ملخص
تفجرت القضية عند اتهام بارون المخدرات أحمد بن إبراهيم المعروف بـ"إسكوبار الصحراء" القياديين الحزبيين بالاستيلاء على عقار في ملكيته بمدينة الدار البيضاء، وبمساعدته في نقل المخدرات من المغرب باتجاه دول شمال أفريقيا والساحل منذ عام 2013.
أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قرارها فيما يعرف إعلامياً بقضية "إسكوبار الصحراء" التي انطلقت قبل عامين، وشغلت الرأي العام لوجود قياديين حزبيين ضمن المتهمين الـ28 بالتزوير والاتجار الدولي بالمخدرات.
وقد صدر حكم إدانة في حق كل من القياديين السابقين في حزب الأصالة والمعاصرة البرلماني السابق سعيد الناصري الذي شغل منصب رئيس مجلس عمالة الدار البيضاء ورئيس لفريق الوداد الرياضي، والنائب البرلماني السابق عبدالنبي البعيوي صاحب شركة ضخمة للأشغال العمومية، شغل منصب رئيس جهة الشرق، وحُكم على الأول بـ10 سنوات حبساً، والثاني بـ12 سنة.
تفجرت القضية عند اتهام بارون المخدرات أحمد بن إبراهيم المعروف بـ"إسكوبار الصحراء" القياديين الحزبيين بالاستيلاء على عقار في ملكيته بمدينة الدار البيضاء، وبمساعدته في نقل المخدرات من المغرب باتجاه دول شمال أفريقيا والساحل منذ عام 2013. ويعد ابن إبراهيم المالي الجنسية (من أب مالي وأم مغربية)، من أهم مهربي المخدرات في المنطقة، يقضي عقوبة سجنية في المغرب إثر اتهامه بالاتجار الدولي بالمخدرات وحكم عليه بـ10 سنوات حبساً عام 2019. من جانبه اكتفى حزب الأصالة والمعاصرة، بعد توالي المتابعات الجنائية لمنتسبيه، بإصدار بيان في وقت سابق أوضح فيه أن "مناصري الحزب لا يتوفرون على أي امتياز، وأنهم يظلون قبل كل شيء مواطنين يتمتعون بالحقوق نفسها وأداء الواجبات نفسها، أسوة بباقي المواطنين، وهو ما يقدم دليلاً آخر على أن الحزب ليس ملاذاً لأحد، ولا يقدم أي حماية ضد مقتضيات القانون ونفاذه".
تهديد جديد
أظهرت قضية "إسكوبار الصحراء" وجود تهديد خطر على المشهد السياسي المغربي من الداخل، مرتبط باختراق المؤسسات السياسية من طرف شبكات إجرامية، عملت على استغلال الفساد الموجود في بعض الأحزاب للوصول إلى مناصب القرار. وفي هذا الشأن، يوضح المحلل السياسي هشام معتضد أنه لا يجب اعتبار هذه القضية ملفاً جنائياً مرتبطاً بالاتجار الدولي بالمخدرات فحسب، بل كاختبار صلب للهندسة السياسية والأمنية للدولة المغربية، مشيراً إلى أن "الرسالة الأساسية من منظور الدولة العميقة وآليات الضبط الاستراتيجي مفادها أن الأمر لا يتعلق فقط بمعاقبة أفراد، بل بتوجيه إشارة واضحة أن النظام السياسي يملك القدرة على عزل التهديدات الهجينة التي تتشكل عند تقاطع المال غير المشروع والنفوذ الانتخابي والقدرة على اختراق المؤسسات".
من ناحية أخرى، يؤكد المحلل السياسي أن "تلك القضية تكشف عن تحول في طبيعة التهديدات الأمنية في المغرب، لكون المقاربة الأمنية كانت تركز سابقاً على الإرهاب أو الجريمة المنظمة كمسارات منفصلة، لكن التحدي أصبح حالياً شبكياً، أي إن صاحب التهديد لم يعد يحمل فقط سلاحاً أو شحنة مخدرات، بل قد يرتدي ربطة عنق، يدخل البرلمان، ويمارس الشرعية الانتخابية". وأضاف أنها نقطة مفصلية، لأنها تعني أن الدولة أصبحت أكثر وعياً بما يسمى في الأدبيات الأمنية criminal-political convergence، أي اندماج الاقتصاد الأسود مع السلطة المحلية والحزبية، وأن الضرر رمزي وبنيوي معاً بالنسبة إلى الأحزاب، لأنه يعيد طرح سؤال آليات الانتقاء الداخلي ومعايير صناعة النخب.
