ملخص
ملف الهجرة تحول إلى تحد أفريقي تتشابك فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية لا سيما في ظل الأزمات التي تحاصر الدول الأفريقية، على غرار السودان والنيجر ومالي وبوركينا فاسو، والتي عادة ما تكون محركاً رئيساً لموجات الهجرة نحو شمال القارة.
مع تنامي الغضب الشعبي ضد المهاجرين غير النظاميين وسعي السلطات إلى إعادتهم إلى دولهم بطريقة رسمية في إطار "العودة الطوعية" أو غير ذلك، تحذر دوائر سياسية في تونس وليبيا من أن ذلك يهدد علاقة هاتين الدولتين الواقعتين شمال القارة السمراء مع العمق الأفريقي.
وبين اتهامات بتغيير التركيبة الديموغرافية وحديث عن التوطين، يجد الأفارقة أنفسهم منبوذين داخل دول تسعى إلى نفوذ في عمقها الأفريقي على رغم التنافس الدولي.
في عام 2023، أصدر الاتحاد الأفريقي بياناً شديد اللهجة تجاه السلطات التونسية تنديداً بتصريحات رسمية حول وضع المهاجرين، عدها التكتل "صادمة" وتتعارض مع مبادئه الأساس.
إضرار بالمصالح
ويوجد في ليبيا وتونس والجزائر عشرات آلاف المهاجرين الذين يتحدرون من جنسيات أفريقية مختلفة، إذ أجبرت الحروب والنزاعات والأزمات الداخلية هؤلاء على الفرار نحو هذه الدول ضمن مساعي أوسع للعبور إلى السواحل الأوروبية.
ووقعت هذه الدول اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي وإيطاليا تنص على صد هؤلاء المهاجرين في خطوة أثارت نقاشات داخلية حادة.
وعد الباحث السياسي التونسي المنذر ثابت أن "ملف الهجرة غير النظامية يؤثر بكل تأكيد في علاقات دول شمال أفريقيا مع عمقها الإقليمي، وتأخير الحراك الدبلوماسي الذي من المفترض أن يكون بين ليبيا وتونس من جهة، والدول الأفريقية المعنية من جهة أخرى، من شأنه أن يضر بالمصالح المشتركة ويراكم سوء التفاهم حول قضايا حساسة ومطروحة بطريقة ملحة".
وقال ثابت إنه في ظل غياب الحوار المباشر والحل الدبلوماسي، ثمة أطراف خارجية تحاول استغلال هذا الملف من أجل الدفع نحو فتور دبلوماسي بين دول شمال أفريقيا والدول المصدرة للمهاجرين.
وبيَّن في حديث خاص أن "ملفاً بحجم ملف الهجرة غير النظامية يفترض أن يعالج في سياقين، سياق الاتحاد الأفريقي باعتبار أن هذا الموضوع يندرج ضمن التنظيم القاري، وفي سياق ثنائي في العلاقة مثلاً بين تونس وبلدان الساحل الأفريقي، وفي سياق لجنة أو تنسيقية بين تونس وليبيا من جهة والدول الأفريقية المعنية من جهة أخرى".
تأثير محدود
وتملك دول شمال أفريقيا جاليات تعمل في دول غرب القارة، التي تكتنز ثروات ضخمة استقطبت كثيراً من الكفاءات سواء التونسية أو غيرها. وفي ظل الغموض الذي يلف عدد هؤلاء، فإن دوائر سياسية ومراقبين حذرا من تأثير موجة العداء الشعبي والإجراءات الرسمية حيال المهاجرين في شمال القارة على هذه الجالية.
لكن الباحث السياسي الليبي كامل المرعاش يرى أن "معالجة مسألة الهجرة غير النظامية أكبر من قدرة هذه الدول، فتونس وليبيا هما دولتا عبور إلى أوروبا، ومحاولة أوروبا التخلص من الهجرة وإجبار هذه الدول على برامج تساعد على التوطين، هي مساعٍ غير قانونية. فقد كان على بلدان الاتحاد الأوروبي استقبال من يصل منهم إلى شواطئها ثم إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، من دون البحث على حلول تكون على حساب وجود دول العبور".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح المرعاش أن "مسألة تأثير هذا في العلاقات مع بلدان مصدر الهجرة يبقى محدوداً جداً، لأنه لا توجد جاليات لا تونسية ولا ليبية في هذه الدول، هناك رجال أعمال وهؤلاء تحتاج إليهم هذه الدول للاستثمار في اقتصادها، وهم موجودون بصفة رسمية ونظامية وليسوا مهاجرين غير شرعيين".
وأبرز أنه "عندما تصل مسألة الهجرة غير النظامية وبهذه الأعداد الكبيرة، تصبح مسائل العلاقات وتدهورها ثانوية مقابل الخطر الوجودي وديموغرافية هذه البلدان وسلامة أراضيها وسلمها الأهلي".
الدبلوماسية
ومع تواتر التقارير التي تتحدث عن انتهاكات تطاول المهاجرين غير النظاميين، باتت هذه المعضلة مطروحة بصورة أكثر حدة في دول مثل تونس وليبيا، على رغم رهانهما على مبادرات مثل العودة الطوعية، إذ تتحدث السلطات التونسية عن نجاحها في إعادة نحو 27 ألف مهاجر إلى دولهم من خلال مثل هذه البرامج.
ولم تعد هذه المشكلة حكراً على هذه الدول، إذ تشهد دول أخرى نقاشات صاخبة وتصعيداً حيال المهاجرين مثل جنوب أفريقيا، وهو ما يجعل مراقبين يرون أن ملف الهجرة تحول إلى تحدٍ أفريقي تتشابك فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية، لا سيما في ظل الأزمات التي تحاصر الدول الأفريقية على غرار السودان والنيجر ومالي وبوركينا فاسو، والتي عادة ما تكون محركاً رئيساً لموجات الهجرة نحو شمال القارة.
ويعتقد المنذر ثابت أن "المفروض أن تكون المقاربة التي تعالج هذا الملف دبلوماسية واقعية بعيداً من الحجاج والهرسلة (المماحكات والتضييق)، وأن تكون أكثر إيجابية. فبلدان المصدر تقع على عاتقها مسؤولية لا يمكن أن يُستهان بها أو أن يجري تقليصها، لكن في علاقة مثلاً بتونس فإن دول الجوار تحمل مسؤولية أيضاً، فالتسرب إلى ليبيا أو الجزائر هو الذي يتسبب في تدفق هذا العدد الهائل من المهاجرين نحو دول مثل تونس".
وأشار إلى أن "في كل الحالات العلاقات الدبلوماسية وتنسيق المواقف الحلان الأنسب لاحتواء هذه الأزمة".