Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصين تغلق طريق التنمية أمام الدول الفقيرة

تسعى بكين إلى ما تعدّه النظرية الاقتصادية أمراً شبه مستحيل: الاحتفاظ بميزة نسبية في كل شيء تقريباً

في مصنع شاحنات في باوتو، الصين، يونيو 2026 (ماكسيم شيميتوف/ رويترز)

ملخص

تتمسك الصين بهيمنتها على الصناعات المتقدمة والقطاعات كثيفة العمالة معاً، ما يحرم الدول الأفقر من الطريق التقليدي للخروج من الفقر عبر التصنيع والتصدير. الضغط الصيني لم يعد مشكلة غربية فحسب، بل تهديداً لمسارات التنمية في أفريقيا وآسيا، ولا يمكن تخفيفه إلا إذا قبلت بكين بدور قيادي يفتح المجال لصعود الآخرين.

تتعامل الصين، على نحو متزايد، مع نفسها بوصفها قوة عظمى عالمية، بما يرافق هذه المكانة من نفوذ ومسؤوليات. ومع صعودها، بات العالم مضطراً إلى النظر في ما إذا كانت تصلح قوة مهيمنة محتملة ومصدراً للمنافع العامة التي يستفيد منها المجتمع الدولي بأسره. ولكن في أحد المجالات المهمة، قد تتحول قوتها إلى نقطة ضعف حقيقية، إذ إن كثيراً من الدول الأفقر تخشى من أن صعود الصين الاقتصادي لن يتيح لها مجالاً للتصنيع. وخلافاً للولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي ساعدت في الماضي على تسهيل التصنيع في الدول الأفقر (بما فيها الصين)، فإن بكين تسير حالياً في الاتجاه المعاكس.

لا تكتفي الصين بالصعود على سلم التكنولوجيا، بل إنها تسحب السلّم من خلفها. فهي تهيمن على الصناعات الحديثة الأكثر تقدماً، مثل السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، والبطاريات، والطائرات المسيّرة، لكنها لم تتخلَّ عن القطاعات التقليدية كثيفة العمالة التي مكّنتها، ومكّنت غيرها من الدول الغنية ومتوسطة الدخل، من الخروج من الفقر. وبذلك، تسعى الصين إلى ما تعدّه النظرية الاقتصادية أمراً شبه مستحيل: الاحتفاظ بميزة نسبية في كل شيء تقريباً.

وتبدو هذه الاستراتيجية أشد غرابة في وقت تتسع فيه الاختلالات العالمية من جديد. فقد بلغ فائض الصين التجاري، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مستوى تاريخياً غير مسبوق. وحذّر صندوق النقد الدولي من أن الاختلالات الخارجية وما تخلّفه من تداعيات تجارية تولّد آثاراً سلبية على الشركاء التجاريين. وكما كتب براد سيتسر وشاهين فالي أخيراً في مجلة "فورين أفيرز"، فإن تلاعب الصين بسعر عملتها يقوض النظام التجاري العالمي. وقد أدت آخر مرحلة كبرى من الفوائض الصينية، التي امتدت تقريباً خلال العقد الأول من هذا القرن، إلى ما سمّاه باحثون كثر "الصدمة الصينية" الأولى: طفرة في الصادرات المتجهة إلى الولايات المتحدة أضعفت قطاعات واسعة من الصناعة الأميركية. وقد غيّرت تلك الصدمة وجه السياسة الأميركية، وأسهمت في خلق إجماع نادر بين الحزبين ضد التجارة الحرة وضد الصين.

أما الصدمة الجديدة فمختلفة. فهي أقل وطأة على الولايات المتحدة، حيث حدت الرسوم الجمركية والحظر والقيود المرتبطة بالأمن القومي من منافسة الواردات الصينية بقرارات مباشرة. لكنها أكثر وضوحاً في أوروبا، لا سيما في ألمانيا، التي بُني نموذجها الصناعي على محركات الاحتراق الداخلي وما يرتبط بها من منظومة هندسية متقدمة. وقد حوّل صعود الصين في مجال السيارات الكهربائية والتقنيات الخضراء التحدي التجاري إلى تهديد وجودي لعدد كبير من الصناعات الأوروبية.

لكن التركيز على أثر الاستراتيجية الاقتصادية الصينية في الولايات المتحدة وأوروبا حجب مشكلة أكبر. فالضحايا الأكثر تضرراً من الصدمة الصينية الحالية ليسوا عمال ديترويت أو شتوتغارت، بل عمال المستقبل في أماكن مثل أديس أبابا، ودكا، ولاغوس، ونيروبي، وبنوم بنه، وسورات، وتيروبور. ولا تُقاس خسائر هؤلاء أساساً بعدد الوظائف التي أُلغيت أو المصانع التي أُغلقت، بل بالمصانع التي لم تُبنَ أصلاً، وأسواق التصدير التي لم يدخلوها، والقدرات التي لم يكتسبوها، ومسارات التنمية التي لم تُفتح أمامهم. هذا هو الثمن الحقيقي لما يُعرف اليوم بـ"الضغط الصيني".

إن مخاطر الضغط الصيني هائلة. فالمسألة لا تقتصر على مئات المليارات من الدولارات في صادرات ضائعة، بل تتصل أيضاً بما إذا كانت الدول المتأخرة في مسار التنمية ستظل قادرة على الوصول إلى أكثر طرق التحول الهيكلي موثوقية في العالم. تاريخياً، اعتمدت كل دولة تقريباً انتقلت من الفقر إلى الازدهار على صادرات الصناعات التحويلية، مثل الملابس، والألعاب، والأحذية، والأثاث، وتجميع الإلكترونيات، وغيرها من القطاعات التي تستوعب أعداداً كبيرة من العمال الأقل مهارة، وفي الوقت نفسه تساعد على بناء الشركات، والخدمات اللوجستية، والمعرفة الفنية، وقدرات الدولة. وقد استفادت الصين كثيراً من نظام تجاري مفتوح مكّنها من انتشال مئات الملايين من البشر من الفقر عبر التصنيع للسوق العالمية. أما الآن، فقد يسد صعود الصين هذا الطريق نفسه أمام الدول الأفقر منها.

الضغط الأكبر

يقع جزء كبير من الفائض التجاري الصيني في الصناعات التحويلية، أي الفرق بين صادراتها ووارداتها، تحديداً في المجالات التي يُفترض أن تمتلك فيها الدول الأفقر أفضل فرصها. فمن إجمالي فائض الصين الصناعي البالغ نحو 2.2 تريليون دولار، يتركز ما بين 700 مليار و1.4 تريليون دولار تقريباً في قطاعات تعتمد بكثافة على العمالة الأقل مهارة، مثل الملابس، والأحذية، والألعاب، والأثاث، وتجميع الإلكترونيات. وهذه هي المجالات نفسها التي تنافس فيها الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ذات الأعداد الكبيرة من العمال، الصين بصورة مباشرة.

وأبسط طريقة لقياس هذه الديناميكية هي النظر إلى حصة الصين من الصادرات العالمية في السلع التي تعتمد على عمالة أقل مهارة. فقد ارتفعت حصة الصين من إجمالي الصادرات، بما في ذلك السلع النهائية مثل القمصان والأحذية، ارتفاعاً حاداً منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، وبلغت ذروتها بأكثر من 60 في المئة عام 2014، ثم بدأت في التراجع. وقد يوحي هذا النمط بأن الضغط قد تراجع.

لكن إجمالي الصادرات لا يكشف الصورة كاملة. فالقميص ليس مجرد منتج نهائي، بل يدخل في صنعه نسيج وخيوط وسحابات وأزرار، إضافة إلى التغليف والخدمات اللوجستية والتصميم. وعند احتساب القيمة الكاملة المضمّنة في الصادرات، أي ما يسميه الاقتصاديون "الصادرات ذات القيمة المضافة"، وهي مؤشر أدق إلى الوظائف والقدرات التي تنشأ على امتداد سلسلة التوريد، يتبين أن حصة الصين من السلع المعتمدة على العمالة الأقل مهارة لم تشهد انخفاضاً يُذكر. على العكس، واصلت هذه الحصة الارتفاع، باستثناء تراجع قصير. فالصين لم تعد تهيمن على التجميع النهائي وحده، بل باتت تسيطر بصورة متزايدة أيضاً على إنتاج المدخلات المستخدمة فيه. وقد تنتج عدداً أقل من القمصان، لكنها تنتج قدراً أكبر من الخيوط والسحابات والأزرار وغيرها من المكونات اللازمة لصناعة الملابس.

يمكن للاقتصاديين أن يقدّروا ما إذا كانت هذه الهيمنة تتجاوز حدودها الطبيعية. فهم ينظرون، مثلاً، في ما إذا كانت حصة الصين من الصادرات المعتمدة على العمالة الأقل مهارة تتناسب مع حصتها من العمالة الأقل مهارة في العالم. ويمكنهم أيضاً مقارنة الصين بالاقتصادات المتقدمة اليوم عندما كانت عند مستوى دخل مماثل. وتساعد هذه المقاييس، مجتمعة، على تقدير مدى تشويه الصين للاقتصاد العالمي.

في الصناعات التحويلية كثيفة العمالة، يُفترض عموماً أن تقترب حصة أي دولة من الصادرات العالمية من حصتها في العمالة الأقل مهارة عالمياً، أو على الأقل ألا يبتعد المؤشران كثيراً أحدهما عن الآخر إذا كانت التكنولوجيا والإنتاجية متقاربتين بين الدول. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، كانت حصة الصين من العمالة الأقل مهارة، بين جميع الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، متوافقة تقريباً مع حصتها من الصادرات ذات القيمة المضافة بين تلك الدول نفسها. لكن المؤشرين تباعدا بشدة منذ ذلك الحين. فبين عامي 2013 و2023، بقيت حصة الصين من الصادرات ذات القيمة المضافة عند نحو 64 في المئة، على رغم أن حصتها من القوى العاملة انخفضت ثلاث نقاط مئوية. ووفقاً لهذا المعيار، ارتفعت صادرات الصين "الفائضة" من 33 إلى 36 في المئة من إجمالي الصادرات العالمية الصادرة عن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

وهذه أرقام ضخمة. ففي قطاعات الملابس والمنسوجات والجلود والأحذية، بلغ هذا الفائض نحو 110 مليارات دولار من الصادرات ذات القيمة المضافة عام 2022. وفي جميع القطاعات المعتمدة على العمالة الأقل مهارة، نقدر فائض الصادرات ذات القيمة المضافة بأكثر من 355 مليار دولار في عام 2022. وكان يمكن لهذه المساحة التصديرية أن تدعم عشرات الملايين من وظائف التصنيع في الاقتصادات الأفقر. ولا تتوافر بعد بيانات الصادرات ذات القيمة المضافة لما بعد عام 2022، لكن بيانات إجمالي الصادرات حتى عام 2024 تشير إلى اتجاه مماثل.

وتكشف المقارنة التاريخية الحجم نفسه تقريباً للتشوه القائم اليوم. فعندما كانت الدول الغنية حالياً عند مستوى الثراء الذي بلغته الصين اليوم، كانت قد أفسحت بالفعل مجالاً أكبر بكثير لدول أخرى في الصناعات التي تعتمد على العمالة الأقل مهارة. وبعد تعديل الأرقام بحسب مستويات الدخل، ومع الأخذ في الاعتبار أن السلع أصبحت اليوم أسهل تداولاً بفضل انخفاض تكاليف النقل والحواجز التجارية، نقدر أن الاقتصادات المتقدمة، عندما كانت عند مستوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين اليوم، كانت تستحوذ على نحو ثمانية في المئة فقط من الصادرات العالمية في قطاعات مشابهة. أما حصة الصين اليوم فهي أعلى بكثير، إذ تبلغ 27 في المئة. وباحتساب هذا الفارق قياساً إلى حجم الصادرات العالمية الحالية، يظهر فائض في الصادرات الصينية يقدر بنحو 140 مليار دولار في القطاعات الأربعة كثيفة العمالة: الملابس، والمنسوجات، والجلود، والأحذية. وهذا رقم قريب من تقدير الـ110 مليارات دولار المستند إلى مقارنة حصة العمالة الأقل مهارة.

وتقود هاتان المقارنتان، على اختلافهما، إلى النتيجة نفسها: استمرار هيمنة الصين على الصناعات التي تعتمد على العمالة الأقل مهارة أمر غير مألوف تاريخياً وذو أثر اقتصادي كبير. ومن المرجح أن تكون أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أكبر المستفيدين نسبياً إذا خف هذا الضغط، إذ لا تتجاوز صادراتها في هذه القطاعات حالياً 12 مليار دولار. ولو أُتيحت لدول المنطقة مساحة أوسع في الأسواق العالمية، مع تبني سياسات داخلية أفضل، مثل تحرير الاقتصاد وخفض تكاليف ومخاطر ممارسة الأعمال، لكان بإمكانها زيادة هذه الصادرات عدة أضعاف. كما يمكن أن تحقق اقتصادات شرق آسيا وجنوب آسيا مكاسب كبيرة، مع ارتفاع صادراتها في هذه القطاعات بنسبة تراوح بين 75 و175 في المئة.

ولا تفسر الصين وحدها كل فرصة ضائعة في دولة أفقر. فالقيود المحلية لا تزال تؤدي دوراً بالغ الأهمية. لكن هيمنة الصين تضيق الخيارات المتاحة أمام الدول الأفقر وتجعل من الصعب عليها رسم مسار موثوق للمضي قدماً.

ولا يمكن التقليل من أثر الضغط الصيني في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. لكن فهم أسبابه لا يقل أهمية. فإذا كانت هيمنة الصين تعكس إنجازات حقيقية في رفع الإنتاجية، من خلال زيادة حجم الإنتاج، وتحسين الخدمات اللوجستية، والأتمتة، وجودة الإدارة، والمنافسة المحلية الشرسة، فعلى الدول الأفقر أن ترد على هذا الواقع بتحسين قدرتها التنافسية. أما إذا كانت هذه الهيمنة نتيجة الدعم الحكومي أو القمع المالي أو تشوهات سعر الصرف، فإنها تكشف خللاً جوهرياً في النظام التجاري العالمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد استمرت هيمنة الصين على الرغم من الارتفاع الكبير في أجورها. وتُظهر بيانات منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "يونيدو" أن أجور التصنيع في الصين أصبحت الآن أعلى بكثير من نظيراتها في معظم الدول المنافسة، ولا تزال في ارتفاع. ففي قطاع الملابس، يبلغ متوسط الأجر السنوي في الصين نحو 10 آلاف دولار، أي ما يقارب خمسة أضعاف الأجور في بنغلاديش وأربعة أضعافها في الهند. ووفقاً للنظريات التقليدية في التجارة، كان يفترض أن تتيح هذه الفجوات في الأجور للاقتصادات الأقل كلفة أن تنتزع حصة أكبر من الصادرات العالمية. لكن ذلك لم يحدث. فلا تزال الصين قوة كبرى حتى في القطاعات التي فقدت فيها منذ زمن طويل ميزة انخفاض تكلفة العمالة.

وأحد التفسيرات المحتملة هو أن ميزة الصين الإنتاجية كبيرة بما يكفي لتعويض ارتفاع أجورها مقارنة بمنافسيها. فقد يعمل عمالها 15 ساعة يومياً، بينما تستفيد شركاتها من الأتمتة، وشبكات الموردين الواسعة، والتجمعات الصناعية الكثيفة، وأنظمة الخدمات اللوجستية عالمية المستوى، وبيئة اقتصادية قادرة على توسيع نطاق الإنتاج بسرعة استثنائية. وهذه المزايا حقيقية بالفعل. لكن التمييز بين القدرة التنافسية الفعلية والتشوهات الناتجة من السياسات الحكومية يتطلب بيانات تفصيلية على مستوى الشركات عن الإنتاجية، والأجور، والإعانات، والائتمان، والملكية، وأداء الصادرات. ولأكثر من عقد، ظلت هذه البيانات غير متاحة إلى حد كبير للباحثين خارج الصين، مما يجعل التشخيص الدقيق، بما في ذلك تقييم أثر الأتمتة، بالغ الصعوبة.

وتبقى السياسة الصناعية تفسيراً محتملاً آخر. فقد استخدمت الصين منذ فترة طويلة الإعانات الحكومية، والائتمان الموجه، وممارسات المشتريات الحكومية، ودعم الحكومات المحلية لتعزيز التصنيع. ومع ذلك، تشير بحوث صادرة عن صندوق النقد الدولي والاحتياطي الفيدرالي إلى أن الصين توجه دعمها بدرجة أكبر إلى القطاعات عالية التقنية لا إلى الصناعات التقليدية كثيفة العمالة. وقد يساعد ذلك في تفسير نجاح الصين في السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية والطائرات المسيّرة، لكنه لا يفسر استمرار هيمنتها على الملابس والأحذية والألعاب وعمليات التجميع الأساسية.

ويبقى سعر الصرف تفسيراً محتملاً. فقد رأى عدد من المحللين أن الرنمينبي لا يزال مقوماً بأقل من قيمته الحقيقية بنسبة تراوح بين 15 و25 في المئة. وتبدو حصة الصين من السوق العالمية للسلع التي تعتمد على العمالة الأقل مهارة مرتبطة بتدخلها في سوق الصرف. فبين عامي 2013 و2018، تراجعت هذه الحصة مع تراجع جهود بكين لإبقاء الرنمينبي ضعيفاً نسبياً. ثم عادت إلى الارتفاع لاحقاً، مع ازدياد تدخلها في مسار العملة. وإذا كان الرنمينبي قد أُبقي رخيصاً بصورة مصطنعة، فإن ذلك يعادل عملياً دعماً واسعاً للمصدرين الصينيين وضريبة على المنتجين الأجانب. فهو يجعل السلع الصينية أرخص في الأسواق العالمية، والسلع الأجنبية أغلى داخل الصين، وهو بالضبط المزيج الذي يبقي الضغط الصيني قائماً.

مكسب لبكين

ما الذي يمكن فعله لمعالجة الضغط الصيني؟ قد تلجأ الدول الفقيرة إلى شركاء تجاريين آخرين طلباً للمساعدة. فعلى سبيل المثال، يمكن للاتحاد الأوروبي واليابان التفاوض على اتفاقيات تجارة حرة مع الدول الفقيرة وتعميق الاتفاقيات القائمة، بحيث تحصل هذه الدول على شروط نفاذ أفضل إلى الأسواق، بما يساعد جزئياً في تعويض الميزة التي تتمتع بها الصين. كما يمكن للدول الكبرى وصندوق النقد الدولي الضغط على الصين لمعالجة مشكلة انخفاض قيمة عملتها عن مستواها الحقيقي.

لكن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل لا تملك، للأسف، سوى قدرة تفاوضية محدودة مع الصين. فبكين أظهرت، في نهاية المطاف، أنها لا تتأثر كثيراً حتى بمطالب واشنطن بفتح أسواقها. وقد تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن فرض رسوم جمركية مرتفعة على الصين عندما هددت بتقييد صادرات المعادن الحيوية.

لذلك، لا بد أن يأتي أي تصحيح حقيقي من الصين نفسها. فإذا خلصت، وهي محقة في ذلك، إلى أن الولايات المتحدة أصبحت قوة مهيمنة غير موثوقة وغير مستقرة، فقد تجد مصلحة في تقديم نفسها بديلاً لواشنطن، بوصفها طرفاً قادراً على المساعدة في منع انهيار النظام التجاري الدولي. لكن ذلك يتطلب التخلي عن الإجراءات التي تضر بالدول الأفقر. وقد اتخذت الصين بالفعل بعض الخطوات الرمزية الإيجابية، مثل التخلي عن وضعها كدولة نامية في منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي يصعّب عليها، من حيث المبدأ، تقديم الإعانات لشركاتها. كما خفضت الحواجز الجمركية أمام بعض الدول الأفقر. لكنها تستطيع، بل ينبغي لها، أن تفعل أكثر من ذلك.

إن هيمنة الصين تضيّق نطاق الخيارات المتاحة أمام الدول الأفقر

 

بإمكانها، على سبيل المثال، توسيع نطاق الإعفاء الجمركي ليشمل جميع الواردات كثيفة العمالة القادمة من جميع الدول النامية. وهناك خيار جذري يتماشى مع محاولة تعزيز الاستهلاك داخل الصين، وهو أن تذهب إلى أبعد من ذلك من خلال دعم واردات السلع كثيفة العمالة من الدول الفقيرة، وبذلك يحصل المستوردون على مدفوعات من الحكومة الصينية يمررونها إلى المستهلكين الصينيين على هيئة أسعار أقل. وفي الحد الأدنى، ينبغي ألا تعرقل الصين انتقال الخبرات القيّمة إلى دول أخرى، كما فعلت عام 2025، عندما ضغطت بكين على شركة "فوكسكون" لإعادة 300 مدير ومهندس من الهند إلى الصين.

وبعيداً عن التجارة، يمكن للصين أن تشجع رواد أعمالها بشكل استباقي على إنشاء مصانع في الدول الفقيرة ذات الإمكانات الأكبر. وهذا من شأنه أن يُكمّل مبادرة الحزام والطريق، وهي برنامج استثماري ضخم يركز على البنية التحتية والسلع الأساسية. وحتى في ما يتعلق بسعر الصرف، قد تتاح الآن فرصة سانحة. فالصين، مثل غيرها من الدول، لطالما عانت من الهيمنة المالية للدولار الأميركي. وهذه الهيمنة بدأت تتراجع نتيجة سياسات الولايات المتحدة وتزايد الشكوك حول موثوقية مؤسساتها. وقد يكون من المنطقي أن تسرّع بكين الآن من وتيرة تدويل الرنمينبي. وقد يفرض ذلك تكاليف حقيقية، مثل تقوية العملة واحتمالية الإضرار بالصادرات الصينية، ولكنه قد يُتيح مكسباً أكبر بكثير: فرصة حقيقية لمنافسة هيمنة الدولار. كما أن تصحيح انخفاض قيمة العملة الصينية سيولد آثاراً إيجابية واسعة على الدول الفقيرة.

قد يكون لهذه الإجراءات مجتمعة بعض العواقب السلبية، لا سيما على الصادرات الصينية المعتمدة على العمالة الأقل مهارة. لكنها ستكون في الوقت نفسه مكسباً لبكين بطريقة مختلفة. فإذا أراد قادة الصين أن يضطلعوا بدور أكبر في القيادة العالمية، فعليهم أن يدركوا أن القيادة لا تقوم على الهيمنة فحسب، بل على تيسير صعود الآخرين. ومن أجل الاستفادة القصوى من تراجع الهيمنة الأميركية، لا بد للصين من أن تميز نفسها عن النسخة الحالية الحمائية والمتقلبة من الولايات المتحدة؛ بل عليها أيضاً أن تتخلى عن نهجها التجاري القائم على تعظيم الصادرات وحماية مصالحها على حساب الآخرين.

 

ترجمة عن "فورين أفيرز" 18 يونيو (حزيران) 2026

شوميترو تشاترجي أستاذ مساعد في الاقتصاد الدولي في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

أرفيند سوبرامانيان زميل أول في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي. شغل منصب كبير المستشارين الاقتصاديين لحكومة الهند بين عامي 2014 و2018. وهو مؤلف مشارك، مع ديفيش كابور، لكتاب "سدس البشرية: رحلة التنمية في الهند المستقلة".

اقرأ المزيد

المزيد من آراء