الزواج الفاسد للمال والسلطة
يعد تداخل النفوذ الاقتصادي مع السلطة السياسية، أو ما يعرف محلياً بـ"زواج المال والسلطة"، من أبرز العوامل التي تسهم في ترسيخ الفساد داخل المشهد السياسي المغربي. وقد شكلت الدعوة إلى الحد من هذه الظاهرة أحد المطالب الرئيسة التي رفعتها الاحتجاجات الشعبية منذ انطلاق "حركة 20 فبراير" (شباط) عام 2011. إلا أن استمرار انتشار الفساد داخل عدد كبير من الأحزاب السياسية أسهم في تكريس هذا الواقع. وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي عصام لعروسي أن تنامي نفوذ أشخاص داخل الأحزاب لمجرد امتلاكهم الثروة يعكس حجم الاختلالات التي تعانيها هذه المؤسسات، لافتاً إلى أن بعض هذه الثروات قد تكون جُمعت بوسائل غير مشروعة، من بينها الاتجار بالمخدرات. ويرى أن وصول مثل هؤلاء إلى مواقع صنع القرار، بما يخولهم التأثير في شؤون الجهات والجماعات والأقاليم وإدارة مؤسسات حيوية، يدل على هيمنة اعتبارات المال والنفوذ على حساب الكفاءة والاستحقاق، مما يضعف تمثيل المواطنين ويؤثر سلباً في جودة الحياة السياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤكد المحلل السياسي أن الأحزاب السياسية أدت دوراً في تكريس هذا الواقع من خلال فتح المجال أمام أصحاب الثروات والنفوذ المالي للتموقع داخل هياكلها، وهو ما انعكس، بحسب تقديره، في تداعيات ما عرف بـ"قضية إسكوبار الصحراء"، التي كشفت عن اختلالات بنيوية في أداء هذه المؤسسات. ويرى أن تركيز الأحزاب على استقطاب أصحاب المال جاء على حساب الكفاءات السياسية القادرة على بلورة مشاريع إصلاحية وتقديم رؤى من شأنها الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة. كذلك يبين أن بعض المنخرطين في العمل السياسي لا ينظرون إلى المناصب العامة باعتبارها وسيلة لخدمة المصلحة العامة، وإنما يوظفونها لتحقيق مكاسب شخصية، من خلال توسيع أنشطتهم الاقتصادية وتعزيز ثرواتهم بوسائل غير مشروعة. ويضيف أن تعدد المتابعات الجنائية التي تطاول عدداً من أعضاء مجلسي البرلمان يعد، في نظره، مؤشراً إلى حجم الإشكالات التي باتت تواجهها الأحزاب في ما يتعلق باختيار مرشحيها وتدبير شؤونها الداخلية.
فقدان الثقة
تشهد الحياة السياسية منذ عقود تراجعاً ملحوظاً في مستوى المشاركة السياسية، في ظل تنامي عزوف المواطنين عن الانتظام في الشأن العام، نتيجة تآكل الثقة في الفاعلين السياسيين والمؤسسات الحزبية والتمثيلية. ويعزى هذا الوضع إلى انتشار مظاهر الفساد، من قبيل شراء الأصوات والمحسوبية والمحاباة، فضلاً عن استغلال المناصب السياسية لخدمة المصالح الشخصية بدلاً من تحقيق المصلحة العامة. وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت المتابعات الجنائية التي تطاول بعض القيادات الحزبية تسهم في تعميق حال النفور بين المواطنين والعمل السياسي.
وفي هذا السياق يؤكد المحلل السياسي عصام لعروسي أن العزوف عن المشاركة السياسية ليس وليد المتابعات القضائية الأخيرة، وإنما يرتبط بعوامل بنيوية تراكمت على مدى أعوام. ويوضح أن التنافس السياسي في مراحل سابقة كان يرتكز على الاختلاف في البرامج والرؤى والأطروحات، ووصل في بعض الأحيان إلى تبني مواقف مغايرة للتوجهات الرسمية، مما مكن الأحزاب من الاضطلاع بأدوارها التأطيرية واستقطاب النخب المنتمية إلى الطبقة المتوسطة. ويرى أن تراجع حضور هذه النخب داخل الأحزاب أفسح المجال أمام صعود فاعلين يعتمدون على النفوذ المالي أكثر من اعتمادهم على الكفاءة السياسية، مما دفع بعض الأحزاب إلى إعطاء الأولوية لاستقطاب الأعيان لضمان المكاسب الانتخابية والوصول إلى السلطة. وبحسب تقديره، انعكس هذا التحول على طبيعة السياسات العمومية، التي أصبحت في كثير من الأحيان بعيدة من الاستجابة لتطلعات المواطنين وحاجاتهم.
