافات النفطية في ألاسكا اهتمام الشركات، إلا أن إدارة جو بايدن فرضت قيوداً على ملايين الأفدنة ومنعت عمليات الحفر فيها، ما أثار غضب القطاع.  

ومنذ عودته إلى السلطة، ألغى ترمب جانباً كبيراً من تلك القيود، كما ألزم الكونغرس، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، الحكومة بطرح جولات جديدة لامتيازات التنقيب.

وخلال مزاد أُجري في مارس (آذار) الماضي، أنفقت الشركات 164 مليون دولار للحصول على حقوق التنقيب في المحمية الوطنية للبترول في ألاسكا، وهو أعلى رقم يُسجل في مثل هذه المزادات.

من جانبه، قال رئيس "كونوكو فيليبس ألاسكا، إيريك إسحاقسون، إن الإدارة الأميركية "قدمت الكثير لفتح المجال أمام استكشاف النفط والغاز وتطويرهما في ألاسكا، ووضعت الولاية في موقع يجعلها أكثر جاذبية للصناعة".

أما الرئيس التنفيذي لشركة "ريبسول"، خوسو جون إيماز، فكشف أنه تناول العشاء مع وزير الداخلية دوغ بورغوم في أنكوريج العام الماضي، مضيفاً أن وزير الطاقة كريس رايت شاركه رقم هاتفه الشخصي، وقال "لدينا إدارة قريبة جداً من الشركات، سواء في الدعم أو في التواصل المباشر معها".

ومن المتوقع أن تسهم المشاريع النفطية الجديدة في تعزيز إيرادات ولاية ألاسكا وتنشيط اقتصادها، على رغم أن الإعفاءات الضريبية الممنوحة للشركات، إضافة إلى أن إقامة بعض المشاريع على أراضٍ اتحادية لا تتبع الولاية، ستحد من حجم العائدات المباشرة.

ووفقاً لوزارة الإيرادات في ألاسكا، من المنتظر أن ترتفع الإيرادات النفطية إلى نحو 2.5 مليار دولار بحلول عام 2035، بزيادة تقارب 620 مليون دولار مقارنة بعام 2025.

سباق انتخابي محتدم

وتحظى سياسات ترمب الداعمة لصناعة الوقود الأحفوري بتأييد واسع في ألاسكا، إذ يحظى تطوير الموارد الطبيعية بدعم من الناخبين والسياسيين على اختلاف انتماءاتهم. لكن اعتماد الولاية على النفط تراجع بشكل كبير منذ أن بلغ الإنتاج ذروته عند مليوني برميل يومياً في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

ولا تزال الولاية توزع أرباحاً سنوية على السكان من صندوقها السيادي، إذ حصل كل مستفيد مؤهل على1000 دولار في دورة عام 2025، إلا أن انخفاض الإيرادات النفطية خلال الأعوام الماضية دفع الحكومة إلى تقليص قيمة هذه التوزيعات، بحسب بريت واتسون، وهو أستاذ اقتصاد الطاقة في جامعة ألاسكا.

وأضاف واتسون أن ارتفاع أسعار النفط هذا العام سيحقق للولاية إيرادات إضافية تُقدر بنحو 793 مليون دولار مقارنة بالتوقعات السابقة، وهو ما سيساعد في سد جزء من عجز الموازنة. وعلى المدى الطويل، قد تترجم سياسات ترمب في قطاع الطاقة إلى زيادة الإيرادات النفطية، ما يمنح الولاية مساحة أكبر للحفاظ على توزيعات الصندوق السيادي.

لكن في المقابل، بدأ تأثير أزمة الطاقة التي تضرب عشرات المجتمعات الريفية يقوض شعبية ترمب داخل الولاية ذات التوجه الجمهوري القوي، لتتحول القضية إلى محور رئيس في السباق على مقعد مجلس الشيوخ بين الجمهوري دان سوليفان والديمقراطية ماري ببيلتولا.

ويحتاج الديمقراطيون إلى الفوز بأربعة مقاعد إضافية لاستعادة الأغلبية في مجلس الشيوخ، ما جعل ألاسكا، إلى جانب ولايتي أيوا وأوهايو، من أبرز ساحات المنافسة الانتخابية.

وانتقد الديمقراطيون السيناتور سوليفان بسبب دعمه لسياسات ترمب في الحرب مع إيران، معتبرين أنه بعيد عن هموم سكان الولاية الذين يواجهون ارتفاعاً حاداً في أسعار الوقود، إلا أن سوليفان دافع، في مقابلة أجريت معه في مايو الماضي، عن أهداف ترمب في إيران، مؤكداً أن الحل لأزمة الطاقة في المناطق الريفية يكمن في زيادة إنتاج الطاقة داخل ألاسكا. وأكد بعض سكان المناطق الريفية الذين صوتوا له سابقاً أنهم يعتزمون دعمه مرة أخرى.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز