Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اكتساح عالمي للسينما التجارية: فن يتغير وصناعة تنصاع

فئة كبيرة من المخرجين العرب يراهنون عليها ويعتبرونها من الحلول الناجحة لإرجاع ومصالحة الجمهور

نمّطت السينما التجارية مفاهيم الفن السابع وصنعته وجعلته عبارة عن سلعة تجارية (أ ف ب)

ملخص

 حرص المخرج، على مدى تاريخ الصورة السينمائية، أن تكون بمثابة مختبر بصري آسر، وانعكاساً للتحولات التي تدب في جسد المجتمع، إذ تعمل السينما على الدخول في علاقة حميمية مع الواقع، فلا تعمل على تجميله بقدر ما تعرّيه وتنتقده، وأحياناً تصوره بطريقة ميكانيكية مثلما يحدث في الصورة الوثائقية.

منذ اللحظة التي بدأت فيها التقنية تؤثر في الصناعة السينمائية، وتسهم بصورة يومية في تغيير كثير من أحوال السينما وصناعتها، بدأ الخطر يتربص بالفن السابع، إذ إن كثيراً من المواضعات الفنية والمفاهيم الجمالية التي دأب المخرج السينمائي على الاشتغال بها، أصبحت محض خرافة وهباء.

ولا ننكر التقدم الفني الذي أضحت عليه السينما، بفضل المفاهيم الجديدة للتقنية على مستوى التصوير والموسيقى والصوت، إذ تعد عنصراً أساساً في تحديث الفن السابع، ومعه تبلورت فكرة مفادها أنه لا تقدّم للسينما بعيداً من مثل هذه الطفرات التكنولوجية التي تجعل الصناعة تجدد ملامحها، وتحاول البحث عن مشروع سينمائي مغاير أكثر التحاماً بالحياة المعاصرة.

وبعيداً من هذه التحولات الفنية المهمة، فقد أفرزت التكنولوجيا نوعاً من السينما الترفيهية التي تخلّى من خلالها كوكبة من المخرجين عن السينما الملتزمة، بعدما جعلوا من الفن خدمة للترفيه، في إطار ما بات يسمى اليوم بـ "السينما التجارية"، وأصبحت مختلف الصالات السينمائية في العالم تراهن على هذا النوع من السينما، أمام ما يطبع يومياتها من تصحّر ثقافي وكساد فني، بسبب نماذج أفلام سينما المؤلف.

وتشير التقديرات إلى أن 70 في المئة مما يعرض اليوم في العالم أضحى تجارياً، وعبارة عن سلع فنية تحرص المؤسسات الإنتاجية على أن تجعلها تغزو العالم، ولذلك فإن هذا الأمر لم يعد ثانوياً داخل البيئة الغربية، لأنها أصبحت تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد المحلي، بالنسبة إلى كثير من الدول، ذلك أن السينما التجارية أصبحت تفرض نفسها على عدد من صالات السينما والشركات الإنتاجية التي تتماهى معها، من أجل البحث عن أرباح مادية على حساب مواضيع سياسية واجتماعية، بات يفرضها الواقع.

سينما الترفيه والاستهلاك

غيّرت السينما التجارية ملامح الفن السابع وجعلته مجرد وسيلة ترفيهية في نظر الناس، وعلى رغم أن السينما تعد  صناعة حقيقية يمكن أن تنقذ اقتصادات الدول، يظل من الضروري الحفاظ على ماهية السينما التي هي في الأصل عبارة عن انشغال فكري بالواقع، وطريقة مختلفة في مقاربة التاريخ وملامسة شغف الذاكرة.

ويتفق نقاد على أن السينما ممارسة إبداعية تعلي شأن التخييل وتجعله بمثابة العلامة الخفية التي تظلل الممارسات الفنية، فعلى رغم الطابع التقريري الذي تنطبع به السينما أحياناً في شكلها الوثائقي، فإنها تظل تنزع في اشتغالاتها الجمالية صوب التخييل.