من جانبه يوضح المحلل هشام معتضد أن قضية "إسكوبار الصحراء" لن تزيد من حجم العزوف بقدر ما ستكشف عن عمقه القائم أصلاً، مشيراً إلى أن الجفاء بين المواطن والسياسة في المغرب لم يعد مرتبطاً فقط بالأحزاب، بل بتآكل الثقة في قدرة الوساطة السياسية على إنتاج النخب، لكن قد تحدث مثل هذه المحاكمات أثراً مزدوجاً، أولاً من جهة تعزز الشك الشعبي تجاه الفاعلين الحزبيين، وثانياً من ناحية إعادة بعض الثقة في مؤسسات الدولة، إذا اقتنع الرأي العام بأن منطق المحاسبة لا يعرف سقفاً سياسياً.
ثغرات سياسية
ظهر أخيراً مصطلح "الفراقشية" للدلالة على هذه الفئة من السياسيين الذين يفتقرون للثقافة السياسية، ويستغلون علاقاتهم للسعي وراء السطو على المال العام بطرق غير مشروعة. ومع تنامي تلك الفئة، ظهرت مخاوف من تكريس ذلك التوجه. يقول الباحث في علم الاجتماع المصطفى المريزق إنه لا يمكن التعامل مع المصطلح من منظور السوسيولوجيا النقدية وعلم السياسة، بوصفه مجرد لفظ متداول في السجال السياسي، بل كونه مؤشراً رمزياً إلى نمط من الممارسات والعلاقات الاجتماعية والسياسية التي تجاوزت دلالته الأصلية. وأوضح أن "الإشكال الحقيقي لا يكمن في المصطلح ذاته، وإنما في الشروط الاجتماعية والسياسية التي تسمح بانتقال بعض السلوكيات الانتهازية من هامش الإدانة الأخلاقية والقانونية إلى قلب التداول العمومي، بل وأحياناً إلى نموذج ضمني للنجاح الاجتماعي والترقي السياسي".
وفي شرحه لكيفية انتقال هذا المصطلح من دائرة الجريمة إلى الخطاب السياسي، يشير الباحث إلى أن هذه العملية يمكن فهمها في ضوء مفهوم "إعادة إنتاج الشرعية الرمزية" الذي صاغه عالم الاجتماع بيار بورديو. ويقوم هذا المفهوم على أن بعض الممارسات التي كانت تعد تاريخياً خروجاً عن القيم والمعايير الاجتماعية قد تخضع لعملية إعادة بناء للمعنى، بما يجعلها تبدو مع مرور الوقت مقبولة أو طبيعية، بل وقد تقدم أحياناً بوصفها مؤشراً إلى النجاح أو النفوذ. وفي هذا السياق، يوضح الباحث أن انتقال بعض الفاعلين من مواقع الهامش إلى مواقع النفوذ الاقتصادي أو السياسي يتيح لهم تحويل الرأسمال الاقتصادي الذي راكموه إلى رأسمال رمزي، يمنحهم القدرة على إعادة تشكيل صورتهم الاجتماعية وإعادة تأويل ماضيهم. وبذلك، يتحول الاهتمام تدريجاً من مساءلة مصادر الثروة أو طبيعة الممارسات السابقة إلى قبول السردية التي تضفي الشرعية على المكانة الاجتماعية والسياسية الجديدة.
ينفي الباحث في علم الاجتماع قدرة ذلك المفهوم على خلق عقد اجتماعي جديد من منظور الفكر السياسي، باعتبار أن "العقد الاجتماعي، منذ هوبز ولوك وروسو، وصولاً إلى جون رولز، يقوم على مبادئ عامة أهمها المواطنة المتساوية وسيادة القانون والمصلحة العامة والعدالة في توزيع الحقوق والواجبات"، موضحاً أن المنطق القائم على تبادل المنافع الخاصة والغنائم والولاءات الظرفية، لا ينتج عقداً اجتماعياً، بل ينتج ما يسميه ماكس فيبر "السلطة الزبونية"، وما يسميه علماء السياسة المعاصرون "الدولة الزبونية" أو "النيوباتريمونيالية".
من جانبه يرى الباحث هشام معتضد أن مرونة المجال السياسي المغربي قد تفتح في بعض الحالات المجال أمام تطبيع غير مباشر مع بعض الفاعلين الخارجين عن القانون، غير أن هذا الفضاء قد يستغل أيضاً من قبل شبكات تسعى إلى توظيفه للحصول على النفوذ والحماية، لذلك يشدد على ضرورة التمييز بين الدولة كمؤسسة وبين بعض الفاعلين الذين يحاولون التسلل إلى النظام التمثيلي عبر ثغراته. ويوضح أنه عند تقاطع المال مع الاستحقاقات الانتخابية المحلية، قد تميل بعض الشبكات إلى شراء الشرعية بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة، في حين تعمل المؤسسات الرسمية، وفق مقاربة تكتيكية، على تعزيز تدخلها وردها كلما اقتربت الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة من مراكز القرار.