ملخص
قاد جود بيلينغهام إنجلترا لانتصار استثنائي على المكسيك في ملعب "أزتيكا" بهدفين وأداء ملهم جمع بين المهارة والروح القتالية، ليؤكد مكانته كنجم يحسم أكبر المواجهات ويشعل أحلام الإنجليز بالمجد العالمي.
قدم جوردان بيكفورد لكمة جديدة أبعد بها واحدة من عدد لا يحصى من الكرات العرضية المكسيكية، وما إن أطلق الحكم الأسترالي صافرة النهاية حتى سقط جود بيلينغهام على أرضية منطقة جزاء إنجلترا احتفالاً بالفوز.
كان منهكاً ومحملاً بالكدمات ومستنزفاً تماماً. وفي بعض الأحيان قد تبدو انفعالات نجم ريال مدريد مبالغاً فيها قليلاً، لكن هذه المرة لم يكن الأمر كذلك.
أجواء "أزتيكا" تصنع واحدة من أكبر الليالي الكروية
كان من المستحيل تجاهل حجم المناسبة، فالمباراة أقيمت على أكثر ملاعب كأس العالم شهرة. ووجدت إنجلترا نفسها في مواجهة أصحاب الأرض المشاركين في استضافة البطولة، داخل حصنهم المنيع تقريباً، ملعب "أزتيكا"، حيث عدت العدو الأول للجماهير. وعلى ارتفاع يبلغ 7200 قدم، لم يكن بيلينغهام يبحث عن التقاط أنفاسه، بل كان قد استنزفها بالكامل.
ولم يرتقِ أحد إلى مستوى الحدث أكثر من لاعب الوسط الهجومي الذي كان أيقونة منتخب إنجلترا، مساء أمس الأحد. ولم يكن الأمر متعلقاً بالهدفين الرائعين اللذين سجلهما وحسب، بل أيضاً بتدخلاته الحاسمة في اللحظات الأخيرة، وقدرته المذهلة على الاحتفاظ بالكرة، وعمله في غير أوقات الاستحواذ، وصرخاته التحفيزية لزملائه، ولمساته السريعة المبهرة.
قبل انطلاق المباراة، وبينما كانت الأمطار تنهمر خلال عمليات الإحماء، التقطت الشاشات العملاقة صورة لبيلينغهام وهو ينظر إلى الأعلى، ثم يمسح جبينه، في لقطة بدت وكأنها تنذر بما سيقدمه طوال الدقائق الـ90. وكانت رسالته واضحة: هذا المسرح خُلق له.
وسواء تعلق الأمر بأول ظهور في "الكلاسيكو"، أو نهائي دوري أبطال أوروبا، أو البطولات الدولية الكبرى، فلا شيء يخرج أفضل ما لدى بيلينغهام، الذي لا يزال في الـ23 من عمره وأصغر لاعب في تاريخ إنجلترا يصل إلى 50 مباراة دولية، مثل أكبر المسارح الكروية.
بدا ملعب "أزتيكا"، وسط الرعد في السماء وهدير الجماهير في المدرجات، أشبه بمناسبة ثقافية تاريخية أكثر من كونه ملعباً لمباراة كرة قدم. وتأجيل البداية لمدة ساعة أضفى مزيداً من الإثارة على المشهد. أما المشهد السائد فكان واضحاً إلى حد الصخب: هتافات مدوية لأصحاب الأرض، وصافرات استهجان لا تقل ضجيجاً في وجه الضيوف.
ثنائية بيلينغهام تقلب موازين المباراة
ويحتاج الأمر إلى بعض التذكير بأن المكسيك كانت الطرف الأفضل خلال أول نصف ساعة. لكن انطلاقة واحدة من ديكلان رايس، تلتها عرضية ساقطة من بوكايو ساكا، ثم ضربة رأس غاطسة من بيلينغهام، وضعت إنجلترا على الطريق الصحيح.
قد يبدو الهدف بسيطاً على الورق، لكن الحركة الخادعة التي قام بها بيلينغهام، عندما أوحى بأنه سيتجه إلى القائم القريب قبل أن يتحرك نحو القائم البعيد، تاركاً المكلف رقابته روبرتو ألفارادو خلفه تماماً، هي التي صنعت الهدف. ولولا تلك الحركة، لوصلت عرضية ساكا إلى مساحة خالية بلا أي مستفيد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعد 98 ثانية فقط، أضاف بيلينغهام هدفه الثاني. حين استعادت إنجلترا الكرة مباشرة بعد ركلة البداية، ليمرر بيلينغهام إلى هاري كين، الذي أعادها إليه بلمسة عكسية متقنة، قبل أن يتفوق مرة أخرى على منافسه في وسط الملعب، المكسيكي العنيد إريك ليرا، وينهي الهجمة بنجاح.
أما آخر لاعب سجل هدفين في مرمى "كابيسيرا نورتي" بملعب "أزتيكا" خلال مباراة لإنجلترا، فكان دييغو مارادونا في 1986.
لمسات حاسمة وأداء متكامل من نجم إنجلترا
وشهدت المباراة أيضاً لقطات فردية أخرى لافتة. من تدخل أنقذ هدفاً محققاً عند القائم البعيد قبيل نهاية الشوط الأول، وانطلاقة مذهلة راوغ خلالها لاعبين في وسط الملعب وهو يدور بالكرة قبل أن يبالغ قليلاً، كما يفعل العظماء أحياناً، ثم محاولة جريئة للتسجيل من منتصف الملعب، بدت غير خطرة في ظاهرها لكنها أجبرت حارس المكسيك راؤول رانخيل على التراجع بسرعة.
وحتى احتفاظه بالكرة لمدة دقيقة كاملة قرب الراية الركنية في الوقت بدل الضائع انتهى بالمشهد المعتاد، إذ أخذ بيلينغهام يشعل حماسة جماهير أصحاب الأرض، وهي حركة يبدو أنها أصبحت أكثر ما يستمتع بفعله خلال هذه البطولة.
شراكة بيلينغهام وكين تنعش حلم إنجلترا
كانت واحدة من أروع مباريات بيلينغهام بقميص إنجلترا في كأس العالم، إذ أدى أداءً فاخراً امتزجت فيه المهارة الاستثنائية بالعزيمة التي لا تلين. ومن الصعب الآن استيعاب أن توماس توخيل استبعده من قائمة المنتخب قبل ثمانية أشهر. ومع استعداد لاعبي إنجلترا للتوجه نحو جماهيرهم للاحتفال بعد صافرة النهاية، اندفع بيلينغهام نحو توخيل، وتبادل الاثنان عناقاً حاراً، بينما أصبحت ذكريات النفور السابق مجرد صفحة بعيدة.
ويملك المدرب الألماني الآن أبرز نجوم إنجلترا، بيلينغهام وكين، وهما يواصلان هز الشباك ويتنافسان باستمرار على تفوق أحدهما على الآخر. وهذه الشراكة هي التي جعلت جماهير إنجلترا، المنتشية بالفرح في مكسيكو سيتي والمتيقظة بحماستها في الوطن، تحلم بأن يكون هذا الصيف موعداً لشيء استثنائي.
© The Independent