ملخص
تحولت وعود ما بعد "بريكست" في مدينة هيريفورد البريطانية إلى رمز لتعثر المشاريع العامة، بعدما بقيت مدينة غنية بالتراث بلا متحف للمقاطعة ولا مكتبة مستقلة رغم ملايين الجنيهات المخصصة لها. التأخير كشف فجوة بين خطاب "النهوض بالمناطق" وواقع التنفيذ المحلي، وسط خيبة سكان يرون أن الوعود الكبرى انتهت إلى مبان مغلقة ومواعيد مؤجلة.
إلى جوار كاتدرائية هيريفورد الرائعة بطرازها القوطي، ينتصب تمثال برونزي لمن يمكن القول إنه أشهر أبناء المدينة.
يظهر السير إدوارد إلغار، الذي ألّف روائع موسيقية مثل "مقدمة وأليغرو للوتريات" خلال إقامته في المدينة سبعة أعوام، مستنداً إلى دراجته الهوائية من طراز "سانبيم" (Sunbeam)، رافعاً ذقنه ومتأملاً المساحات المصانة المحيطة بالكنيسة الضخمة.
خلفه يمتد شارع سانت جون، حيث توجد ستة مبان في الأقل، مدرجة على قائمة التراث ومتجاورة في مساحة ضيقة، فيما تُعرض على بعد 100 متر، في مركز الزوار، خريطة "مابا موندي" Mappa Mundi، وهي أكبر خريطة من العصور الوسطى في العالم.
في صباح يونيو (حزيران) الماضي المشرق الذي زرنا فيه المدينة، كان عشرات التلاميذ بزيهم المدرسي من "مدرسة كاتدرائية هيريفورد"، سادس أقدم مدرسة في البلاد، يمرون في المكان إلى جانب بضعة سياح مولعين بالتقاط الصور.
لا شك في أن هيريفورد غنية بالتراث، وتطمح إلى أن تصبح "مدينة الثقافة في المملكة المتحدة" عام 2029، لكن تحت السطح يتصاعد شعور بالإحباط، فضمن مدى نظر السير إدوارد أيضاً، يقع مبنى المكتبة والمتحف المشيد على الطراز الموجود في مدينة البندقية، والذي بُني عام 1873 وظل يعرض تاريخ المقاطعة العريق حتى عام 2023، حين أُغلق بعد إعلان خطط لتحويله إلى متحف عالمي المستوى بكلفة 18 مليون جنيه إسترليني.
لكن المشكلة أن أعمال بناء المشروع، المدعوم بـ 5 ملايين جنيه إسترليني من تمويلات ما بعد "بريكست"، التي قدمتها حكومة المحافظين عام 2021، لم تبدأ بعد.
والقصة مشابهة في شأن المكتبة التي كان مقرراً نقلها إلى مركز "مايلورد" للتسوق، ففي عام 2023، وبعد تخصيص 3 ملايين جنيه إسترليني لها من التمويل الحكومي، أدى تغير الحزب الذي يدير المجلس المحلي إلى تعديل الخطة، لتُنقل المكتبة إلى مبنى "شايرهول" المغلق بالألواح بدلاً من مركز "مايلورد"، وفي الوقت الحالي توجد المكتبة في مقرها الموقت الثاني، في الطابق الأرضي من مبنى البلدية.
كان المشروعان ممولين جزئياً من صندوق مخصص لبرامج "النهوض بالمناطق" يعرف باسم "صندوق البلدات"(Towns Fund) ، أعلنه عام 2021 وزير المجتمعات آنذاك، روبرت جينريك، مع منحة لهيريفورد بلغت 22.4 مليون جنيه إسترليني بهدف تعزيز الازدهار والفرص، لكن المدينة التي يزيد عدد سكانها على 60 ألف نسمة، لا تزال حتى الآن بلا مكتبة مستقلة ولا متحف للمقاطعة في وسطها، مع أن هناك متحفاً بطابع يعود لعصر أسرة تيودور الإنجليزية، يديره المجلس المحلي، ويحمل اسم "أولد هاوس هيريفورد".
يقول عضو مجلس المدينة جيريمي ميلن إن "هذا أمر لا يمكن تفسيره ولا تبريره، لقد قوبلت الأموال بترحيب كبير، وسادت حماسة شديدة لما كان سيُقدم، لكن التعقيدات والاضطراب السياسي تركانا نتساءل متى ستنفذ هذه المشاريع".
ويضيف "من المؤسف جداً أن تبقى المدينة كل هذه المدة بلا متحف للمقاطعة، وهذا يعكس تقصيراً في مسؤوليتنا الثقافية عن سرد تاريخ مقاطعتنا، ولم ننجح حتى الآن في إنجاز مشاريعنا الرئيسة البارزة".
ودافعت مجموعة "سترونغر هيريفورد" Stronger Hereford)) التي تدير التمويل عن التأخير قائلة إن المشاريع معقدة وتضررت من ارتفاع الكُلف، وأشارت رئيستها أبيغيل آبلتون أيضاً إلى مشاريع أخرى مولها البرنامج ونُفذت بالفعل، بينها ملعب كرة قدم بعشب اصطناعي من الجيل الثالث، وجناح أُعيد تأهيله على ضفة نهر واي، ومشروع حديقة إنتاجية مجتمعية باسم "غرو لوكال" (Grow Local)، ومع ذلك تبقى المكتبة ومتحف المقاطعة مصدر تذمر في وسط المدينة.
يمثل هذا الوضع خيبة إضافية لمن أيدوا "بريكست"، إذ كان يفترض بأموال "صندوق البلدات" التي وُزعت منها 3.6 مليار جنيه إسترليني في أنحاء البلاد، أن تحدث تغييراً في البلدات والمدن الأقل ازدهاراً، بعد توقيع اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وفي هيريفوردشاير، صوّت 59 في المئة من السكان لمصلحة الخروج في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل 10 أعوام، ويقول إيان بريسكوت "لا أعرف لماذا أغرقونا بكل تلك الوعود"، ويرى بريسكوت (64 سنة) أن ما تقدمه المكتبة اليوم بات "ضئيلاً للغاية"، وأن المدينة "وضعت العراقيل في طريقها بنفسها"، بعدما بقيت من دون متحف المقاطعة الذي كان مخططاً له.
ويضيف "قيل الكثير عن 'بريكست' والفوائد التي سيجلبها، والأموال الإضافية التي سنحصل عليها، ثم جاءت الإعلانات عن مكتبة ومتحف جديدين وبراقين هنا في هيريفورد، لكنك لا ترى أي أعمال تجري حتى الآن، أليس كذلك؟"
ويتابع بريسكوت "لست متأكداً إن كانت المسؤولية تقع على الحكومة أم على القادة المحليين، لكن ما أستطيع قوله إنني لم أصوت في المرة السابقة، ولو أتيحت لي الفرصة مرة أخرى لصوتّ لمصلحة البقاء".
ويقول مارتن غرانت (64 سنة)، والذي لا يزال يعمل بصورة محدودة بعد تقاعده، إن "ما حدث للمكتبة والمتحف يسير على النهج نفسه الذي طبع 'بريكست'، فقد خُدع الناخبون، وها هم يستفيقون الآن على حقيقة أنهم أصبحوا أكثر إهمالاً، على رغم تعهدات وستمنستر".
وكانت ترايسي موريس (62 سنة)، وهي عاملة تنظيف، تصطحب أحفادها إلى المتحف والمكتبة قبل إغلاقهما، وتقول "لقد طال إغلاقهما إلى حد يجعلك تفقد الأمل، كما حدث مع كثير من الأشياء التي وُعدنا بها".
ولا تبدو قصة هيريفورد استثناء، ففي عام 2023 خلُص "مكتب التدقيق الوطني"، وهو هيئة مستقلة تراقب الإنفاق العام، إلى أن التضخم ونقص المهارات ومشكلات البناء أسهمت في عجز السلطات المحلية عن إنجاز مشاريع ممولة ضمن برامج "النهوض بالمناطق"، وخلُص تقييم حكومي لمشاريع "صندوق البلدات" إلى أن الأموال المخصصة عُدت غير كافية لتغطية كلفة إدارة هذه المشاريع وتنفيذها، ورداً على ذلك مُددت المهلة المحددة لإنفاق الأموال من عام 2027 إلى 2028.
ومما يثير القلق أن اجتماعاً محلياً لمجلس إدارة "سترونغر هيريفورد" صنّف مشروعي المتحف والمكتبة ضمن المشاريع عالية الأخطار، مع تحذير من أنه "لا توجد في هذه المرحلة أية مؤشرات إلى الحجم النهائي للعجز المتوقع في الموازنة، أو إلى الجدول الزمني اللازم لمعالجته".
وبحسب موقع "سترونغر هيريفورد"، ستُفتتح المكتبة الجديدة نهاية هذا العام، أما "مجموعة دعم خدمة متاحف هيريفورد" فقالت إن التقدير الحالي لإعادة افتتاح المتحف هو عام 2027.
وفي حديثها إلى "اندبندنت"، تقول آبلتون إنها واثقة من أن المشاريع ستمضي قدماً، داعية المحبطين في المدينة إلى "التحلي بالإصرار حتى ترى هذه المشاريع النور"، وترفض في الوقت نفسه أن يحجب ذلك نجاح تدخل "صندوق البلدات"، الذي شهد حتى الآن افتتاح مركز جديد للمهارات الرقمية ومساراً للدراجات.
وذهبت أموال أيضاً إلى أسطول من حافلات "زيبر" الكهربائية التي تواجه الآن مستقبلاً غامضاً مع نفاد التمويل، على رغم شعبيتها في المدينة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن أصل 22.4 مليون جنيه إسترليني مُنحت لهيريفورد من "صندوق البلدات"، خُصص 15 مليون جنيه إسترليني لمشاريع محددة، مع حصول بعض هذه المشاريع أيضاً على تمويل من مصادر أخرى.
وفي جناح "كاسل غرين"(Castle Green) الذي أُعيد تأهيله، ويضم الآن مطعماً ومنصة مطلة على نهر واي بتمويل من "اتفاق البلدات" (Towns Deal)، يقول رئيس المجموعة التي تدير الجناح بادي نوغنت "أعرف أن مشكلات ظهرت في المشاريع الأكثر تعقيداً، لكن من وجهة نظرنا كانت التجربة ناجحة".
وتقول آبلتون إنها تشعر بالفخر بالطريقة التي تعاونت بها مجموعات المدينة لإنفاق الأموال على مشاريع زادت الفرص في التعليم والرياضة والثقافة.
وتضيف "نعم واجه اثنان من مشاريعنا الرئيسة تحديات أكبر من غيرهما، بينها ارتفاع الكُلف وتعقيدات البناء، وهذا ليس أمراً غير معتاد في هذا القطاع في أي وقت، وكذلك واجهنا أيضاً آثار الأحداث العالمية. إنها مشاريع معقدة وطموحة في مبان تاريخية بارزة".
من جهته، يقول عضو مجلس هيريفوردشاير المسؤول عن الخدمات المجتمعية والأصول، المستشار هاري بريمر، إن مشروعي المتحف والمكتبة "كبيران ومعقدان"، وإن العمل جار لاستكمال التصاميم وإعداد تقديرات الكلفة.
ويضيف "كما هي الحال مع أي مشاريع كبرى ممولة من القطاع العام، تخضع هذه المشاريع لمراجعة مستمرة لمراقبة الكلفة والجداول الزمنية والموارد وتوقعها، بما يراعي مصلحة دافعي الضرائب".
وبالعودة لتمثال السير إدوارد، يتساءل المرء عما كان سيقوله هذا المؤلف العظيم الذي غلب على أشهر أعماله الحس الوطني والطابع الاحتفالي الرسمي، لو رأى فقدان أحد كنوز المدينة الثقافية، ولا سيما بعد اكتشاف "كنز هيريفوردشاير"، المعار حالياً إلى مركز "جورفيك فايكنغ" في يورك.
وقد يتساءل المرء أيضاً عما كان سيراه من تراجع مكانة بريطانيا على المسرح العالمي، خصوصاً بعد "بريكست"، قياساً إلى عصر الإمبراطورية الذي كان يعشقه.
© The Independent