ملخص
يبدو أن الإجراءات التي نشاهدها في واقع سياسة الحكومة الأميركية اليوم هي تحت حماية حقيقية تدعم خطاب ترمب الإعلامي وتدار عبر تحالفات وثيقة مع أقطاب التكنولوجيا الجدد مثل إيلون ماسك ومنصة "إكس"، إضافة إلى منصته الخاصة "تروث سوشيال"، وهذا التحالف أعاد توجيه تدفق الأخبار الرقمية وخلق بيئة خوارزمية تمنح الأولوية للمحتوى اليميني والمحافظ، مع إضعاف وصول المنصات الإخبارية التقليدية.
فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبضة حديدية غير مسبوقة على البيروقراطية الفيدرالية في واشنطن عبر حزمة قرارات هيكلية وقانونية صامدة لتفكيك ما يسميه "الدولة العميقة" وإخضاع الجهاز الإداري للإرادة الرئاسية المباشرة.
لم تعُد هذه السيطرة مجرد شعارات سياسية، بل تُرجمت إلى سياسات تنفيذية صارمة تشمل إعادة تصنيف الموظفين وتقليص حجم الحكومة وفرض معايير الولاء والكفاءة التنافسية، وتتلخص أبرز ملامح هذه القبضة الحديدية وآلياتها في أنها تصنيف "المسار المهني للسياسات".
وتعتبر هذه الإجراءات الركيزة الأساسية للسيطرة على البيروقراطية، إذ أصدر ترمب أمراً تنفيذياً يقضي بنقل آلاف الموظفين الفيدراليين الكبار (من الفئات التي تصنع السياسات أو تؤثر فيها) إلى تصنيف وظيفي جديد يُعرف بـ(Schedule Policy/Career) الذي كان يُعرف سابقاً باسم (Schedule) أي تجريد من الحماية الوظيفية.
وبموجب هذا التصنيف، جُرّد قرابة 8 آلاف موظف من كبار البيروقراطيين والمستشارين، بخاصة في المستوى الرفيع مثل مديري مكاتب السياسات والمستشارين القانونيين، من الحماية التقليدية للخدمة المدنية.
ويعزز هذا التوجه أخيراً بقرار للمحكمة العليا الأميركية وسّع نطاق صلاحيات الرئيس في عزل بعض مسؤولي الهيئات الفيدرالية المستقلة، إذ رأت الأغلبية أن المسؤولين الذين ينفذون سلطة الرئيس يخضعون لسلطته في الإقالة، مع استثناء أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وعدّ ترمب الحكم انتصاراً تاريخياً لصلاحيات الرئاسة، بينما حذر القضاة المعارضون والديمقراطيون من أنه قد يفتح الباب أمام مزيد من تسييس الهيئات المستقلة.
بالتالي يتحول هؤلاء إلى موظفين "بحسب الرغبة (At-will employees)"، مما يمنح الإدارة صلاحية فصلهم فوراً وبصورة حاسمة "إن أظهروا أية مقاومة أو تباطؤ في تنفيذ الأجندة الرئاسية".
وعلى رغم أن التقديرات الأولية كانت تستهدف 50 ألف موظف، فإن خطوة حصرها في الـ 8 آلاف الأهم ركزت الضربة في عصب صناعة القرار الإداري، وهي قرارات غير مسبوقة في نطاقها وتصعيدها.
إنها ليست جديدة في التاريخ الوظيفي الأميركي، إذ لجأ رؤساء سابقون مثل جيمي كارتر ورونالد ريغان إلى تقليص الهيكل الإداري عبر اعتماد أسلوب التجميد الوظيفي، لكن طريقة ترمب تعمد إلى خلق طابع وظيفي يحكم السيطرة السياسية عبر ضمان ولاء القيادات الفيدرالية العليا لتنفيذ أجندته من دون عوائق بيروقراطية، مما يثير انقساماً حاداً في الولايات المتحدة بين رؤيتين متناقضتين وهي رؤية المعارضين والنقابات العمالية التي ترى أنها تعيين للموالين لترمب وهي محاولة لإحياء "نظام المحسوبية السياسي"، بخاصة مع اعتماد أسئلة مقالية ذات طابع سياسي، مما اعتبره الخبراء "تصفية مسبقة للمتقدمين بناء على توافقهم مع فكر إدارة ترمب".
في المقابل ترفض إدارة ترمب ومؤيدوها مصطلح "اختبارات الولاء" ويبررون هذه الإجراءات بأنها أهداف إصلاحية تشمل تحقيق الفاعلية الحكومية، ومبادرة تحسين القوى العاملة بالتعاون مع وزارة "كفاءة الحكومة"، إلا أن الأسلوب يهدف إلى تقليص أعداد الموظفين بصورة جذرية، ويحث الوكالات على توظيف موظف واحد فقط مقابل كل أربعة موظفين يغادرون الخدمة أو يتقاعدون (باستثناء قطاعات الأمن القومي والهجرة).
وتقدم الإدارة حزماً تشجع الاستقالة الطوعية وتعِد بتعويضات ومكافآت مالية لتشجيع الموظفين القدامى ذوي الميول المعارضة للإدارة على الاستقالة الطوعية، مما أدى إلى خروج مئات آلاف الموظفين من الخدمة الفيدرالية.
وأيضاً كخطوة تؤكد صرامة تنفيذ هذه القرارات، ألغت إدارة ترمب سياسات العمل المرن والعمل من المنزل التي توسعت خلال الأعوام الأخيرة، وألزمت جميع موظفي واشنطن العودة للمكاتب خمسة أيام في الأسبوع، وهذه الخطوة دفعت شريحة واسعة من التقنيين والموظفين الذين يرفضون هذا الانضباط الصارم إلى تقديم استقالاتهم، مما ساعد الإدارة في عملية "تطهير" تلقائية للجهاز الإداري، وإلغاء برامج كاملة تعتبرها "مبذرة أو ذات صبغة أيديولوجية معارضة كما يراها المؤيدون لترمب".
قبضة حديدية شاملة وعدم الإفشاء
أدى تجميد وإلغاء كثير من البرامج والمبادرات "التنوع والإنصاف والشمول" (DEI) في مؤسسات الدولة كافة كما ذكرت، إلى وقف العمل بقوانين ومبادرات المناخ والبيئة في بعض الدوائر وإعادة فتح الباب لمشاريع الطاقة التقليدية والمستثمرين من غير قيود وهي تطبيق لمنهج ترمب الشعاري "إحفر ياعزيزي إحفر" (Drill, baby, drill) الذي اعتمده ترمب في حملاته الانتخابية وتحدى عبره معارضيه خلال الأعوام الأخيرة، إضافة إلى رفضه اتفاقات عدم الإفشاء وسد الثغرات لمواجهة ظاهرة "التسريبات" للصحافة التي عانتها إدارته الأولى، فألزمت الإدارة الحالية موظفي الفيدرالية التوقيع على اتفاقات صارمة لعدم الإفشاء، واعتبرت تسريب أية معلومات متعلقة بالسياسات الداخلية سبباً للفصل الفوري والملاحقة القانونية.
النتيجة السياسية الحالية هي أن هذه "القبضة الحديدية" أدت إلى تحول تاريخي في ميزان القوى داخل العاصمة الأميركية، فبعد عقود من تمتع البيروقراطية الفيدرالية باستقلال شبه تام عن الإدارات المتعاقبة، أصبحت الوكالات اليوم تعمل تحت رقابة رئاسية صارمة.
وبينما يرى أنصار ترمب أن هذا يمثل إعادة السلطة للشعب عبر رئيسه المنتخب وتفكيكاً للفساد الإداري واستعادة النزاهة في الحكومة كون الحجة هنا أن الموظفين الفيدراليين الكبار كانوا يشكلون "دولة داخل دولة" ويعطلون قرارات الرئيس المنتخب بناء على أجندتهم الشخصية، يرى المنتقدون أن هذه الإجراءات تقضي على حياد الخدمة المدنية وتحول الأجهزة الفيدرالية إلى أدوات مسيسة بالكامل وتسبب في إشعال أزمة سياسية وقانونية واسعة النطاق بين البيت الأبيض والجهاز الإداري للدولة.
