Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما واقع الحضور البريطاني في أفريقيا بعد عقد على "بريكست"؟

تتقدم الصين بوتيرة سريعة حيث باتت الشريك التجاري الأول لكثير من دول القارة السمراء

فقدت بريطانيا إمكانية الاستفادة من الاتفاقات التجارية الجماعية التي أبرمتها بروكسل مع الدول الأفريقية بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي (رويترز)

ملخص

لكن بعد مرور عقد من بريكست، يُثير تأثير بريكست في النفوذ البريطاني بأفريقيا جدلاً في لندن حيث يرى كثر أن الأزمات التي تسبب فيها هذا الخروج قادت إلى تقليص حضورها في قارّة تشهد تهافتاً عليها من بين القوى الدولية بصورة غير مسبوقة.

قبل 10 أعوام من الآن، روّجت لندن لمُغادرتها الاتحاد الأوروبي (بريكست) على أنه بداية لمرحلة "بريطانيا العالمية" القائمة على توسيع علاقاتها التجارية والاستراتيجية خارج القارّة العجوز، وكانت أفريقيا إحدى أبرز الساحات التي راهنت عليها آنذاك حكومة ديفيد كاميرون.

لكن بعد مرور عقد من بريكست، يُثير تأثير بريكست في النفوذ البريطاني بأفريقيا جدلاً في لندن حيث يرى كثر أن الأزمات التي تسبب فيها هذا الخروج قادت إلى تقليص حضورها في قارّة تشهد تهافتاً عليها من بين القوى الدولية بصورة غير مسبوقة.

وشهدت الأعوام الماضية تحوّلات سياسية متسارعة في أفريقيا شملت انقلابات عسكرية أطاحت أنظمة متحالفة مع الغرب، مما فاقم التحديات أمام لندن لا سيما أنّ النموذج الديمقراطي بات منبوذاً إلى حدّ كبير في القارة السمراء.

تأثير ضئيل

وبعد انسحابها من الاتّحاد الأوروبي، فقدت بريطانيا إمكانية الاستفادة من الاتفاقات التجارية الجماعية التي أبرمتها بروكسل مع الدول الأفريقية، وهو ما فرض على لندن إعادة تفاوض بصورة منفردة مع تلك الدول.

ويعتقد الباحث السياسي البريطاني، ويليام وارد، أنّ "المعطيات الراهنة تُشير إلى غياب أدلة ملموسة تربط بين تراجع نفوذ بريطانيا وتأثيرها في أفريقيا على مدى العقد الماضي، وبين تداعيات الاستفتاء التاريخي الذي قضى بخروجها من الاتحاد الأوروبي".

وأوضح وارد في حديث خاص أن "غالبية التدخلات الأوروبية في القارة السمراء، سواء قبل عام 2016 أو حتى عام 2020، وهو التاريخ الذي شهد الانسحاب الفعلي للمملكة المتحدة وإنهاء عضويتها النشطة في الاتحاد الأوروبي، كانت تُصاغ في أروقة مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، تحت تأثير النفوذ الفرنكفوني الواسع. لذلك، جاء أثر الانسحاب البريطاني في تلك السياسات محدوداً إلى حد كبير".

واستدرك قائلاً "غير أن التحول الأبرز ارتبط بالمشهد السياسي البريطاني في أعقاب استفتاء عام 2016، إذ غرقت المملكة المتحدة بنقاشات وخلافات سياسية محتدمة حول تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي والقضايا الداخلية، مما أدى إلى تراجع الاهتمام بملف العلاقات مع أفريقيا. وجاء ذلك بعد مرحلة كانت فيها القارة تحظى بمكانة متقدمة في السياسة الخارجية البريطانية، خصوصاً في ما يتعلق بالمستعمرات والمحميات السابقة التي انضمت، عقب استقلالها أواخر خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى منظمة الكومنولث وأصبحت من أبرز أعضائها".

وتُعدّ منظمة الكومنولث إطاراً للتعاون بين بريطانيا و56 دولة مستقلّة من 6 قارات، وتحظى أفريقيا بتمثيل مهم يشمل دولاً مثل كينيا ونيجيريا وغانا وجنوب أفريقيا.

تراجع في المساعدات

واستطرد وارد قائلاً إن "التراجع البريطاني في أفريقيا تجسد فعلياً منذ عام 2020، إذ واجهت المساعدات التنموية الرسمية البريطانية الموجّهة للقارة السمراء خفضات حادة. فبعدما هبطت من 2.985 مليار دولار في عام 2019 إلى 2.610 مليار جنيه استرليني في عام 2020، تتجه المساعدات الثنائية المباشرة للقارة الآن نحو تقليص قياسي يصل إلى 56 في المئة بحلول العامين 2028-2029، مواصلة بذلك نزفاً مستمراً منذ أعوام في الدعم الخارجي المباشر".

ولفت إلى أن "هذا الانكماش في حجم المساعدات، الذي بدأته الحكومة المحافظة السابقة في عام 2021 بخفض النسبة من 0.7 في المئة إلى 0.5 في المئة من إجمال الناتج المحلي، هبطت به حكومة العمال الحالية إلى حد أدنى لم يتجاوز 0.3 في المئة. ويأتي هذا الإجراء مدفوعاً بالحاجة الملحة إلى تعزيز الدفاعات الوطنية البريطانية، في ظل تصاعد أخطار الصراع مع النظام الروسي بقيادة فلاديمير بوتين".

وبيّن وارد أنه على رغم هذا الانكفاء الحكومي، لا يمكن إغفال الدور المحوري والواسع النطاق الذي لا تزال تلعبه المنظمات والجمعيات الخيرية العالمية التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها في أفريقيا، وفي مقدمتها مؤسسات "أوكسفام" و"إنقاذ الطفولة" و"واتر آيد" و"سايت سيفيرز".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إعادة تشكّل

أمنياً، حافظت بريطانيا في أفريقيا على حضور نسبي في عدد من الدول مثل كينيا، وذلك في وقتٍ تتقدم فيه قوى أخرى على هذا الصعيد في القارة. فروسيا تقدم نفسها على أنها بديل للقوى الغربية ككلّ من خلال الدفع بمرتزقة "فاغنر" و"الفيلق الأفريقي" لدعم القوات الحكومية في القارة.

أما تركيا فتروج للطائرات المسيرة مثل "بيرقدار" في قارة لا تهدأ من شدة الاضطرابات. وعلى الصعيد الاقتصادي تتقدم الصين بوتيرة أسرع حيث باتت الشريك التجاري الأول لكثير من الدول الأفريقية وهو ما يطرح سؤالاً: ماذا عن بريطانيا في مرحلة ما بعد بريكست؟

يجيب الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، سلطان ألبان، على السؤال بالقول إن "بريطانيا بعد عقد من بريسكت ليست قوّة آفلة في أفريقيا بقدر ما هي قوة تبحث عن شكلها بين إرث إمبراطوري كبير يتراجع ومحاولة لإعادة التموضع في ساحة مزدوجة بالصين وروسيا وتركيا والفاعلين الإقليميين".

وأردف ألبان في تصريح خاصّ أنّ "النفوذ البريطاني ينكمش تدرجاً في بعض المناطق التقليدية، لكنه يعيد التشكيل في ثلاثة مجالات، أولها الأمن والتمويل والطاقة من دون أن يصل إلى مستوى اختراقات أو جرأة بكين للتضييق على روسيا وتركيا في المسرح العسكري والسياسي".

وذكر أن "خطاب بريطانيا العالمية الذي تبنته لندن بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي قدّم أفريقيا كواحدة من الساحات للتعويض عن فقدان السوق الأوروبية عبر التجارة والأمن، وذلك خلال قمة الاستثمارات البريطانية -الأفريقية التي عقدت في لندن مطلع 2020 بحضور نحو 12 زعيماً أفريقياً وأفرزت صفقات بنحو 8 مليارات دولار أميركي كانت محاولة لخلق صورة الشريك الاستثماري المختار للقارّة. لكن حصيلة الأعوام اللاحقة كانت أقل من الخطاب، إذ تزامن بريكست مع أزمات بنيوية في الداخل البريطاني سواء بسبب كلفة المعيشة أو غيرها، مما قلّص فرص تحويل هذه الرؤية إلى أدوات لبسط لندن نفوذها".

وأكد ألبان أن "الرواية السائدة لانحسار النفوذ البريطاني في أفريقيا، مقارنة بروسيا والصين، صحيحة نسبياً مع تراجع الاستثمار المباشر والقواعد العسكرية والانتشار الميداني المباشر، ومستوى الحضور في ملفات النزاعات والوساطات، فيما صعدت الصين كقوّة استثمارية في البنية التحتية داخل الدول الأفريقية، مستفيدة من مبادرة "الحزام والطريق"، وأدوات مرنة لتعزيز حضورها، فيما تقفز روسيا مباشرة إلى قلب المعادلة الأمنية داخل القارة، من خلال الرهان على شركات الأمن الخاصة، على رغم مواجهتها ضغوطاً في هذا الشأن، وهذا المجال لا يمكن للندن أن تنافس فيه موسكو علناً وبصورة مباشرة، عبر منظومتها الحقوقية الغربية".

وأشار إلى أنه "من حيث البصمة العسكرية، بريطانيا ليست لاعباً فاعلاً في أفريقيا مقارنة بفرنسا والولايات المتحدة، لكنها تستخدم نفوذاً محدوداً في هذا الشأن كرافعة أمنية، وهناك قاعدة ’باتوك‘ في كينيا لتدريب وحدات أفريقية، مع تركيز متزايد على مكافحة الإرهاب في شرق القارة ومع انتشار في جيبوتي والصومال في إطار بعثات أممية وتعاون مع حلفاء لمكافحة القرصنة وتأمين طرق التجارة، وهناك شراكات أمنية ثنائية مثل تلك مع النيجر".

وختم ألبان بالقول إن "النفوذ البريطاني في أفريقيا لا يستند فقط إلى الحضور المادي أو الاقتصادي المباشر، بل يعتمد أيضاً على أدوات مؤثرة في إعادة تشكيل منظومة الاستثمار والتمويل وصياغة الأطر التنظيمية". وأشار إلى أن بورصة لندن تمثل إحدى أبرز هذه الأدوات، إذ تستضيف أكثر من 100 شركة أفريقية، فيما تتجاوز قيمة الاستثمارات المرتبطة بالقارة فيها 160 مليار دولار.

وفي ظلّ تنامي التحديات الأمنية والاقتصادية أمام قارة تزخر بثروات هائلة تتزاحم حولها كثير من القوى الدولية، من غير الواضح ما إذا كانت بريطانيا ستنجح في استعادة مكانتها في أفريقيا.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات