Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة هرمز ومستقبل "أوبك+": هل حان وقت إعادة صياغة دور التحالف؟

التنسيق الجماعي يحافظ على تماسكه ويمنع الانشقاقات ويفتح الباب لانضمام دول غير منتجة للنفط لكنها قادرة على التخزين

واشنطن حققت معظم أهدافها الاستراتيجية من الأزمة الحالية (أ ف ب)

ملخص

عالم النفط بعد هرمز مختلف تماماً. والسؤال ليس "هل يجب أن يتغير دور ’أوبك+‘؟"، بل "كيف يجب أن يتغير ليبقى مؤثراً وفعالاً في عالم جديد؟".

لن يعود العالم بعد أزمة مضيق هرمز كما كان قبلها. فقد أطلقت الأزمة تحولات عميقة في أسواق الطاقة العالمية، وستستمر تداعياتها على مصدري الطاقة ومستورديها على حد سواء، بل على كل القطاعات المرتبطة بها: من صناعة رقائق الحواسيب والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، إلى الزراعة والسياحة والصناعات التحويلية، كما ذكرت في مقالات سابقة.

غيّرت ولاية الرئيس ترمب الثانية مجرى أسواق الطاقة بصورة جذرية. فبينما ركزت الولاية الأولى على "الاستقلال الطاقي"، تحولت الاستراتيجية في الولاية الثانية إلى "الهيمنة من خلال الطاقة". لم تعد الولايات المتحدة تسعى إلى الانعزال، بل إلى التأثير العالمي عبر سيطرتها على إمدادات الطاقة، وربط ذلك بصورة وثيقة بهيمنتها في مجال الذكاء الاصطناعي. وبما أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن ينمو من دون طاقة رخيصة وموثوقة، أصبحت "الهيمنة الطاقية" أولوية استراتيجية عليا. لهذا كان إغلاق مضيق هرمز نتيجة منطقية لهذا التحول، تماماً كما ذكرت في مقالة هنا منذ نحو عام تقريباً من أن الصين تتوقع أن يغلق مضيق هرمز، لكن ليس من قبل إيران، بل من قبل الولايات المتحدة.

نتائج إغلاق المضيق الاستراتيجية من وجهة نظر أميركية:

ضرب المنافسين في قطاع الطاقة، وبخاصة في الغاز الطبيعي المسال. أدى ذلك إلى ارتفاع قياسي في صادرات الولايات المتحدة من النفط والمنتجات النفطية (البنزين، الديزل، وقود الطائرات) والغاز المسال. أقنعت الأزمة دول العالم بضرورة تقليل الاعتماد على الخليج وتنويع مصادر الإمداد، مما يصب في مصلحة الصادرات الأميركية. كما أضر ذلك بصناعة البتروكيماويات الخليجية والآسيوية، وأنعش نظيرتها الأميركية التي تستفيد من غاز الميثان والإيثان الرخيص. والأهم أن ارتفاع كلف الشحن والتأمين سيجعل العودة إلى الوضع السابق صعبة.

إضعاف المنافسين في صناعة الرقائق (تايوان وكوريا الجنوبية بصورة خاصة)، ودفعهم لنقل استثماراتهم إلى الولايات المتحدة. بدأ ذلك بوقف تصدير الهيليوم من قطر، ثم تدمير بعض المنشآت المنتجة له، إضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والغاز في آسيا.

التأثير في صناعة الوقود الحيوي في دول مثل إندونيسيا وماليزيا، التي تعتمد على الميثانول الخليجي.

ضرب الدول الزراعية المعتمدة على الأسمدة الخليجية، وتعزيز صناعة الأسمدة الأميركية المبنية على الغاز الصخري.

هذه التغيرات الهيكلية في النظام التجاري والطاقي العالمي تدفع الدول نحو النموذج الصيني: ربط الطاقة بالأمن القومي، ودعم الإنتاج المحلي (شمسي، رياح، بطاريات)، واستخراج الموارد الأحفورية بغض النظر عن الكلفة، مع بناء مخزونات استراتيجية كبيرة.

ما الذي يجب أن يفعله تحالف "أوبك+"؟

تاريخ صناعة النفط الممتد لأكثر من 160 عاماً يؤكد حقيقة أساسية: أسواق النفط تحتاج إلى إدارة. تكون الصناعة أكثر استقراراً وكفاءة عندما يوجد "مدير" للسوق، بينما تعاني تقلبات حادة وهدراً للموارد عند غيابه. لذا، يبقى دور "أوبك+" ضرورياً، لكنه يحتاج إلى تطوير جذري يتضمن ما يلي:

تعديل نظام الحصص ليصبح مبنياً على الصادرات بدلاً من الإنتاج، لأن الصادرات هي ما يؤثر فعلياً في الأسواق، ويمكن قياسها بدقة أعلى.

توسيع نطاق الحصص ليشمل كل السوائل النفطية (الخام + المنتجات النفطية + السوائل الغازية)، لا الخام فقط.

إنشاء نظام تخزين عالمي استراتيجي للنفط الخام قرب الأسواق الاستهلاكية الكبرى، وبعيداً من الممرات المائية الحساسة. يُدار هذا النظام بقوانين واضحة تحت إشراف لجنة وزارية مشتركة.

تعزيز التعاون في التخزين والتكرير بين دول التحالف، بما في ذلك شراء النفط من الدول التي تواجه صعوبة في خفض الإنتاج موقتاً، أو تخزينه في دول لديها طاقة تخزينية فائضة، أو تكريره في الدول التي لديها طاقة تكريرية فائضة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على رغم إمكانية قيام الدول بهذه الخطوات بصورة فردية أو ثنائية، فإن التنسيق الجماعي يحافظ على تماسك التحالف ويمنع الانشقاقات، ويفتح الباب لانضمام دول غير منتجة للنفط لكنها قادرة على التخزين، مما يربط مصالحها بمصالح "أوبك+"، وبخاصة أن بعض الدول المخزنة ستصبح دولاً مصدرة. أما بالنسبة إلى الدول المستهلكة الكبيرة، وبخاصة في آسيا، فإن ربط مصالحها بمصالح "أوبك+" يجب أن يصبح هدفاً استراتيجياً، وهذا المثال يوضح ذلك: لو خزن التحالف 100 مليون برميل في الهند قبل الأزمة، لكانت مصالح نيودلهي مرتبطة مباشرة بمصالح التحالف، ولما عانت نقصاً حاداً في الإمدادات، ولا قامت بالبحث عن مصادر نفط خارج التحالف، ويمكنها التصدير لدول أخرى بحيث تعزز دورها الاستراتيجي في أسواق الطاقة.

الهدف من هذه المقترحات ليس فرض نموذج جاهز، بل فتح حوار جدي حول مستقبل "أوبك+" وصناعة النفط الخليجية، بما في ذلك العراق. التخزين الاستراتيجي هو الخيار الأرخص والأسرع لمواجهة أزمات الممرات المائية المستقبلية. فإغلاق هرمز اليوم يعني أن أي مضيق آخر قد يُغلق غداً.

قد يرى البعض أن الولايات المتحدة ستعرقل هذه التغييرات، لكن الواقع يشير إلى أن واشنطن حققت معظم أهدافها الاستراتيجية من الأزمة الحالية، وقد لا تمانع في استقرار السوق طالما يخدم مصالحها الطويلة الأمد.

الخلاصة: عالم النفط بعد هرمز مختلف تماماً. والسؤال ليس "هل يجب أن يتغير دور ’أوبك+‘؟"، بل "كيف يجب أن يتغير ليبقى مؤثراً وفعالاً في عالم جديد؟".

اقرأ المزيد

المزيد من آراء