ملخص
يقول طبيب مصري إن هناك أكثر من 5500 حالة ولادة لطفل يومياً بما يراوح مليوني حالة سنوياً، بالتالي إذا افترضنا حدوث انتهاك أو تجاوز، فستكون نسبته ضئيلة للغاية تكاد تكون معدومة بالمقارنة مع أعداد المواليد.
على رغم الجدل الذي أحدثته مزاعم طبيبة مصرية حول وجود "تجاوزات صادمة" داخل "مستشفى الشاطبي الجامعي" في الإسكندرية (شمال مصر)، ما بين إساءات لفظية ونفسية، وتجاوزات مهنية وأخلاقية بحق عدد من السيدات أثناء خضوعهن لعمليات الولادة، وصولاً إلى التدخل بإجراءات طبية غير ضرورية من دون إذن المرضى، أو التهديد بالامتناع عن أداء الخدمة، وما صاحب ذلك من ظهور شهادات وروايات متناقضة تزعم صحة ما تدّعيه وأخرى تنفيها، وكذلك تحركات على كل المستويات والأصعدة الرسمية، فإنها فتحت الباب أمام كثير من التساؤلات حول ماهية تعامل الطبيب المصري مع النساء في غرف الولادة؟ وكيفية التعاطي مع آلامهن وصرخاتهن لحظات الولادة؟ والضوابط المهنية والأخلاقية التي يتحتم على الطبيب مراعاتها والتزامها؟ وأيضاً آليات مراقبة أية خروقات أو انتهاكات في حال حدوث وقائع "عنف توليدي"؟
وبينما يؤكد متخصصون في أمراض النساء والتوليد أن الأطباء المصريين يتعاملون مع صرخات النساء أثناء الولادة بقدر من اللطف والإنسانية والتعاطف مع أوجاعهن بسبب شدة الألم، فإن آخرين يرون أن هناك بعض "التجاوزات الفردية" التي قد تحدث نتيجة عدم التزام الضوابط المهنية والأخلاقية، وكذلك بيئة العمل داخل المستشفيات المصرية.
أية ضوابط يتبعها الطبيب المصري؟
يقول الطبيب المتخصص في أمراض النساء والتوليد علاء الفقي إن آلام المرأة أثناء الولادة الطبيعية "أمر متعارف عليه طبياً، ويُعد من أشد وأصعب أنواع الألم، مما يجعل كثيراً من النساء يتخوفن منها أحياناً، ويلجأن إلى بدائل أقل ألماً مثل الولادة القيصرية"، لافتاً إلى أن غالبية الأطباء يتعاملون مع صرخات الحوامل أثناء العملية بقدر من التعاطف والتفهم الكامل لطبيعة هذا الألم القاسي ومحاولة التخفيف عنهن وتلطيف الأجواء بكلمات مشجعة ومحفزة لكسب ثقتهن. لكن أحياناً تحدث "تجاوزات فردية" من قلة من الأطباء قليلي الخبرة والتدريب مثل عدم تقديم الدعم النفسي الكافي للمريضة والاستخفاف والاستهانة بآلامها أو التعامل مع صرخاتها أنها غير حقيقية.
وبينما لا يستبعد الفقي حدوث وقائع "عنف توليدي" تمارسه بعض "النماذج المرضية"، بحسب وصفه، فإنه يشدد أيضاً على ضرورة عدم تعميم هذا الأمر، موضحاً أنه لا يمكن النظر إلى واقعة مزاعم "مستشفى الشاطبي" بأنها "ظاهرة مؤسسية"، ولا سيما أنها "لاتزال تخضع للفحص والتحقيق".
يُشار إلى أن جهات التحقيق في مصر كانت أخلت سبيل الدكتورة أمنية سويدان، صاحبة الشهادة المتداولة في شأن قسم أمراض النساء والتوليد بـ"مستشفى الشاطبي الجامعي"، بكفالة 20 ألف جنيه مع بقائها على ذمة التحقيقات، على خلفية ما نشرته عبر مواقع التواصل الاجتماعي من وقائع قالت إنها شهدتها خلال فترة تدريبها داخل المستشفى.
ووفق الفقي، فإن التعامل مع النساء داخل أكشاك الولادة في المستشفيات (حجرات صغيرة مجهزة بأدوات التخدير ومستلزمات الولادة الطبيعية)، يخضع لضوابط وقواعد إرشادية مستقاة من مقررات مؤسسات طبية مصرية وعالمية، من بينها منظمة الصحة العالمية والكلية الملكية البريطانية لأمراض النساء والتوليد والمجلس الصحي المصري، ويتحتم على الطبيب التقيد بها أثناء العمل لأنها تمثل "خريطة طريق" له وفريق عمله.
ويضيف أن "طبيب النساء يتعامل مع أكثر الأجزاء خصوصية في جسد المرأة، وعليه لا بد من أن يتبع تلك الضوابط، وأبرزها استئذان المريضة قبل إجراء أية خطوة طبية، سواء لإعطائها حقنة أو إجراء ’الفحص المهبلي‘ أو التدخل الجراحي الوقائي لـ’شق العجان‘ الذي يستخدم لتوسيع فتحة المهبل وتسهيل خروج رأس الجنين لمنع حدوث تهتكات في المنطقة التناسلية، مع شرح تفاصيل ما ستتعرض له وترك حرية الاختيار للمريضة، إضافة إلى فحص المريضة في وجود شخص من طرفها وآخر من طرف الطبيب، وأن يُراعى ’ستر‘ المريضة وضمان خصوصيتها وتجنب أية أنواع من الكلمات غير اللائقة والأحاديث الجانبية أثناء عملية الكشف".
وفي تقدير الفقي، فإنه ينبغي توفير تدريبات مكثفة لأطباء الامتياز وطواقم التمريض للتوعية والتعريف بقواعد الممارسة الطبية أثناء الولادة الطبيعية، وكذلك متابعة الإجراءات الطبية داخل أقسام الولادة للتأكد من التزام مقدمي الخدمة المعايير الطبية المتعارف عليها.
صراخ لكن متبادل
"قد يضطر الطبيب في حالات نادرة إلى الصراخ في وجه الحامل أثناء الولادة من أجل التوقف عن التأوه وهو سلوك غير مقبول منه"، بتلك الكلمات يعلّق أستاذ النساء والتوليد في كلية الطب بـ"جامعة عين شمس" الدكتور ماهر عمران، ويوضح أن بعض الأطباء يعانون أحياناً ضغوطاً شديدة أثناء العمل نتيجة كثرة الحالات التي تُعرض عليهم في الوردية (النبطشية) الواحدة والتي قد تتخطى 20 عملية خلال 24 ساعة، مما يجعله ينهر المريضة رغماً عنه، ولا سيما إذا شعر بأنها تبالغ في التعبير عن آلامها، في المقابل أحياناً يتعرض الطبيب نفسه للسباب من المريضة أثناء صرخات الولادة، لكنه يلتزم الصمت لأنه يدرك ويتفهم طبيعة الألم الذي تعانيه.
ويرفض عمران التهويل والمبالغة في شأن وجود ما يُسمى وقائع "عنف توليدي" بمصر، مشيراً إلى أن هذا المصطلح لا يعبر عن حقيقة الواقع، مدللاً أن عمليات الولادة الطبيعية تجري في غالب الأوقات بحضور طاقم طبي مكوّن من أطباء ومساعدين وأطباء امتياز وتمريض، وإذا حدث أي تجاوز أو خرق إجرائي من الصغار أثناء الفحص أو الولادة، فلن يصمت عليه كبار الأطباء نهائياً، كما أن من حق أية مريضة أن تتقدم بشكوى إلى الجهات المختصة في حال تعرضها لأي ضرر للحصول على حقها.
ويوضح أن هناك فارقاً بين ثقافة المرأة العربية والأجنبية أثناء آلام الولادة، مستشهداً بتجربة سابقة له "أجريت عمليات ولادة في إنجلترا طوال ثلاثة أعوام ولم أرَ حالات هناك تصرخ أثناء الولادة لأنهن يرَين من العيب أن يصرخن وأخريات يرغبن في الاستمتاع بالتجربة على رغم صعوبتها، كما أنهن يتلقين تدريبات متخصصة عن الحمل وكيفية الاستعداد له".
وفي رأي عمران، فإن الدراما أسهمت في تعظيم مخاوف المرأة من الولادة الطبيعية وتصويرها بأنها "أكثر رعباً"، على رغم أنها أصبحت حالياً بمثابة "نزهة" في ظل وجود الحقن التي تزيل آلام الولادة نهائياً، إضافة إلى الأدوية المسكنة للألم التي تؤخذ تحت رقابة طبية مشددة.
ذنب الطبيب أم المنظومة؟
ويلقي المتخصص في أمراض النساء والتوليد الدكتور خالد أمين باللائمة على المنظومة برمتها، متسائلاً "ما ذنب الطبيب؟" ويوضح أنه مظلوم ويتحمل أحياناً مشقة مضاعفة لإقناع الحوامل بأهمية الولادات الطبيعية وتوقيع الفحوص الطبية حفاظاً على حياتهن والجنين أثناء العملية، مردفاً أن "نصف السيدات اللواتي يُعرضن على المستشفيات الحكومية يرفضن أحياناً إجراء الفحص المهبلي لخوفهن من شدة الألم".
وفي رأى أمين الذي يشغل أيضاً منصب عضو مجلس نقابة الأطباء المصرية، فإن الأزمة أعمق وأخطر من ذلك، إذ تعاني المستشفيات الحكومية نقصاً واضحاً في حقن إزالة الألم أثناء الولادة الطبيعية نتيجة ارتفاع سعرها لأنها تستورد من الخارج، وتصل كلفتها إلى 1600 جنيه (32.05 دولار)، وتوفيرها يشكل عبئاً مالياً كبيراً لا تستطيع المستشفيات تغطيته، متسائلاً "مستشفى القصر العيني يستقبل يومياً أعداداً كبيرة من الحالات، فكيف يجري توفيرها لمنع النساء من الصراخ والألم؟ ومن بين المشكلات أيضاً نقص أطباء التخدير في المستشفيات الحكومية، ونقص أجهزة نبض الجنين". ويوضح أن نقص تلك المستلزمات الضرورية يجعل كثيراً منهن يستسهلن اللجوء إلى الولادات القيصرية، مما تشكو منه الحكومة دائماً.
ويعتقد أمين بأن الحل يكمن في زيادة موازنة وزارة الصحة لتوفير تلك المستلزمات الضرورية، والتوعية بضرورة الولادة الآمنة وتوفير مسكنات الألم للسيدات في المستشفيات وتوفير أعداد من الأطباء توازي نسب الحالات المعروضة عليهم وتعميم برنامج القابلات بعد تدريبهن لمساعدة الأطباء، مستشهداً بمثال "عايشت تجارب مؤلمة رأيت خلالها ثلاثة أطباء فقط يجرون عمليات ولادة طبيعية لأكثر من 20 أو 30 حالة في اليوم، وحالات أخرى تنتظر توقيع الكشف الطبي عليها".
هل من شكاوى رسمية؟
رئيس لجنة التحقيق في نقابة الأطباء المصرية الدكتور جمال عميرة يقول "لم نتلقَّ أية شكوى موثقة من مريضة عن حالات عنف توليدي"، ويوضح أن النقابة لا تتهاون عن محاسبة أي طبيب إذا أخطأ في حق المريضة أثناء الولادة أو استهان بأوجاعها أو تلفظ بألفاظ غير مقبولة أو نعتها بلفظ جارح.
وكانت باحثة مصرية تُدعى فريدة محجوب زعمت خلال مقطع فيديو بثته عبر حسابها على "فيسبوك" أخيراً، أنها أطلقت عام 2018 دراسة بحثية داخل "مستشفى قصر العيني"، على حد قولها، ركّزت بصورة مباشرة على تعرض النساء للعنف التوليدي، مشيرة إلى أن نتائج الدراسة جاءت أكثر صدمة، إذ أظهرت أن نسبة تجاوزت 90 في المئة من السيدات المشاركات تعرضن لأحد أنواع العنف التوليدي بمختلف تعريفاته وصوره، وأوضحت أنها واجهت صعوبات خلال عرض نتائج البحث داخل بعض المؤسسات الطبية، وصلت إلى حد رفض ومهاجمة النتائج والتهديد بعدم نشرها، قبل أن تستكمل عملها لاحقاً عبر التعاون مع مؤسسات بحثية ومبادرات متخصصة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف عميرة خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن هناك أكثر من 5500 حالة ولادة لطفل يومياً بما يراوح مليوني حالة سنوياً، بالتالي إذا افترضنا حدوث انتهاك أو تجاوز، فستكون نسبته ضئيلة للغاية تكاد تكون معدومة بالمقارنة مع أعداد المواليد، مشيراً إلى أن النقابة تملك من الأدوات محاسبة أي مخطئ بإجراءات تبدأ من اللوم وصولاً إلى الإيقاف في حال خروجه عن المواثيق الطبية والأخلاقية المتعارف عليها أو انتهاك خصوصية المريضة وحقها.
الأمر ذاته تؤيده عضو لجنة الصحة في البرلمان المصري الدكتورة إيرين سعيد، إذ تؤكد أنه لم تُعرض عليها أية شكاوى من سيدات أثناء الولادة تشير إلى وقائع "عنف توليدي" خلال ستة أعوام من عملها البرلماني، موضحة أن قانون المسؤولية الطبية شدد في نصوصه على ضوابط ملزمة للحفاظ على حقوق المرضى من الرجال والنساء وخصوصيتهم وحمايتهم من أية انتهاكات أو ممارسات غير أخلاقية وتقديم كل أنواع الدعم النفسي إليهن.
وفي واقعة مزاعم شهادة "الشاطبي"، تشير إيرين سعيد إلى أن جهات التحقيق القضائية والطبية تراجع كل الوقائع للتأكد من حقيقتها، واستبيان ما إذا كانت صحيحة أو لا، وسيقوم البرلمان بدوره بمراجعة الإجراءات الإدارية والجزائية التي ستتخذها وزارة الصحة والمؤسسات الطبية الأخرى.