ملخص
يرى مختصون أن التمدن، وانتشار الأسر النووية، وتأخر سن الزواج، والتركيز على جودة التربية بدلاً من كثرة الأبناء، من أبرز أسباب انخفاض الإنجاب في المملكة.
أثارت بيانات حكومية إحصائية في السعودية مخاوف من إقبال البلاد على مرحلة شيخوخة، في وقت تشهد انخفاضاً في معدلات الإنجاب، وسط تحذيرات من تداعيات ديموغرافية واقتصادية قد تظهر بصورة أوضح خلال العقود المقبلة.
وبحسب بيانات أوردتها هيئة الأحصاء السعودية، انخفض عدد المواليد من 44 ولادة لكل ألف نسمة عام 1980 إلى 16 ولادة فقط عام 2023، فيما تراجع معدل الخصوبة الكلي من 2.8 طفل لكل امرأة عام 2011 إلى نحو طفلين في 2024.
كما انخفض عدد المواليد السعوديين من 465 ألف مولود عام 2017 إلى 417 ألفاً عام 2022، بنسبة تجاوزت 10 في المئة خلال ست سنوات.
وحول الأسباب التي أشارت إليها الأرقام، يرى الاختصاصي والمعالج الاجتماعي محمد الحمزة أن ظاهرة انخفاض عدد المواليد في السعودية تعود لمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمها حالة التمدن التي يشهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة، التي أسهمت في إعادة تشكيل نمط الحياة داخل الأسرة في البلاد.
خيار واع
وأوضح أن هذا التحول الحضري جعل فكرة تحديد عدد الأبناء خياراً واعياً داخل كثير من الأسر الجديدة، نتيجة "انشغال الزوجين بالعمل والوظائف، إضافة إلى تغير البنية الأسرية من الأسر الممتدة إلى الأسر النووية".ففي السابق كانت الأسرة تعيش ضمن إطار اجتماعي واسع يتكامل فيه الأفراد في رعاية الأطفال ودعم بعضهم بعضاً، بحيث يمكن للأب أو الأم الانشغال بالعمل أو السفر مع وجود شبكة أسرية تتولى جانباً من المسؤولية.
بحسب تعريف الأمم المتحدة، تعد الأسرة النووية أبسط أشكال الأسرة وأكثرها انتشاراً، وتتكوّن من الزوجين وأبنائهما فقط، دون وجود أقارب آخرين أو أفراد من خارج الأسرة داخل المسكن.
ويُنظر إليها بوصفها النواة الأساسية التي تقوم عليها البنية الأسرية في كثير من المجتمعات.
أما في الوقت الراهن، وفق قوله، "فقد أصبحت الأسرة النووية هي السائدة، مما جعل العبء التربوي والمعيشي يقع بالكامل على الوالدين من دون دعم مباشر من بقية أفراد العائلة"، وهو ما دفع كثيراً من الأسر إلى اتخاذ قرار داخلي بتقليل عدد المواليد.
ويعتقد الحمزة أن من بين العوامل المؤثرة أيضاً انتشار فكرة "تقليل عدد الأبناء مع رفع جودة التربية"، إذ يفضل عدداً من الآباء والأمهات الاكتفاء بطفلين أو ثلاثة، مع التركيز على توفير تعليم عالي المستوى وتنمية المهارات الحياتية لهم، بدلاً من زيادة العدد على حساب الجودة.
زواج بعد الـ30
وأشار كذلك إلى أن أحد الأسباب المهمة يتمثل في عزوف عدد من الشباب والفتيات عن الزواج المبكر، بسبب الانشغال بالدراسة أو العمل أو بناء الاستقرار المالي والمهني، ولفت إلى أن سن الزواج في المملكة ارتفع في كثير من الحالات إلى ما بعد الـ30 سنة، إذ نجد بعض الشباب يؤخر الزواج بحجة "بناء الذات"، بينما تؤجل بعض الفتيات الزواج لإكمال الدراسة أو الالتحاق بسوق العمل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونتيجة لذلك، يأتي الانعكاس بصورة مباشرة على انخفاض معدلات الإنجاب، وهو ما تؤكده عدد من الدراسات الإقليمية، إذ بات من الشائع أن يمتد عمر الزواج إلى الـ30 وما بعدها لدى الجنسين.
تحفيز الأسر مادياً ومعنوياً
ويذهب المختص الاجتماعي إلى أن استمرار هذه الاتجاهات يحمل مؤشرات مستقبلية غير إيجابية، مما يستدعي إعادة النظر في ثقافة الإنجاب داخل المجتمع، عبر إطلاق برامج توعوية وتثقيفية وإعلامية، إلى جانب توفير حوافز ودعم مادي ومعنوي للأسر، وتطوير خدمات مساندة تساعد العائلات في التوفيق بين متطلبات الحياة والعمل وتربية الأبناء، بما يشجع على تعزيز معدلات الإنجاب بصورة متوازنة ومستدامة.
الشيخوخة السكانية بحلول عام 2050
وحول هذا الأمر، فتحت صحيفة الاقتصادية السعودية تحقيقاً موسعاً، شارك فيه خبراء اقتصاديون وسكانيون توقعوا بأن تواجه أكبر بلدان الخليج مساحة وسكاناً تحدي الشيخوخة السكانية بحلول عام 2050، مع ارتفاع نسبة كبار السن وتراجع الداخلين الجدد إلى سوق العمل، مما قد يزيد الضغوط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية.
ووفقاً لخبراء شاركوا الاقتصادية تحقيقها، فإن استمرار انخفاض الخصوبة، بالتزامن مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، سيؤدي إلى تغير صورة الهرم السكاني تدريجاً، وزيادة أعباء التقاعد والرعاية الصحية طويلة الأمد، مع انخفاض حجم القوى العاملة الوطنية.
ولفت التحقيق إلى أن التأثيرات المحتملة ستنعكس على سوق العمل وقطاعات العقار والتعليم والصحة، مع تغير أنماط الطلب الاستهلاكي، وتوقع الخبير الاقتصادي الدكتور محمد آل عباس انخفاض الطلب، مستقبلاً على المساكن العائلية الكبيرة والسيارات الكبيرة، نتيجة تقلص حجم الأسرة السعودية.
وعلى رغم هذه التحديات، يرى الخبراء أن المملكة لا تزال تمتلك فرصة للاستفادة من ما يعرف بـ"النافذة الديموغرافية" عبر رفع إنتاجية القوى العاملة، وتحسين التعليم والمهارات، وتطوير سياسات داعمة للأسرة، إلى جانب الاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، للحد من آثار انخفاض الخصوبة في الاقتصاد وسوق العمل.