Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رهائن "المادة الخامسة" أو مأزق تعديل الدستور الأميركي

بينما يحتفل الأميركيون بالذكرى الـ250 للاستقلال، يترقب كثر بقلق انقساماً اجتماعياً وسياسياً يهدد فرص الإصلاح

تشهد الولايات المتحدة دعوات متزايدة لإجراء تعديل دستوري 

ملخص

كان التعديل الـ26 آخر تعديل ذي أهمية أُدخل على الدستور الأميركي. ومنذ أن حل الدستور محل "مواد الاتحاد الكونفيدرالي" عام 1789، لم يعتمد سوى 27 تعديلاً فقط من أصل 12 ألف تعديل دستوري مقترح، أي أقل من ربع في المئة.

خلال حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي، كان الشباب الأميركيين يُرسلون إلى خطوط المواجهة والقتال بينما كانوا لا يزالون أقل من السن التي يُسمح لهم فيها بالإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، إذ حُددت سن التجنيد الإجباري في الولايات المتحدة عند 18 سنة خلال الحرب العالمية الثانية، في حين يمكنهم التصويت في الانتخابات فقط عند بلوغ الـ21 سنة. ومن هنا ظهر الشعار الشهير "إذا كنت كبيراً بما يكفي للقتال، فأنت كبير بما يكفي للتصويت"، للمطالبة بخفض سن التصويت.

وأمام الاضطرابات المدنية في أواخر الستينيات، التي رأى بعض الساسة أنها ناجمة جزئياً عن حقيقة أن الشباب لم تكن لديهم وسيلة لإسماع أصواتهم، جرت مساعٍ إلى تعديل الدستور وتثبيت حق التصويت على الصعيد الوطني في جميع الانتخابات لكل من يبلغ من العمر 18 سنة فما فوق. وبعد محاولات مضنية قابلتها اعتراضات قانونية ودستورية، تمكن تيار الإصلاح، أخيراً، أواخر السبعينيات من تعديل الدستور، إذ حظي التعديل بدرجة غير مسبوقة من التوافق بين الحزبين، فجاء تصويت مجلس الشيوخ بالإجماع لصالحه. وبعد تصويت مماثل بغالبية ساحقة في مجلس النواب، بدأت موجة من الولايات في المصادقة على التعديل، بما في ذلك الولايات التي رفضت سابقاً تغيير قوانينها الخاصة للسماح لمن هم في سن 18 سنة بالتصويت. وفي غضون ما يزيد قليلاً على ثلاثة أشهر، وقعت الولايات الـ38 المطلوبة على التعديل، وهي أسرع مصادقة على تعديل دستوري في التاريخ، وفق وصف صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية. 

كان التعديل الـ26 الذي مر عليه أكثر من نصف قرن، هو التعديل الرابع خلال عقد، إذ وسعت ثلاثة منها حقوق التصويت في موجة من الإصلاح الديمقراطي التي شهدتها البلاد خلال القرن الـ20. كان ذلك آخر تعديل ذي أهمية أُدخل على الدستور الأميركي. ومنذ أن حل الدستور محل "مواد الاتحاد الكونفيدرالي" عام 1789، لم يعتمد سوى 27 تعديلاً فقط من أصل 12 ألف تعديل دستوري مقترح، أي أقل من ربع في المئة. 

دعوات لتعديل جديد

وبينما يقترب الأميركيون من الذكرى الـ250 للاستقلال، فإنهم يشعرون بالقلق أمام تضافر عوامل متعددة لزعزعة استقرار المجتمع الأميركي، فيما تعتقد غالبية الأميركيين أن الديمقراطية تمر بأزمة وتواجه خطر الفشل. وأمام هذا الواقع، تشهد البلاد دعوات متزايدة منذ أعوام لإجراء تعديلات تتعلق بالمجمع الانتخابي الذي يسمح بإمكانية فوز مرشح بالرئاسة على رغم خسارته للتصويت الشعبي المباشر، وهو أمر تكرر في تاريخ أميركا الحديث، وآخرها فوز الرئيس دونالد ترمب بالرئاسة عام 2016 أمام منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، وآلية "التعطيل" التي تعرقل عمل مجلس الشيوخ في كثير من الأحيان، وتعيين قضاة المحكمة العليا مدى الحياة، تزامناً مع مطالبات بتعديل الدستور لفرض "حدود زمنية". 

وتقود منظمة "الوعد الأميركي"، وهي منظمة غير حزبية دأبت منذ تأسيسها عام 2016 على الدعوة إلى إقرار تعديل لدستور الولايات المتحدة، حملة "تعديل من أجل حريتنا" التي تسعى لتمرير تعديل دستوري يسمح للكونغرس والولايات بتنظيم وتقييد "تدفق المال السياسي" في الحملات الانتخابية، والتمييز بين الأشخاص الطبيعيين والكيانات الاعتبارية (الشركات) لمنعها من الهيمنة المالية على الانتخابات. 

المادة الخامسة من الدستور

وفي ظل مناخ سياسي واجتماعي أميركي يشهد استقطاباً متزايداً، يقول مراقبون إنه من المرجح أن يستمر الجمود الحالي في مسألة إصلاح أو تعديل الدستور الأميركي، وبخاصة أن الدستور نفسه في مادته الخامسة يشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ثم موافقة ثلاثة أرباع الولايات، أي 38 ولاية حالياً. فيقول عزيز رانا، المتخصص في مجال القانون الدستوري في جامعة كورنيل "لدينا عملية تعديل هي الأصعب في العالم من حيث الإقرار. ولهذا السبب أصبحت عملية تعديل الدستور شبه ميتة عملياً. فأنت في حاجة إلى أغلبيات ساحقة ومتواصلة في أنحاء البلاد لتحقيق ذلك."

وفي كتابها "نحن الشعب"، ترى أستاذة التاريخ في جامعة هارفرد والكاتبة في مجلة "ذا نيويوركر" جيل ليبور أن الدستور الأميركي أصبح وثيقة عفا عليها الزمن، لأن تعديله بات، خلافاً لما أراده الآباء المؤسسون، بالغ الصعوبة. فقد كان توماس جيفرسون يؤيد عقد مؤتمرات دستورية لإعادة صياغة الدستور كل 19 عاماً. وفي رسالة إلى جيمس ماديسون، شكك في حق "جيل من البشر في أن يقيد جيلاً آخر".

فالآباء المؤسسون للولايات المتحدة افترضوا أن الأجيال اللاحقة ستصحح وتعدل الدستور مع تغير الأزمنة وتطور المجتمع. وبينما كان ماديسون يخشى أن تؤدي المؤتمرات المتكررة إلى زعزعة الاستقرار، فطرح حلاً مختلفاً يتمثل في المادة الخامسة من الدستور، التي تتيح تعديله بموافقة ثلثي أعضاء مجلسي الكونغرس وثلاثة أرباع الولايات. وقد كان هذا الشرط قابلاً للتحقيق في ثمانينيات القرن الـ18، لكنه منح الولايات المتحدة، كما تشير ليبور، "واحداً من أدنى معدلات تعديل الدساتير في العالم".

هيمنة القضاة

وترى ليبور في كتابها الصادر العام الماضي، وقدمت صحيفة "إيكونومست" مراجعة له، أن تراجع ما تسميه "فلسفة التعديل" أبقى الولايات المتحدة أسيرة مؤسسات قديمة مثل المجمع الانتخابي، وهو إرث تاريخي أوصل إلى الرئاسة خمسة مرشحين خسروا التصويت الشعبي. وكرس نظام التعيين مدى الحياة للقضاة الفيدراليين، وهو أمر يكاد ينفرد به النظام الأميركي، وأسهم في تسييس السلطة القضائية وترسيخ نفوذها. كذلك لم يعد هناك سبيل لمعالجة الخلل الذي يمنح سكان ولاية وايومنغ نفوذاً في مجلس الشيوخ يزيد بنحو 68 مرة على نفوذ سكان كاليفورنيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع تحول تعديل الدستور إلى أمر يكاد يكون مستحيلاً عملياً، لجأ الأميركيون إلى المحاكم لإعادة تفسيره. وبهذا أصبحت دلالات الوثيقة الدستورية رهينة لتوجهات القضاة التسعة الذين يشغلون مقاعد المحكمة العليا. وقد مر الليبراليون والمحافظون على حد سواء بلحظاتهم المؤثرة، ففي عهد رئيس المحكمة العليا إيرل وارن خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أصدرت المحكمة أحكاماً وسعت الحريات المدنية. أما في الأعوام الأخيرة، فقد برزت مدرسة "الأصولية الدستورية"، وهي صاحبة المنهج التفسيري الذي تتبناه الغالبية المحافظة الحالية، وإن كانت ليبور ترى أنه لا يعكس رؤية الآباء المؤسسين، وقد أصبح أداة لقيادة ثورة محافظة مضادة.

رغبة شعبية في التعديل

يلقى التعديل الذي تسعى إليه حملة "تعديل من أجل حريتنا"، قبولاً واسعاً في المجتمع الأميركي. فوفق مؤسس ومدير مركز "الوعد الأميركي" جيف كليمنتس، الذي يقود الحملة، فإن 22 ولاية وقرابة 1000 مدينة ومقاطعة، من بينها مقاطعات ذات غالبية محافظة جداً مثل مقاطعة براون، وافقت على قرارات تدعم هذا التوجه الدستوري. وحظي المقترح بتأييد أكثر من 200 عضو في مجلس النواب و50 سناتوراً، إلى جانب توصية "لجنة ممارسة المواطنة الديمقراطية" بإقراره كأولوية لإصلاح الديمقراطية الأميركية، وتظهر استطلاعات الرأي أن تقليل المال في السياسة يمثل الأولوية القصوى لـ86 في المئة من الأميركيين القلقين على ديمقراطيتهم. 

هذا التأييد، يشير له كليمنتس كدليل على فقر أطروحة كثير من الأكاديميين والمفكرين البارزين الذين يرون أن الدستور أصبح "مجمداً" أو "مستحيل تكييفه" عملياً منذ السبعينيات. فيري أن هذا الفكر يفترض واهماً أن التغيير حدث في عزيمة وإرادة الشعب وليس النص الدستوري. ويجادل بأن الفشل في تمرير تعديل ما يعني فقط "ليس الآن" أو "ليس هذا النص تحديداً"، وليس عجزاً مطلقاً للنظام الدستوري. وهو ما يتفق مع ما ختمت به ليبور كتابها، قائلة إن الأميركيين قد "يتعلمون يوماً ما كيف يعدلون دستورهم من جديد"، أو ربما يضعون وثيقة دستورية جديدة بالكامل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير