ملخص
في حوار مع اندبندنت عربية قال السفير السوداني في بريطانيا بابكر الصديق محمد الأمين، إن الجرائم التي يتهم بها لاجئون سودانيون لا يجب أن تُعمم على جالية تتميز بمساهمة كبيرة وقديمة في المجتمع البريطاني، ولفت إلى أن السفارة تواصلت مع الجهات المعنية من أجل إعادة النظر بحظر تأشيرات الدراسة للطلبة السودانيين، وأكد أن لندن والخرطوم متفقتان على ضرورة الإسراع في إنهاء الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية على المتضررين منها، ووقف دعم الميليشيات الإرهابية.
خلال يونيو الجاري وقعت جريمة في بلفاست عاصمة إيرلندا الشمالية، حاول لاجئ سوداني فيها طعن مواطن، وعلى أثر الحادثة اشتعلت أعمال شغب ضد المهاجرين في مناطق مختلفة، الحادثة ذكرت البريطانيين بجريمتين وقعتا العام الماضي، واتهم فيهما سودانيان أيضاً، كذلك أوقفت حكومة لندن قبل أشهر إصدار تأشيرات الدراسة للطلبة السودانيين بحجة ارتفاع عدد المتقدمين بطلبات اللجوء بينهم.
برأي السفير السوداني لدى المملكة المتحدة بابكر الصديق محمد الأمين، فإن المخالفات التي يرتكبها بعض السودانيين يجب أن تقرأ كأحداث فردية لا تعمم، ولا تحاكم على ضوئها جالية بأكملها، أما ما أفرزته الحرب في السودان من تداعيات على حياة حملة جنسية البلد العربي الأفريقي، أو المتحدرين من أصوله، فهي ظلال مرحلة عابرة ستزول بانتهاء الحرب، ولن تلغي تاريخ الجالية ومساهمتها في بريطانيا.
يقول السفير الصديق في حوار مع "اندبندنت عربية"، إن "ما حدث في بلفاست حادثة فردية، ليس من المنطق أو العدل أن تُختزل الجالية السودانية فيها، فالوجود السوداني في بريطانيا قديم جداً، والسودانيون لديهم مساهمة كبيرة جداً في كثير من أوجه الحياة والأنشطة العامة في عموم مدن المملكة المتحدة".
يستدعي السفير أمثلة عدة عن الحضور السوداني في الإعلام والأكاديمية وغيرهما من مجالات العمل، ويقول إن 7 آلاف طبيب من أبناء الجالية يعملون في هيئة خدمات الصحة الوطنية، بالتالي يبدو من المجحف تجاهل مساهمات السودانيين في بريطانيا، واختزالها بجريمة ما زال المشتبه فيها متهماً حتى الآن.
المتهم بجريمة بلفاست طالب ولم يعمل مع الشرطة السودانية
بحسب السفير، فإن جريمة بلفاست التي يتهم فيها لاجئ يدعى هادي العديد، استغلت من قبل مجموعات تعارض وجود المهاجرين والهجرة، كما أن المعلومات التي نشرتها صحيفة "ديلي تلغراف" في شأن عمل المتهم ومسقط رأسه ليست دقيقة، فهو وفق السجل المدني مسجل كطالب ويتحدر من مدينة سودانية أخرى.
أوضحت السفارة للصحيفة خطأ معلوماتها لكنها لم تصححها، وعرضت السفارة على الجهات المعنية في بريطانيا التعاون في التحقيق في شأن قضية العديد، وطالبت بالتواصل مع المتهم كمواطن سوداني أو من أصول سودانية، وفق ما تتيحه القوانين الدولية وما يسمى اتفاق فيينا للإجراءات القنصلية.
يثق السفير الصديق بأن التحقيق مع المتهم سيجري بطريقة مهنية وعادلة، وأن المشتبه فيه سيأخذ كل حقوقه، فالشرطة البريطانية مشهورة بالمهنية، وقضاء المملكة المتحدة مستقل وعادل، وفيما دانت السفارة الجريمة، تمنى السفير أن لا تتجاوز تداعياتها حدود الحالة الفردية التي قد تحدث في كل مكان حول العالم.
صحيح أن التعميم انطلاقاً من هذه الحادثة على اللاجئين والمهاجرين السودانيين يبدو خاطئاً، لكن في العام الماضي وقعت جريمتان في بريطانيا اتهم فيهما سودانيان أيضاً، يقول السفير الصديق إن أحدهما كان من دولة جنوب السودان، وهو لا يرى في الأخرى مبرراً ومسوغاً للنظر إلى الجالية ككل بعين الاتهام.
يقول السفير إن عدد السودانيين في بريطانيا يقدر بين 90 إلى 100 ألف، واتهام واحد أو اثنين منهم بجرائم يعد شهادة حسن سلوك للجالية، و"حتى من الناحية الإحصائية، يبدو الأمر دون دلالة أو معنى، كما أنه لا يوجد جنسية أو مجتمع أو جالية معصومة من أن يكون بينها من يرتكب خطأ، ويخالف القانون".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لغة الأرقام
يشدد السفير السوداني على أن الجالية معروفة بانضباط أفرادها وسلميتهم واحترامهم للقوانين ومساهمتهم الإيجابية في المجتمع، ولكن لغة الأرقام التي استدعاها السفير لتأكيد ذلك، استخدمتها الحكومة البريطانية قبل أشهر لتبرير وقف إصدار التأشيرات للطلبة السودانيين بحجة ارتفاع طالبي اللجوء بينهم.
"نحترم الحق السيادي للحكومة البريطانية في أن تتخذ ما تراه مناسباً، ولكن حيثية القرار ليست دقيقة أو كافية"، هكذا يقرأ السفير الصديق قرار وقف التأشيرات، وهو يأمل بأن يعاد النظر فيه، منوهاً بأن السفارة تواصلت مع الجهات المعنية في شأن ذلك، وأبدت انفتاحاً على التغيير في حال تغير المؤشرات.
ويوضح السفير أن لندن في هذا الحظر استندت إلى نسب يستجيب لها النظام تلقائياً، فعندما تجاوزت نسبة المتقدمين بطلبات لجوء 15 في المئة من إجمال الطلبة توقفت التأشيرات، لكن ماذا عن الأسباب التي دفعت 120 طالباً سودانياً من 260 إلى طلب اللجوء، وهل تؤيد السفارة إقدامهم على هذه الخطوة.
7 آلاف طبيب سوداني في صفوف الصحة الوطنية البريطانية
يؤكد السفير أن الخرطوم لا تشجع الطلبة السودانيين على اللجوء، بل تحثهم على العودة للمشاركة في إعادة إعمار البلاد، وبخاصة هؤلاء الذين جاؤوا المملكة المتحدة من طريق منح تشترط أصلاً عودتهم إلى السودان بعد انتهاء تحصيلهم العلمي، ولكن عودة الطلبة تحتاج إلى تسوية وتهيئة الأوضاع في الوطن الأم.
بحسب السفير الصديق، عندما اندلعت الحرب في السودان عام 2023 كان هناك عدد من الطلاب حصلوا على منح في بريطانيا وانتهت فترة دراستهم وإقامتهم كطلاب، إلا أنه لم تتوافر رحلات طيران إلى السودان والحرب على أشدها، وحينها استعان الطلبة بوزارة الداخلية التي نصحتهم بثلاثة خيارات، إما أن يتقدموا بطلب لجوء إنساني، أو يحصلوا على ما يسمى تأشيرة الخريج، أو يسافروا إلى بلد ثالث.
ويوضح السفير أن "إقامة الخريج" في بريطانيا تكلف مالاً وأن الطلبة السودانيين أتوا على منح، كما لم يكن عملياً أن يسافروا إلى بلد ثالث لأن التأشيرات إلى أي مكان تنطوي على إشكاليات، لذلك تقدموا بطلبات لجوء استناداً إلى ظروف موضوعية لم تتغير، فنحن نتكلم عن اللجوء الإنساني من بلد ما زال يشهد حرباً، في بعض أجزائه في الأقل، والعودة إليه تتطلب بعض الوقت حتى تسوى الأمور، وفق تعبيره.
أشار السفير إلى مذكرة من مجموعة "راسل" للجامعات لا تؤيد حظر تأشيرات طلبة السودان، ولفت إلى تاريخ الابتعاث والعلاقات الثقافية الأكاديمية بين السودان وبريطانيا، فهو يمتد على قرن من الزمان، ظل خلاله السودانيون يسهمون بصورة جيدة جداً في المجال الأكاديمي البريطاني والسوداني على السواء.
الهجرة والجريمة
عندما تُغلق أبواب الهجرة النظامية إلى بريطانيا يلجأ السودانيون كغيرهم إلى المسارات غير الشرعية، فهل يمكن اعتبار السودان اليوم دولة مصدرة للاجئين؟ وهل هناك "جريمة منظمة" لتهريب البشر منها إلى أوروبا؟
برأي السفير "أسهمت الهجرة في تطور البشرية عبر أوجه مختلفة، كما أن أوروبا في وقت من الأوقات كانت مصدراً للهجرات، وكثير من الدول المتقدمة هي دول مهاجرين، وبسبب المهاجرين تطورت إلى حد كبير".
ويدعو السفير إلى التعامل مع الهجرة بطريقة عملية وواقعية تنشد تحقيق المصلحة للجميع، فتضييق التأشيرات يشجع على القدوم بصورة غير قانونية، ويشدد السفير على أن السودان مَعبر أكثر من كونه مصدراً للمهاجرين، فهو يطل على 7سبع دول، أربع أو خمس منها معروفة بتصدير المهاجرين، وفق قوله.
والسودان نفسه، بحسب السفير، مقصد للهجرة من جواره. ففي ظل الحرب، ثمة أكثر من 4 ملايين مهاجر داخله من دول مختلفة، أما تهريب البشر والاتجار بهم فهما من الجرائم العابرة للحدود، والتي يجب أن يكون هناك تعاون دولي لمحاربتها، والسودان جزء من هذه الجهود ومستعد للتعاون في هذا المجال.
الداخلية البريطانية نصحت الطلبة السودانيين باللجوء في 2023
الحرب والدعم
عندما نتحدث عن وقف الهجرة واللجوء من السودان، فنحن نقصد بالدرجة الأساس معالجة المشكلة من جذورها، وهذا يتطلب وقف الحرب في السودان، فهل حكومة لندن تبذل جهدها لإنهاء أزمة البلد العربي – الأفريقي.
يشدد السفير على وجود "اتفاق بين السودان وبريطانيا على الأهداف العريضة، وهي إنهاء الحرب بأسرع ما يمكن، وتخفيف المعاناة الإنسانية، ورفض التدخلات الأجنبية"، لكن بالنسبة إلى الخرطوم فإن التدخل الأجنبي والرعاية الأجنبية لميليشيات "الدعم السريع" هي السبب في استمرار الحرب، على حد تعبيره.
ويدعو السفير المجتمع الدولي إلى بذل جهد وضغط حقيقيين على رعاة الميليشيات الإرهابية، ووقف رحلات تزويدها بالسلاح والمرتزقة. فهؤلاء في رأيه هم من يغذون الحرب، ويمكنون الميليشيات من مواصلة ارتكاب الجرائم المروعة، من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي واستهداف للأبرياء.
وفق السفير "هناك نحو 20 ألفاً من الرهائن والمختطفين موجودون في سجون تتبع لميليشيات ’الدعم السريع‘ في مناطق بدارفور، سجنان في الأقل، يحتجزون فيهما مدنيين في غالبيتهم، بينهم نساء وأطفال اختُطفوا من مناطقهم كرهائن، ويتعرضون للموت البطيء لأنه لا يُقدم لهم الطعام أو الرعاية الصحية، ويتكدسون داخل مناطق ضيقة، والميليشيات تبتز ذويهم لإطلاق سراحهم مقابل دفع أموال كثيرة".
تداعيات الحرب
على الصعيد الإنساني، تقدر السفارة للحكومة البريطانية جهودها وقد خصصت 146 مليون جنيه استرليني سنوياً على مدى الأعوام المقبلة لدعم السودان، ويقول السفير إن المساعدات البريطانية تقدم عبر وكالات الأمم المتحدة وبعض الوكالات الدولية، وتصل إلى كل المناطق التي توجد فيها حكومة السودان، "لكن المشكلة في مناطق الميليشيات التي تستخدم التجويع كسلاح ولا تسمح بدخول المساعدات".
ويشير السفير إلى أن الخرطوم طلبت من لندن تحويل المساعدات من الإغاثة الطارئة إلى الإنعاش المبكر، فالسودان بلد زراعي ونسبة كبيرة من سكانه مزارعون وقادرون على إنتاج ما يكفي لإطعامهم وإطعام جيرانهم وحتى أفريقيا، لذا "نحن طالبنا بأن يُعاد توجيه المساعدات من أغذية ودعم إنساني، إلى مدخلات إنتاج، ومساعدة السودانيين في إعادة تأهيل قطاعات الزراعة والصحة والمياه والطاقة".
طلبنا من بريطانيا التحول من الدعم الإنساني إلى مدخلات الإنتاج
والحديث عن تداعيات الحرب يقودنا إلى تلك الأضرار التي طاولت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، إذ يقول السفير إن كثيراً من الأنشطة الاقتصادية في السودان تضررت، وبخاصة قطاعي الصناعة والزراعة، لكن طبعاً الحرب أيضاً تتيح فرصاً كبيرة تتيحها إعادة الإعمار والبناء في بلاده.
ويلفت السفير الصديق إلى أن بريطانيا لديها علاقات قديمة بدولة السودان، ومعرفة بسوقه وحاجات الإنتاج في قطاعات مختلفة فيها، كما أن الخبرة البريطانية في المجالات المالية والإدارية والهندسية وإعادة البناء وتأهيل البنى الأساس، كلها تفتح الباب أمام فرص استثمارية مهمة لشركات المملكة المتحدة".
عند الحديث عن تداعيات الحرب أيضاً نتوقف عند الخدمات القنصلية التي تقدم للجالية في بريطانيا، فهناك من يقول إن هناك تأخيراً أو عدم انسيابية في دعم السودانيين المهاجرين بالوثائق والتأشيرات والأوراق الثبوتية، لكن السفير ينفي كل ذلك، ويقول إن السفارة تلمس رضا كبيراً من أبناء الجالية تجاه خدماتها.