Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشباب المغربي بين "ألمانيتين"... متخيلة ومعاشة

أعداد كبيرة تقبل على تعلم لغة غوته لتسهيل هجرتهم إلى البلد الأوروبي لاستكمال الدراسة الجامعية أو بحثاً عن أوضاع اجتماعية أفضل

يعزو مراقبون إقبال الشباب المغاربة على ألمانيا كوجهة هجرة رئيسة إلى دوافع اقتصادية ومهنية (رويترز)

ملخص

تعول شركات ألمانية على استقطاب اليد العاملة المغربية بهدف الحد من العجز في الخبرات المهنية داخل عدد من المجالات والقطاعات، إذ أبرمت الحكومتان في الرباط وبرلين اتفاق شراكة حول الهجرة يكافح المهاجرين غير النظاميين من خلال خلق فرص عمل للشباب المغاربة في شركات ألمانية.

لم يعد تعلم اللغة الألمانية في المغرب ترفاً معرفياً ولغوياً وأكاديمياً، بل ضرورة ملحة لدى عدد من الشباب الراغبين في التسلح بلغة "غوته" لتسهيل هجرتهم إلى ألمانيا، إما من أجل استكمال دراساتهم الجامعية، أو بهدف البحث عن آفاق مهنية واجتماعية أفضل.

وفي وقت صار النموذج الألماني جاذباً لآلاف الشباب المغاربة بفضل جودة التعليم الجامعي وسرعة الصعود المهني والاجتماعي، فإن مراقبين يرون أن الصورة ليست وردية تماماً، إذ إن "ألمانيا المتخيلة" ليست دائماً هي "ألمانيا المعاشة".

مفتاح غوته

يقترب حمزة، شاب في عقده الثاني، من إكمال مساره في تعلم اللغة الألمانية بأحد المعاهد الشهيرة وسط العاصمة الرباط، والذي يقدم دورات معترف بها دولياً، ويجري اختبارات في لغة "غوته"، من خلال التدرج من مستوى "ألف 1" إلى "ب 2" ضمن فترة زمنية تصل إلى تسعة أشهر.

يقول الشاب المغربي في هذا الصدد إنه يقترب من نيل دبلوم في تعلم اللغة الألمانية التي اختارها لتكون مفتاحاً له في معرفة المجتمع الألماني وثقافته وحضارته وقيمه، بُغية الاندماج في هذا المجتمع الأوروبي عنده فرصة الهجرة إليه في أواخر العام الحالي.

وحدد حمزة هدفه من الهجرة إلى ألمانيا متسلحاً باللغة الألمانية في الاستفادة من عرض عمل قانوني في هذا البلد الأوروبي، موضحاً أنه "يتقن اللغة الفرنسية وشيئاً من الإنجليزية، لكن لتسهيل الاندماج في هذا المجتمع الجديد تعين عليه إتقان اللغة الألمانية".

من جانبه أفاد رضا البوريني (مسؤول في معهد لتعليم اللغة الألمانية بالرباط) بأن هناك إقبالاً لافتاً للشباب المغاربة على تعلم هذه اللغة الحية، إما من خلال الحضور المباشر أو حتى من خلال التعلم عبر دورات الإنترنت.

وأكد أن "أسباب تعلم الألمانية في معظمها ترتبط بخطط الهجرة إلى ألمانيا، إما من أجل إكمال المسار الدراسي والأكاديمي أو من أجل نيل وظيفة أو فرصة عمل، وقليلة هي الحالات التي يتعلم فيها الشباب هذه اللغة من أجل التعلم وتقوية الجانب المعرفي باللغات العالمية".

وتعول شركات ألمانية على استقطاب اليد العاملة المغربية بهدف الحد من العجز في الخبرات المهنية داخل عدد من المجالات والقطاعات، إذ أبرمت الحكومتان في الرباط وبرلين اتفاق شراكة حول الهجرة يُكافح المهاجرين غير النظاميين من خلال خلق فرص عمل للشباب المغاربة في شركات ألمانية، فضلاً عن مساعدتهم في الإجراءات الإدارية والبحث عن السكن وغيرها من المعاملات الرئيسة.

جاذبية النموذج الألماني

ويعزو مراقبون إقبال الشباب المغاربة على ألمانيا كوجهة هجرة رئيسة، وتمهيد هذه الخطوة بتعلم لغة غوته، إلى دوافع اقتصادية ومهنية متمثلة في البحث عن فرص شغل أفضل ورواتب أعلى، وأيضاً إلى جاذبية النموذج الألماني مقارنة مع دول أخرى، وإلى تأثير قصص النجاح المتداولة لمهاجرين مغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي.

في السياق، قال محمد نبيل (كاتب ومخرج مغربي مقيم في برلين) إن انجذاب فئات واسعة من الشباب المغاربة إلى ألمانيا يرتبط، في المقام الأول، بما تمثله البلاد في المخيال الجمعي من قيم مرتبطة بالتنظيم والجدية وتوافر الفرص المهنية والتعليمية.