ذاكرة مؤسسية جديدة يراهن عليها ترمب
والملاحظ بالفعل أن مركز ثقل صناعة القرار الإداري والسياسي بالكامل تحول من خلال هذه الإجراءات إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض بالفعل، عبر تتبع الأنماط التاريخية في التوظيف الأميركي الذي ربما شكل بغير عمد مفهوم الدولة العميقة وأدى الى تفكيك الذاكرة المؤسسية ذات النسيج البيروقراطي المتشعب داخل الحكومة الأميركية بصورة عامة.
وإن كانت جبهة المؤيدين للوضع ترى أنها استعادة الديمقراطية وتطهير الدولة وانتصار للمواطن الذي راهن على جمهورية ترمب التقليدية وانتخب رئيساً وعد بتنفيذ برنامج محدد يخفض كلف المعيشة ويكبح التضخم ويجنبه الصراعات الخارجية المكلفة، إلا أن ذلك يبدو تسييساً لدولة من وجهة نظر كثرٍ من المحللين المتخصصين في الشأن الأميركي وتاريخه، ولا سيما مع تحويل الإدارة العامة الموظفين إلى نمط "بحسب الرغبة" وبحسب مزاج نظام الولاء الأعمى، مما لم يكُن مألوفاً في نمط الحكومات السابقة أو في الأقل لم يكُن بهذه الشفافية في التطبيق، بالتالي تحويل الجهاز الفيدرالي بالكامل إلى مؤسسة تابعة للحزب الحاكم، مما يعني شلل الكفاءات الفنية وخسارة أصحاب الخبرات الطويلة وهو ما حصل بالفعل.
ووفقاً لعدد من المقالات والتحليلات نشرت في "نيويورك تايمز"، فإن تقديم عدد من المستشارين القدماء في الحكومات السابقة استقالاتهم بعد الإجراءات الأخيرة الصادرة من إدارة ترمب، يعود لعقلية ترمب التجارية، وأن أي شيء يعود للحكومات السابقة في البيت الأبيض إنما هو "كلف زائدة"، مما اضطر إلى تسريح آلاف الموظفين وتقديم الآخرين استقالاتهم طوعياً حفظاً لكرامتهم، وهي إجراءات تزيد مخاوف المحليين من هذه المنهجية التي تهدف إلى منح التقنيين والشباب صلاحيات العمل المباشر على الأنظمة الحساسة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تسييس بيئة التلقي في الإعلام الأميركي
نجح دونالد ترمب في إحداث استقطاب حاد وتغيير هيكلي طاول حتى المشهد الإعلامي الأميركي، لكنه لم يتمكن من إلغاء "الإعلام الحر" بالكامل نظراً إلى المظلة القانونية التي يوفرها الدستور الأميركي، وإن كان كما عرضنا تمثلت استراتيجيته في "تسييس" الجهاز الإداري بصورة واضحة وملموسة، بالتالي ستطاول تسييس الإعلام بلا شك، إذ إن معركة دونالد ترمب مع الإعلام لم تعُد مجرد "تغريدات هجومية" أو شعارات حماسية كما كانت الحال خلال ولايته الأولى، بل تحولت في إدارته الحالية إلى منظومة ضغط مؤسسي وقانوني واقتصادي متكاملة تستهدف إعادة تشكيل البنية التحتية للإعلام الأميركي، في الأقل أثناء فترة رئاسته الحالية.
وهذا ما حدث لبرامج عدة من خلال كسب تفاعل الجمهور مع الأخبار، وتحويل وسائل الإعلام إلى طرف سياسي مباشر في الصراع الحزبي، بل تجلت استراتيجية "الضغط والتسييس" عبر التعيينات القيادية في الهيئات المستقلة، إذ لا بد من أن تخدم المصلحة، وهذا ما تكشف عنه الحملة غير المسبوقة لرئيس هيئة الاتصالات الفيدرالية بريندان كار لمحاصرة الشبكات الكبرى ومعاقبة التحيز السياسي والأخبار الكاذبة، إذ يرى أن وسائل الإعلام الرئيسة مثل Legacy Media)) فقدت صدقيتها بصورة كاملة، وهدد ضمن تصريح سابق له بسحب تراخيص البث التلفزيوني وتغطية الحرب الإيرانية من بعض المحطات، في استجابة مباشرة لانتقادات علنية وجهها ترمب لتغطية تلك القنوات.
في المقابل يرى محللون أنه من الطبيعي أن تتخذ إدارة ترمب أسلوباً مغايراً ومضاداً يعمل على تشجيع الاحتكار والاندماج لتمكين المنصات الحليفة، تماشياً مع خطة "أجندة 47" Agenda47 وهي تمثل رؤيته المباشرة لتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية وإعادة هيكلة الحكومة الفيدرالية، وهي كما نلاحظ تدعم عمليات اندماج ضخمة بين شركات البث المحلية مثل مباركة اندماج Nexstar وTegna بهدف خلق كيانات إعلامية عملاقة تغطي غالبية منازل الأميركيين وتخدم الأجندة المأمولة.
ومن جانب آخر يرى موقع Committee to protect Journalists أن عام 2026 شهد تصعيداً لافتاً في استخدام فكرة "الأمن القومي" لترهيب العمل الصحافي الاستقصائي، بخاصة بالتزامن مع التوترات العسكرية وحرب إيران، وظهور ترمب في عدد من اللقاءات ووصفه صراحة التغطيات الصحافية لبعض الصحف الكبرى مثل "نيويورك تايمز" بأنها ترقى إلى درجة "الخيانة العظمى"، وخرج أيضاً بتهديدات علنية مباشرة للمؤسسات الإعلامية بضرورة الكشف عن مصادرها السرية في التسريبات العسكرية أو مواجهة عقوبة السجن، مما يضرب جوهر حرية الصحافة وحماية المصادر.
التحالف الوجودي مع التكنولوجيا الكبرى المحافظة
يبدو أن الإجراءات التي نشاهدها في واقع سياسة الحكومة الأميركية اليوم هي تحت حماية حقيقية تدعم خطاب ترمب الإعلامي وتدار عبر تحالفات وثيقة مع أقطاب التكنولوجيا الجدد مثل إيلون ماسك ومنصة "إكس"، إضافة إلى منصته الخاصة "تروث سوشيال"، وهذا التحالف أعاد توجيه تدفق الأخبار الرقمية وخلق بيئة خوارزمية تمنح الأولوية للمحتوى اليميني والمحافظ، مع إضعاف وصول المنصات الإخبارية التقليدية.
بالتالي عندما نذكر أن الإعلام الأميركي حُر فهو حر في الحقيقة، ولكن هو يواجه محاولات مستميتة من إدارة ترمب الأولى، والعام الحالي نجحت الإدارة في خلق "بيئة مأزومة" يُحرم فيها الإعلام الليبرالي أو المستقل من الوصول المريح للمعلومات ويواجه قضايا قانونية مكلفة ويتعرض لضغوط تسويقية وتنظيمية خانقة.
وعلى كل هذا التغيير الهيكلي الذي شمل كل شيء وعلى رغم المؤيدين والمعارضين، جعل الإعلام يظهر أمام المواطن الأميركي كـ "أداة صراع" وليس "سلطة رابعة" كاشفة للحقيقة، وهو النجاح الأكبر لاستراتيجية "التسييس".
ويأتي قرار المحكمة العليا الأخير ليمنح إدارة ترمب دعماً قانونياً إضافياً في إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي، فيما يرى مؤيدوه أنه يعزز مساءلة السلطة التنفيذية، ويحذر منتقدوه من أنه قد يضعف استقلالية الهيئات الفيدرالية.