ملخص
حققت الأسهم الأميركية أقوى مكاسب فصلية منذ عام 2020، على رغم خسائر التكنولوجيا الكبرى، وسط مخاوف متصاعدة من فقاعة الذكاء الاصطناعي والتمويل المرتفع.
على رغم عمليات البيع للأسهم في يونيو (حزيران) الماضي، والتي جعلت مؤشرات الأسهم الرئيسة تتراجع لحد ما، أنهت الأسواق الأميركية الربع الثاني من عام 2026 على ارتفاع غير مسبوق خلال خمسة أعوام، بحسب تحليل للبيانات نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، وحقق مؤشر "إس أند بي 500" القياسي، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو الماضي، ارتفاعاً بـ 14.9 في المئة، بينما حقق مؤشر "ناسداك" لشركات التكنولوجيا ارتفاعاً في تلك الفترة بـ 21.4 في المئة، وهو أكبر ارتفاع في الربع الثاني من أي عام منذ 2020,
جاء ذلك على رغم تراجع مؤشر "إس أند بي 500" بنسبة 1.1 في المئة خلال يونيو الماضي، وتراجع مؤشر "ناسداك" 2.8 في المئة الشهر الماضي، نتيجة هبوط أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي، إذ من الواضح أن الأسواق هدأت إلى حد ما بعد أسابيع من حمى بيع الأسهم، وعادت للتعامل على أساس الأصول التقليدية، مثل بيانات الاقتصادات الكبرى وأرباح الشركات.
وحتى في موجة البيع خلال الأسابيع الماضية، تشير الأرقام والبيانات وتحليلات حركة الأسواق إلى أن عمليات بيع الأسهم لم تكن خروجاً من السوق، بقدر ما كانت تحولاً للمستثمرين من قطاع إلى آخر، أو حتى من مجموعة شركات إلى أخرى داخل القطاع ذاته، ففي مقابل التخلص من أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، المسماة "السبع الكبار"، كان هناك إقبال على أسهم شركات أشباه الموصلات وشركات القطاع الصحي.
خسائر السبع الكبار
بحسب بيانات شركة "ألفا سبيس" ومجموعة "نومورا" الاستثمارية، فقد خسرت الشركات السبع الكبار، إضافة إلى شركتي "برود كوم" و"أوراكل"، ما يصل إلى 2.7 تريليون دولار من قيمتها السوقية الشهر الماضي.
أما الشركات السبع فهي "إنفيديا" و"مايكروسوفت" و"ألفابت" المالكة لشركة "غوغل" و"أمازون" و"أبل" و"تيسلا"، وهي الشركات التي تقود قطاع الذكاء الاصطناعي، بينما تعمل "برود كوم" و"أوراكل" في توفير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
لكن عمليات البيع الهائلة لأسهم تلك الشركات قابلها شراء لأسهم شركات تكنولوجيا أخرى، تعمل في قطاع أشباه الموصلات، الذي يدعم قطاع الذكاء الاصطناعي، ويقول الإستراتيجي في مجال تبادل الأصول بشركة "نومورا" المالية، تشارلي مكليغوت، إن الشركات التي أقبل المستثمرون على شراء أسهمها تستفيد من الإنفاق الهائل للسبع الكبار على قطاع الذكاء الاصطناعي، ومعظم عائداتها تأتي من مبيعاتها للسبع الكبار، ولذلك لم يكن التراجع الشهري لمؤشرات الأسهم كبيراً في المتوسط، خصوصاً أن المستثمرين يتوقعون موسم إفصاح مالي للربع الثاني من الشركات، يظهر زيادة في العائدات والأرباح، غالباً في قطاعي الطاقة والرعاية الصحية، وكذلك فإن بيانات الاقتصاد الكلي ليست سيئة تماماً، وهو ما يعني أن مخاوف الركود الاقتصادي لم تعد قوية، فمثلاً أظهرت أحدث بيانات التضخم في منطقة اليورو تراجعاً واضحاً إلى 2.8 في المئة، وعلى رغم أن أكبر اقتصاد في العالم، الولايات المتحدة، لم يضف وظائف الشهر الماضي أكثر من مايو (أيار) السابق، فإن سوق العمل الأميركية لا تزال في وضع جيد، ومعدلات البطالة لا تزال منخفضة إلى حد ما.
مخاوف الذكاء الاصطناعي
ولا يعني ذلك أن المخاوف من مستقبل قطاع الذكاء الاصطناعي ليست حقيقية، أو أنها تراجعت تماماً، فالمخاوف هنا ليست متعلقة بالتكنولوجيا ذاتها، التي تتطور وستواصل التطور باستمرار، وإنما في شأن الوضع المالي والسوقي لشركات القطاع الكبرى، فقد حذر "بنك التسويات الدولية"، والذي يوصف بأنه البنك المركزي العالمي للبنوك المركزية، من الإنفاق الهائل على تطوير الذكاء الاصطناعي، والممول بالاقتراض، لأنه يزيد أخطار انهيار مالي عالمي، مثل الذي حدث قبل عقدين خلال الأزمة المالية العالمية.
ووصف البنك، كما نقلت صحيفة "ديلي تلغراف"، حجم الاقتراض لتمويل الذكاء الاصطناعي بأنه "يزيد من تعقيد مشكلات المخاطرة نتيجة عدم الشفافية"، محذراً من شبكة معقدة للتعاملات المالية بين شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، وما يسمى "بنوك الظل" أو الائتمان الخاص غير المصرفي، وعمليات بناء مراكز البيانات الكبرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يأتي تحذير "بنك التسويات الدولية" وسط زيادة المخاوف من انفجار فقاعة قطاع الذكاء الاصطناعي، وهو ما "يعرض الاستقرار المالي العالمي للخطر"، مضيفاً أنه "إذا تباطأت أو توقفت إضافة الشركات الكبرى في القطاع لرأس المال بالصورة الكبيرة التي تفعلها الآن، فإن عدداً كبيراً من المقترضين في سلسلة الإمداد والتمويل سيعانون لتعويض العائدات وخدمة ديونهم".
ويقول المدير العام لـ "بنك التسويات الدولية"، بابلو هرنانديز دي كوس، إن هناك علامة استفهام كبيرة حول مسألة ما إذا كان رواج قطاع الذكاء الاصطناعي سيفيد الاقتصاد ككل، مضيفاً أن "أحد الأخطار يكمن في أن الاستثمار الهائل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وصل إلى مستويات كبيرة جداً، وتسعى كل شركة للتفوق على منافسيها والهيمنة على النصيب الأكبر من السوق، وكل ذلك يجعل القطاع في غاية الهشاشة، خصوصاً إذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي النتائج المرجوة، وإذا انهارت معدلات الاستثمار الحالية فيه فستكون لذلك تبعات كبيرة على الاقتصاد الكلي".
فقاعة أم لا؟
يعزز كل ذلك حجة من يقولون إن قطاع الذكاء الاصطناعي يشهد فقاعة، سواء بالمغالاة في الأصول، أي تقييم أسهم الشركات بأعلى كثيراً من القيمة الحقيقية للشركات، أو بغليان الائتمان، أي الاقتراض الهائل عبر أدوات دين مختلفة بعضها غير شفاف، لكن السوق والمحللين لا يزالون مختلفين في شأن حدوث فقاعة في القطاع.
وبحسب تحليل الأسبوع الماضي لوكالة الصحافة الفرنسية، فهناك انقسام بين الاقتصاديين والمعلقين حول قطاع الذكاء الاصطناعي، إذ يقول أستاذ المالية في جامعة "بنسلفانيا"، إيتاي غولدشتاين، إن "هناك مؤشرات كثيرة على أننا في حال فقاعة، ومن الواضح أن هناك مبالغة في تقييم الأسعار"، ويستند ذلك الرأي إلى حقيقة أن أكبر خمس شركات تكنولوجية في "وول ستريت" تصل قيمتها السوقية إلى 18 تريليون دولار، أي ما يساوي الناتج المحلي الإجمالي لثاني أكبر اقتصاد في العالم وهي الصين.
وهناك من يرى أن المغالاة في قيمة الأصول مشكلة السوق ككل، وليس قطاع الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الكبرى وحسب، وبالتالي يستبعد هؤلاء وجود فقاعة ذكاء اصطناعي، وبحسب ما يقوله مدير الاستثمار في شركة "براندز إنفستمنت بارتنرز"، برنت فردبيرغ، فإن "حجم الدين الذي يجري اقتراضه لا يزال معقولاً إلى حد كبير.
لكن المشكلة تكمن فيما يسمى "التمويل الدوار"، بمعنى أن تستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى في شركات ذكاء اصطناعي ناشئة، على أن تستخدم تلك الشركات هذا التمويل الاستثماري لشراء منتجات الشركات الكبرى المستثمرة فيها، وذلك ما يمكن أن يقود إلى مشكلات كبرى في ما بعد، وفق فردبيرغ، وفي المحصلة تبدو بيانات الأسواق للربع الثاني مؤشراً على أن ما يحدث في شأن أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تقود قطاع الذكاء الاصطناعي، أقرب إلى التصحيح منه إلى بداية انفجار فقاعة، وعودة الأسواق للتحرك على أساس مؤشرات الاقتصاد الحقيقي، تدل على أن ما حدث الشهر الماضي كان مجرد موجة، وليست بالضرورة شرارة هبوط قوي، إضافة إلى أن عدم خروج المستثمرين من السوق بكثافة يؤكد استمرار الثقة في السوق بعامة، وفي قطاع الذكاء الاصطناعي بخاصة، حتى على رغم تحول تريليونات الدولارات من الشركات الكبرى إلى شركات تكنولوجيا أخرى.