وأوضح نبيل أن "تعلم اللغة الألمانية لم يعد مجرد خيار لغوي، بل تحول في كثير من الحالات إلى استثمار اجتماعي في المستقبل"، مبرزاً أن إتقان لغة غوته يفتح آفاقاً واسعة أمام الجامعات والتكوين المهني وسوق العمل، وبخاصة في القطاعات التي تعرف طلباً متزايداً على الكفاءات من قبيل الصحة والهندسة والتكنولوجيا والخدمات التقنية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشدد المتحدث ذاته على أن جاذبية ألمانيا لا تقوم فقط على الصورة الذهنية المتداولة عنها، بل تستند كذلك إلى معطيات ملموسة من بينها وضوح المسارات المرتبطة بالدراسة والتأهيل والاندماج المهني، وهو ما يمنح الشباب شعوراً بأن الجهد الفردي يمكن أن يفضي إلى ارتقاء اجتماعي فعلي.

وأبرز نبيل أن "هذا المعطى يشكل أحد أبرز الفوارق بين ألمانيا ووجهات أخرى من دول أوروبية قد تبدو أقرب جغرافياً، لكنها تظل أقل وضوحاً من حيث القوانين وإمكانات الاندماج والفرص المتاحة".

واستطرد المتكلم موضحاً أن "الصورة المثالية التي يحملها كثير من الشباب عن ألمانيا تخضع لاختبار واقعي فور الوصول، إذ يصطدم بعضهم بمجتمع شديد الانضباط، لكنه في الوقت نفسه مثقل بالبيروقراطية، وبارد نسبياً في التفاعلات اليومية، فضلاً عن متطلبات لغوية ومؤسساتية معقدة".

ومضى قائلاً إن هذا الواقع يخلق توتراً بين "ألمانيا المتخيلة" و"ألمانيا المُعاشة"، غير أن ذلك لا يقلل من قوة الدافع نحو الهجرة، باعتبار أن كثراً لا يبحثون فقط عن مغادرة أوضاع ضاغطة، بل عن اعتراف بكفاءاتهم وأفق مهني واجتماعي يضمن لهم الكرامة والاستقرار.

إكراهات وصدمات

من جهته، أورد رئيس مرصد التواصل والهجرة جمال الدين ريان أن الإقبال المتزايد للشباب المغاربة على تعلم لغة غوته والهجرة إلى ألمانيا يعكس طموحاً واضحاً نحو بناء مستقبل أكاديمي ومهني واعد، غير أن هذا المسار، بحسب تعبيره، يصطدم على أرض الواقع بجملة من التحديات والإكراهات المعقدة.

وأشار ريان إلى أن أولى هذه الصعوبات تتمثل في حاجز اللغة، موضحاً أن الحصول على الشهادات اللغوية داخل المغرب لا يكفي دائماً لضمان اندماج سلس، بالنظر إلى اصطدام المهاجر بلهجات محلية وسياقات تواصلية مهنية تتطلب مستوى أعلى من الدقة والكفاءة.

وسجل المتحدث ذاته أن "البيروقراطية الألمانية تشكل بدورها عبئاً إضافياً على الوافدين الجدد"، لافتاً إلى "أن المعاملات الورقية، ومواعيد تجديد الإقامة، وإجراءات معادلة الشهادات تستهلك وقتاً طويلاً وتفرز ضغطاً نفسياً متزايداً".

ونبه إلى أن هذه الإكراهات تتضاعف في ظل أزمة السكن التي تعرفها ألمانيا، خصوصاً داخل المدن الكبرى والجامعية، حيث يجد الشباب أنفسهم أمام رحلة شاقة للعثور على غرفة أو شقة، في ظل شروط وصفها بـ"المعقدة" لإثبات القدرة المالية.

وفي الشق الإنساني، تطرق ريان إلى "الصدمة الثقافية التي تواجه عدداً من الشباب"، مبرزاً أن طبيعة المجتمع الألماني القائمة على الفردانية والخصوصية والفصل الواضح بين العلاقات العامة والشخصية قد تعمق الإحساس بالوحدة والغربة، لا سيما مع تغير نمط العيش وقسوة الطقس خلال فصل الشتاء.

واسترسل موضحاً أن "الضغوط لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى الجانب المالي في ظل ارتفاع كلف المعيشة إلى جانب الضغط النفسي الناتج من سقف انتظار الأسر في المغرب، وما يرافقه من شعور بالمسؤولية".

واختتم ريان مؤكداً أن "تجربة الهجرة إلى ألمانيا تتجاوز الصورة المثالية التي تُرسم عنها أحياناً، معتبراً أنها تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الشباب على الصمود والتكيف ومواجهة واقع أكثر تعقيداً مما يبدو من الخارج".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير