ملخص
كشفت مصادر دبلوماسية في واشنطن أن آلية التنسيق الخاصة بالاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل ستتخذ من مدينة "لانغلي" مقراً لها، وهي المعروفة عالمياً باعتبارها المقر الفعلي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي أي" ولن يكون لآلية التنسيق قوات على الأرض
تعكس الأجواء السائدة في الأوساط الرسمية اللبنانية، لا سيما ما يتداول من مواقف رئاسة الجمهورية، أن قطار "اتفاق الإطار" الموقع مع إسرائيل برعاية أميركية في 26 يونيو (حزيران) الماضي قد انطلق فعلياً من محطة التوقيع نحو محطة التنفيذ، وأن المرحلة الميدانية باتت على الأبواب.
وفي دلالة بالغة على جدية واشنطن في رعاية هذا الاتفاق ودفعه إلى الأمام، جاءت زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إلى بيروت، قادماً من تل أبيب، لتجسد الانتقال الفعلي من مرحلة التوقيع إلى مرحلة فرض التنفيذ. وقد كرست هذه الزيارة تحولاً نوعياً في مسار الملف اللبناني-الإسرائيلي، إذ انتقل من دائرة التفاهمات السياسية والتقنية إلى رسم آليات التطبيق الميداني وتثبيت أطره العملية.
ويستوقف المراقبين ما تؤكده واشنطن من أن مساعي ربط الملف اللبناني بالمسار التفاوضي الإيراني، سواء عبر لجنة ثلاثية أو في إطار إقليمي رباعي، قد سقطت نهائياً بعدما دخل اتفاق الإطار حيز التنفيذ. وتفيد المصادر الدبلوماسية في واشنطن بأن اللجنة الثلاثية التي اقترحتها طهران، والتي كانت تضم لبنان وأميركا وإيران بهدف متابعة وقف إطلاق النار، لم يعد لها دور يذكر في المشهد الراهن. والجدير بالذكر أن إيران كانت قد رشحت سفيرها محمد رضا رؤوف شيباني، الذي أعلنت الدولة اللبنانية سابقاً اعتباره "شخصاً غير مرغوب فيه"، ممثلاً لها في تلك اللجنة، فيما لم يكن لبنان قد اقترح اسماً من جانبه بعد.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن لبنان لم يحظ في تاريخه الحديث بهذا المستوى من الاهتمام المباشر على طاولة البيت الأبيض. فوفقاً للمعطيات المتاحة، بات الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع الملف اللبناني بصورة شبه يومية، مدفوعاً بهاجس استراتيجي محدد وهو ألا يتحول لبنان إلى ورقة ضغط أو بؤرة توتر تقوض التفاهم النووي الذي يسعى لإبرامه مع إيران. ومن هذا القلق بالذات ولدت فكرة "المناطق التجريبية"، والرهان الأميركي الأكبر على تحويل وقف إطلاق النار إلى ترتيب أمني دائم.
المناطق التجريبية في نظرة أميركية
الفكرة في جوهرها بسيطة في صياغتها، إنما معقدة في تنفيذها.
أولى خطواتها تحديد مناطق جغرافية في جنوب لبنان تنسحب منها قوات الجيش الإسرائيلي تدريجاً، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وبسط سيطرته الفعلية على الأرض. ومن منظور الولايات المتحدة الأميركية سيكون التنفيذ الناجح للمناطق التجريبية أمراً حاسماً. وما يميز هذه المناطق أنها ستعامل بوصفها "مناطق حظر إطلاق نار"، أي إنها ستكون مشمولة بضمانة أمنية إسرائيلية صريحة، وهو ما يكشف بوضوح أن الانسحاب الإسرائيلي لن يكون مجانياً ولا مفتوحاً.
والأهم في هذه المعادلة أن المنهجية المعتمدة ليست القفز نحو حل شامل، بل البدء من "المناطق السهلة"، أي المناطق التي يكون فيها حضور "حزب الله" أقل كثافة، على أن يتم توسيع الرقعة تدريجاً بحسب نجاح كل مرحلة، وهي ما يعدها متخصصون بالشؤون الأميركية بأنها استراتيجية الخطوة خطوة، التي يفضلها الأميركيون حين يخشون فشل الصفقة الكبرى.
آلية تشغيلية
خلال المفاوضات العسكرية المباشرة تم تحديد أولى المناطق التجريبية، التي شملت زوطر الغربية (قضاء النبطية)، وفرون (قضاء بنت جبيل). ولم تكتف واشنطن بطرح الفكرة، بل أفرزت لها آلية تشغيلية متكاملة تحمل اسم "CVHB" وهو مختصر لمسارClear,Verify,Hold,Build الذي يعني التطهير والتحقق والتثبيت وإعادة الإعمار، من ضمن ملحق أمني بقيت تفاصيله الكاملة غير معلنة.
وبحسب ما كشفت مصادر دبلوماسية بشكل خاص لـ"اندبندنت عربية" وما تم تداوله في بعض وسائل الاعلام فإن آلية التشغيل تقوم على أربع ركائز متتالية، التطهير أي إزالة أسلحة "حزب الله" من المنطقة، ثم التحقق عبر جهة خارجية مستقلة، ثم التثبيت لمنع عودة التنظيم، وأخيراً البناء الاقتصادي والإعماري. وتؤكد المصادر أن الترتيب هنا ليس اعتباطياً، فكل ركيزة شرط لما يليها، وهو ما يجعل الفشل في أي حلقة انهياراً للسلسلة بأكملها.
المقر في مدينة لانغلي
تشير المصادر إلى أن الاعتراف الأميركي الأكثر إفصاحاً في هذا الملف هو إقرار واشنطن بأن آلية التنسيق التي عرفت بـ"الميكانيزم" التي أرسيت في اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 لم تؤد الغرض المطلوب منها.
ولذلك، فإن البحث بدأ على إنشاء آلية ثلاثية جديدة تحت مسمى "مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان (MCG4L)"، تترأسها القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" بمشاركة الجيش اللبناني والقيادة الشمالية الإسرائيلية.
وكشفت مصادر دبلوماسية أن آلية التنسيق ستتخذ من مدينة "لانغلي" في ولاية فيرجينيا مقراً لها، وهي المعروفة عالمياً باعتبارها المقر الفعلي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي أي" ولن يكون لها قوات على الأرض، وهو خيار يعكس حرص واشنطن على الإمساك بالملف من دون الانزلاق إلى تورط مباشر. وتؤكد مصادر في وزارة الخارجية الأميركية أن الهدف المعلن من هذه الآلية هو تجاوز مفهوم "منع الاحتكاك" بين جيشين لا يثقان ببعضهما، نحو تنسيق حقيقي وفعال.
وتكشف المصادر الدبلوماسية أن المهمة الأولى لـ"مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان" ستكون تحديد أهداف ملموسة، لا سيما في ما يتعلق بكيفية تعريف نزع السلاح وكيفية التحقق منه. ولدى الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي حالياً تعريفات مختلفة، ولا تستبعد المصادر أن يتطلب العمل الميداني تشريعاً جديداً لمنح الجيش اللبناني السلطة القانونية لتفتيش الممتلكات الخاصة. كما يجب أن تتفق آلية التنسيق على اختيار طرف ثالث لإجراء التحقق المستقل من عملية نزع السلاح، ومن المرجح أن تكون أميركا، لأن تجربة اتفاق وقف الأعمال العدائية عام 2024 أظهرت أنه لا يمكن الاعتماد فقط على تصريحات الجيش اللبناني خصوصاً أن الثقة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي هي تحت الصفر على حد التوصيف الأميركي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عن الملحق الأمني
ويكشف ما تسرب من الملحق الأمني السري أن "الاتفاق الإطاري" المعلن لا يحمل في جوهره التزامات متبادلة متكافئة بقدر ما يرسي آلية تنفيذية تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً من حرية التقدير الميداني، مقابل التزامات لبنانية أكثر تحديداً ووضوحاً في الشق المتعلق بنزع السلاح.
أما أبرز النقاط التي يتضمنها فهي أن يتم تحديد منطقتين تجريبيتين (أشير إليهما لاحقاً بزوطر الغربية وفرون) حيث يبدأ انسحاب إسرائيلي محدود مقابل انتشار الجيش اللبناني فيهما، ضمن النموذج الرباعي المراحل لنزع سلاح الجماعات غير النظامية، يقابله انسحاب إسرائيلي تدريجي ومرحلي تحت إشراف آلية تنسيق عسكرية مشتركة.
ويلتزم الجيش اللبناني بعدها باتخاذ التدابير العملياتية اللازمة لضمان نزع سلاح "حزب الله" وجميع الجماعات المسلحة الأخرى غير التابعة للدولة داخل المنطقة التجريبية المحددة، وضمان عدم امتلاكها أي دور أو قدرة عسكرية داخل لبنان. ورهناً بالاستكمال الناجح لعملية متفق عليها وقابلة للتحقق لنزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية، تلتزم إسرائيل بتنفيذ خفض تدريجي لقواتها وإعادة انتشارها بصورة مرحلية، وفقاً للظروف، وصولاً إلى الانسحاب النهائي، عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان.
لكن بحسب تسريبات إسرائيلية، لا يتضمن الملحق جدولاً زمنياً واضحاً لنزع سلاح "حزب الله" أو للانسحاب الإسرائيلي، ولا يحدد بدقة المناطق التي ستنفذ فيها الخطوات الأولى. أما البند الأكثر إثارة للجدل فهو الذي يمنح الجيش الإسرائيلي حق الاحتفاظ بحرية العمل ضد أي تهديدات فورية أو ناشئة داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، وهو بند تعده إسرائيل مطلباً أساساً.
التحديات والعقد
يقر كثيرون بأن اتفاق الإطار لا يمثل نهاية الأزمة اللبنانية، ولا يحمل ضمانة أكيدة للخروج منها، غير أنه يظل إطاراً يمنح الدولة فرصة حقيقية لاستعادة دورها وإعادة بناء مؤسساتها. بيد أن نجاحه يبقى رهيناً بثلاثة شروط متلازمة لا يغني أحدها عن الآخر، أولاً التزام إسرائيل ببنود الاتفاق، ثانياً قدرة الدولة اللبنانية على الوفاء بمسؤولياتها، وثالثاً استمرار الزخم الدولي ودعمه بمعزل عن تقلبات المشهد السياسي.
وتتصدر قائمة التعقيدات التي تخيم على مسار التنفيذ إشكالية جوهرية تتعلق بتعريف مفهوم "نزع السلاح" ذاته، إذ يحمل الجيشان اللبناني والإسرائيلي تصورين متباينين جذرياً لهذا المفهوم، مما يجعل أي اتفاق مكتوب عرضة للتأويلات المتضاربة حين يصطدم بحقائق الميدان.
وفي السياق ذاته، يرصد المراقبون ثلاثة تحديات جوهرية تتشابك وتتداخل في ما بينها.
يتمثل التحدي الأول في الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة تحت ذرائع أمنية، التي تنخر تدريجاً في جدار الثقة بالاتفاق، وتضع الدولة اللبنانية في موقف العاجز عن صون التفاهمات التي وضعت توقيعها عليها.
أما التحدي الثاني فيتمحور حول الداخل اللبناني، حيث يبقى المشهد مرشحاً للاصطدام بمساعي "حزب الله" لعرقلة أي مسعى لحصر السلاح بيد الدولة، مدفوعاً برغبة إيرانية راسخة في الإبقاء على "الورقة اللبنانية" أداة للتفاوض والمناورة الإقليمية.
وأخيراً يكمن التحدي الثالث في القدرة الفعلية للدولة اللبنانية نفسها، إذ يطلب من الجيش الانتشار وبسط السيطرة، ومن الإدارة توفير الموارد اللازمة، ومن القيادة السياسية صون الإجماع الداخلي والحفاظ عليه، وذلك في وقت تئن فيه المؤسسات جميعها تحت وطأة ضغوط مالية وإدارية غير مسبوقة.