ملخص
لا يستطيع المتابع لتطورات المشهد على الساحتين اللبنانية والسورية، فك الارتباط بين الإفراج عن السجناء السوريين، والحديث عن مشاركة سوريا بمعركة تواجه فيها "حزب الله" اللبناني، فضلاً عن جهود دبلوماسية مكثفة تدرس تفاصيل أي تطور من هذا النوع لا سيما على الساحة اللبنانية، وما يمثله هذا التحرك في ذاكرة بيروت التي عانت وجود جيش النظام السابق خلال فترة الحرب الأهلية وبقائه حتى عام 2005.
في تطور جديد يحرك المياه الراكدة بين البلدين الجارين سوريا ولبنان، ويدفع نحو تطور العلاقات بينهما، أفرجت السلطات في بيروت عن دفعة جديدة من الموقوفين السوريين بعد سلسلة لقاءات رسمية واتفاق سابق تم التوصل إليه. إلا أن هذا الإفراج يبث رسائل في توقيت بالغ الحساسية مع انتشار أنباء عن نوايا لدى الجيش السوري بدخول لبنان، بطلب من الولايات المتحدة التي لطالما تمنت حدوث ذلك لمحاربة "حزب الله" والميليشيات المدعومة إيرانياً.
تبريد الملف الساخن
وشملت الدفعة الثانية التي تسلمتها السلطات في دمشق الأربعاء الـ24 من يونيو (حزيران) الجاري، 129 سجيناً سورياً كانوا في السجون اللبنانية، بعد أكثر من ثلاثة أشهر على تسليم الدفعة الأولى التي ضمت 132 سجيناً في مارس (آذار) الماضي.
ومن المتوقع حسب المعلومات المتوفرة وصول ما تبقى من السجناء دون الإعلان عن التوقيت، حيث يبلغ إجمال عدد المشمولين بالاتفاق نحو 300 سجين. وبحسب المعلومات المتوفرة فإن ملفات هؤلاء السجناء تراوح ما بين جرائم جنائية، أو قضايا إرهاب وقتال الجيش اللبناني، أو إقامات غير شرعية. وتتيح اتفاقية التعاون القضائي الموقعة في السادس من فبراير (شباط) الماضي، بين لبنان وسوريا، طلب إعادة محاكمتهم أمام القضاء السوري بعد وصولهم إلى بلدهم.
وينظر مراقبون إلى أهمية هذه الخطوة وما يليها من تطورات في المشهد السياسي المعقد بين البلدين، الذي مرّ بفترات ساخنة سواء قبل الحرب السورية الأخيرة عام 2011 أو بعدها. ويحدث ذلك بينما تتجه الأنظار إلى الحدود المتداخلة بين البلدين (375 كيلومتراً) والتي تتقاسمها بلدات وقرى سهلة العبور على الجانبين، إذ ظلت ممراً آمناً للفصائل اللبنانية والإيرانية في العقد الأخير.
التوغل السوري والموقوفون
ولا يستطيع المتابع لتطورات المشهد على الساحتين اللبنانية والسورية، فك الارتباط بين الإفراج عن السجناء السوريين، والحديث عن مشاركة سوريا بمعركة تواجه فيها "حزب الله" اللبناني، فضلاً عن جهود دبلوماسية مكثفة تدرس تفاصيل أي تطور من هذا النوع لا سيما على الساحة اللبنانية، وما يمثله هذا التحرك في ذاكرة بيروت التي عانت وجود جيش النظام السابق خلال فترة الحرب الأهلية وبقائه حتى عام 2005.
في المقابل كشف الباحث في الشؤون الدولية، فراس بوزان نقلاً عن مصدر في وزارة العدل السورية، أن "عمليات الإفراج لا صلة لها بما يتداول إعلامياً عن دخول لبنان". وأضاف أن "هذا الملف يحظى باهتمام كبير من قبل وزير العدل مظهر الويس، الذي سبق ووقع مع لبنان اتفاقاً في هذا الشأن في مطلع فبراير الماضي، إنما التباطؤ كان من الجهة اللبنانية بسبب اعتراض بعض الأطراف السياسية هناك على عملية التسليم".
وشهدت بيروت، زيارة وفد سوري رفيع المستوى، الرئيس اللبناني، جوزاف عون، وتوصل الجانبان إلى اتفاق يقضي بتسليم عدد من السجناء السوريين باستثناء المتورطين بجرائم أودت بحياة مدنيين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهته، اعتبر وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجي الاتفاقية المبرمة بين بيروت ودمشق "خطوة أولى لتنقية العلاقات بين البلدين"، مضيفاً في تصريح سابق له تعليقاً على الاتفاق "سنستكمل التعاون مع سوريا في سائر الملفات بينها ملف المفقودين اللبنانيين، وترسيم الحدود البرية والبحرية، والمضي في العودة الآمنة للنازحين السوريين، ومراجعة الاتفاقات الثنائية بما يخدم مصالح وسيادة البلدين".
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تسهم بطي صفحة الماضي، وتفتح الباب أمام تعاون مثمر في المجالات السياسية والاقتصادية بعد إسقاط كافة القضايا العالقة. وقال وزير العدل السوري مظهر الويس في تصريح أعقب الاتفاق اللبناني السوري إن "ملف الموقوفين يعد أولوية قصوى".
تسريع تنفيذ الاتفاق
في غضون ذلك تتخذ سوريا الجديدة موقفاً حاسماً من العودة إلى أسلوب النظام السوري السابق، وترفض منذ تولي الرئيس أحمد الشرع مقاليد الحكم اتباع أسلوب "الوصاية" الذي سبب توترات بين البلدين. وأعلنت دمشق عن دعم مسار السلام والاستقرار ونفت أي دور عسكري لها في لبنان.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ألمح في مناسبات عدة عن نية بلاده دعم جهود الجيش السوري بالتوغل في شرق لبنان لمحاربة الميليشيات التابعة لإيران، وتحديداً "حزب الله"، الذي حظرت الحكومة اللبنانية جناحه العسكري.
في المقابل يربط المختص بالشأن السوري، أحمد مظهر سعدو، الإسراع في تطبيق اتفاقية الإفراج الآن بالتصريحات الأميركية عن دورٍ لسوريا في لبنان، التي تلتها تأكيدات الرئيس الشرع بعدم وجود أي توجهات سورية بهذا الخصوص قد تدفع نحو تدخل عسكري سوري، "فكان الإسراع بتسليم السجناء بمثابة عرفان بالجميل من قبل لبنان على مواقف سورية رصينة وأخوية".
وأضاف سعدو أن "كل السياسات السورية ومنذ الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 توحي بوجود سياسة جديدة تقطع كلياً مع سياسات نظام الأسد المخلوع وتمتلك مقاربات جديدة لرؤيا تعيد وصل ما انقطع وتبني أواصر المصلحة الوطنية السورية وكذلك اللبنانية على أسس جديدة ومختلفة عن سياسات القضم والتغول على اللبنانيين والعبث بالداخل اللبناني".
ويجزم سعدو بأن "عملية إنهاء كل المشكلات بين البلدين تسير بهدوء، وبعين واعية وعاقلة لمصلحة الجهتين"، مضيفاً أن "المستقبل تحدث عنه الرئيس الشرع وفق مقاربة سورية تعتمد على الحوار، وتبتعد عن العسكرة كلياً".
ولا يخفي الشرع ما يحمله الشعب السوري من جراح عميقة نتيجة تدخل "حزب الله" في الحرب السورية إلى جانب نظام الأسد، والحرس الثوري الإيراني. وكشف في حديث تلفزيوني عن رفض بلاده تكرار تجارب الماضي، مشجعاً جميع القوى اللبنانية بما فيها الحزب على البحث عن حلول تضمن أمن واستقرار لبنان.