 

وعلى مدى تاريخها، حرص المخرج على أن تكون الصورة السينمائية بمثابة مختبر بصري آسر، وانعكاساً للتحولات التي تدب في جسد المجتمع، إذ تعمل السينما على الدخول في علاقة حميمية مع الواقع، فلا تعمل على تجميله بقدر ما تعرّيه وتنتقده، وأحياناً تصوره بطريقة ميكانيكية، مثلما يحدث في الصورة الوثائقية، وبهذا المعنى تخلق السينما متعة حقيقية بالنسبة إلى من يشاهدها، وتترك سحراً خاصاً على جسده، حين تدعوه إلى النوستالجيا والحلم، لكنها في آن تطرح أسئلة فكرية تجاه الواقع، وذات علاقة بالسياسة والمجتمع والجسد والتاريخ والذاكرة، لأن السينما فن مركب يستطيع أن يتماشى مع تحولات الوجود، ولذلك فكثيراً ما عملت المؤسسات في تاريخ السينما على استغلال توجهات سياسية ومناح دبلوماسية وأغراض أيديولوجية، وعياً منها بقيمتها الفكرية وسلطتها الرمزية في التأثير في تفكير الناس وأمزجتهم وأهوائهم وأجسادهم، ومن ثم حمّلوها رسائل أيديولوجية أصبحت بموجبها وسيلة لإدانة الواقع، وشكلاً بصرياً لنوع من المقاومة التي يلجأ إليه المخرج لتمرير رسائله ومواقفه وآرائه، تجاه عدد من القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية.

بيد أن هذا الاهتمام بالفكر لم ينزع عن السينما طابعها الترفيهي ـ الاستهلاكي، إذ لم يكن في وقت لاحق عموداً تتأسس عليه السينما مثلما يحدث اليوم، بل كانت مجرد خيار جمالي مختلف يعمد إليه الجمهور للاستمتاع ببعض الأفلام ذات النفس الكوميدي المحض، وهذه التجارب الفيلموغرافية الترفيهية، خلقت كثيراً جمهورها الخاص، وعملت في مشروعها السينمائي المؤسس على الترفيه، وخلقت جمهوراً متعطشاً للأفلام التجارية التي تنأى بنفسها عن العمق البصري الذي يجعل الصورة تتصادى (تتقابل) مع الواقع، وتستشكل قضاياه وإشكالاته، وفق آلية بصرية بقدر ما تسهم في تخييل الواقع وقصصه وحكاياته، فإنها تظل من جهة أخرى تدخل في حوار نقدي معه.

نمّطت السينما التجارية مفاهيم الفن السابع وصنعته وجعلته عبارة عن سلعة تجارية، تحنط الفكر وتبتذل الذوق العام لعشاق السينما، فالغرابة أن يجد المتتبع للساحة السينمائية كيف غدت هذه الأفلام تسيطر على الصالات السينمائية العالمية، حيث يجري استبدال الرأسمال الرمزي بنظيره المادي الذي يغدو المحرك الأساس، والدعامة المركزية لتحقيق مفهوم الفرجة السينمائية، ولم تكن السينما التجارية صدفة في تاريخ الفن السابع، بل تمثل وجهاً حقيقياً عن أفول القيم واندحار الفكر وانقشاع الفن والجمال، فهي تشكل في نظر المفكرين انحطاطاً لقيمة الفن، والدور الذي طالما لعبه عبر قرون.

لكن في مقابل النقد اللاذع الذي يوجهه الباحثون والنقاد والمفكرون للسينما التجارية، فإن هناك فئة كبيرة من المخرجين العرب يراهنون عليها، ويعتبرونها من الحلول الناجحة لإرجاع ومصالحة الجمهور مع الفن السابع، مع العلم أن هذه المصالحة لا تعنيها المصالحة في حد ذاتها، وإنما يتستر عنها بعض المخرجين الذين كثيراً ما اتسمت أعمالهم بالخفة الفنية، والهشاشة الجمالية، والارتباك الفكري في التعبير عن الواقع داخل الوسيط التلفزيوني، فأرادوا أن ينقلوا مفاهيم الفرجة التلفزيونية إلى عالم السينما، ففشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً.

صناعة التنميط البصري

أثرت السينما التجارية في الصناعة السينمائية، ولا سيما في ما يتعلق منها بتوزيع الأفلام وعرضها داخل صالات السينما، بعدما أصبحت هذه الأخيرة تفرض على المخرج ضرورة أن يكون فيلمه خفيفاً وكوميدياً، حتى يجد صدى داخل الأوساط الشعبية، إذ إن هناك أفلاماً تتسم بأصالة سينمائية متفردة وقدرة هائلة على التوغل في الواقع، لكنها لم تستطع أن تظل صامدة داخل القاعات مدة تتجاوز الأسبوع، في حين أن هناك أفلاماً تجارية عربية هشة، ظلت تمارس سلطتها على المتلقي وتجذبه صوب الشاشة الكبيرة، وحققت بذلك عائدات مادية كبيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتفضل هذه الفئة من المخرجين السينما التجارية لأنها تعيد الاعتبار لهم مادياً، وتمنحهم راحة فنية يصبح فيها المخرج السينمائي عبارة عن صانع وجبات خفيفة، يسهّل كتابة السيناريوات، والارتكاز فيها على روح النكتة والسطو والنقل والتدوير من دون أي حسيب أو رقيب، على خلفية أن بعض الحوارات موجودة في المتخيل الشعبي الذي تعده المؤسسات الثقافية إرثاً جماعياً لمجتمع معين، خلال حقبة تاريخية ما.

لقد انتبهت "مدرسة فرانكفورت" منذ منتصف القرن الـ 20 إلى أن الفن السابع أضحى من الوسائل المهمة التي تسهم في خلق صناعة ثقافية، لأنها تعد اليوم دعامة أساسية لتكريس الرأسمال المادي، وتحويل مختلف الأفلام المنتجة إلى سلعة فنية داخل المجتمع الثقافي، فالسينما التجارية لا تخلق إلا التنميط البصري الذي تبدو من خلاله وكأنها تخدّر عقل المتلقي، وتجعله يغوص في نوع من الصور الهجينة والمستلبة، والتي لا تمثل أي امتداد فيزيقي للواقع، في حين أن سينما المؤلف تستند إلى وحدة موضوعية، هاجسها حكي الصورة وإعادة تمثيل الواقع، والاشتغال عليه وفق آلية بصرية تحول الفيلم إلى فضاء للتفكير، ومختبر آسر للتأمل في فيزيونومية الواقع وتبدلاته.

لقد أسهمت "سينما المؤلف" بصورة كبيرة في خلق بنية بصرية مختلفة، أعطت للمخرج مكانة اعتبارية في العملية السينمائية، فأصبح يتكلم عن "كاميرا القلم"، وهي رؤية فنية تحتم على المخرج الكتابة بالكاميرا، والتفكير في معالجة قضايا مركزية ذات صلة بالمجتمعات المعاصرة، وأعطت روحاً مغايرة للوسيط السينمائي وكرّست السينما، باعتبارها من الفنون البصرية المركبة والصعبة التي تخلق نمطاً فكرياً مغايراً، وعلى رغم أن مفهوم الصناعة الفنية التي باتت تفرض نفسها على مدارات الاقتصاد المحلي، حين تصبح السينما دعامة أساسية في بناء الاقتصاد وتحقيق قاطرة صوب التنمية، فإنه لا ينبغي الإخلال بشروط العمل الفني وماهية السينما، أو تغيير ملامحها من أجل الربح المادي، لأن السينما تبقى شكلاً تعبيرياً يظهر في حوار مع المجتمع والأفراد والوجود والواقع، بطريقة تمتحن فيها الأفلام مواضعنا الاجتماعية، وأفكارنا السياسية، ومواقفنا الدينية.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما