Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جروح مفتوحة وبنوك فارغة... غزة تقطر دما بلا إنقاذ

إصابات عدة والمواطنون يتدفقون للتبرع لكن المنظومة الطبية تفتقر إلى الأكياس الفارغة وتحتاج يومياً إلى 350 وحدة

الجريح الواحد في الحالات الحرجة وحالات بتر الأطراف قد يستهلك قرابة 40 وحدة دم خلال ساعات قليلة (أ ف ب)

ملخص

التقاطع المؤلم بين جفاف الرفوف ونحول أجساد المتبرعين، تسبب في أزمة دم تعيشها غزة، ودفع وزارة الصحة إلى إطلاق تحذير هو الأشد لهجة، معلنة دخول القطاع في "كارثة دم" حقيقية تهدد حياة آلاف الجرحى والمصابين الذين يتدفقون يومياً إلى غرف العمليات الطارئة.

يقف الطبيب محمد الديب المناوب في مختبرات مجمع ناصر الطبي بخان يونس جنوب قطاع غزة، أمام الثلاجة الرئيسة لبنك الدم مطأطئاً رأسه في صمت يقطع هدوءه ضجيج الممرات المزدحمة في الخارج.

يقلب الطبيب بيدين متعبتين ما تبقى من أكياس دم شاحبة متناثرة في زوايا الرفوف الباردة، إذ تبدو الفصائل النادرة والأساس كأنها تلاشت تماماً.

وفي غرف العمليات القريبة، يصارع جراحون لإنقاذ حياة جرحى ينزفون بغزارة، بينما ينتظر فنيو المختبر قطرة دم معقمة قد لا تأتي، بعدما تحولت أروقة المستشفى إلى ساحة ترقب يومي مشحون بالخوف من اللحظة التي يُعلن فيها الجفاف التام للمخزون الحيوي الوحيد لإنقاذ الأرواح.

وعلى بُعد خطوات قليلة من شباك سحب العينات، يجلس شاب عشريني أنهكته أشهر النزوح الطويلة، ممدداً ذراعه بإصرار ورغبة في منح دمائه لمن هم في حاجة إليها في غرف الطوارئ.

غير أن المشهد الإنساني سرعان ما يصطدم بعقبة أخرى، إذ يضطر فني المختبر إلى سحب الإبرة والاعتذار منه بأسف بالغ، بعدما كشف الفحص الأولي عن هبوط حاد في مستويات هيموغلوبين دم المتبرع.

كارثة الدم

يختزل هذا المشهد الممتد عبر القطاع من خان يونس إلى المستشفيات الميدانية تحذيرات وزارة الصحة الأخيرة، فالأزمة اليوم لم تعد تقف عند حدود شح المواد والأدوات الطبية المخبرية التي تعرقل العمل، بل امتدت لتصيب أجساد المتبرعين المحتملين التي نخرها سوء التغذية والحصار، مهددة بوقف شريان الحياة الأخير في أعمق أزمة إنسانية يشهدها قطاع غزة.

هذا التقاطع المؤلم بين جفاف الرفوف ونحول أجساد المتبرعين، تسبب في أزمة دم تعيشها غزة، ودفع وزارة الصحة إلى إطلاق تحذير هو الأشد لهجة، معلنة دخول القطاع في "كارثة دم" حقيقية تهدد حياة آلاف الجرحى والمصابين الذين يتدفقون يومياً إلى غرف العمليات الطارئة.

أزمة نقص الدم في غزة، تكشف عن واقع طبي معقد ومركب، فالمشكلة الراهنة لا تقف عند حدود تراجع أعداد القادرين بدنياً على منح دمائهم في ظل اتساع رقعة سوء التغذية، بل تكمن في شلل شبه كامل أصاب البنية التحتية للمنظومة المخبرية.

تعاني وزارة الصحة أيضاً نقصاً حاداً ومزمناً في المستلزمات الطبية الأساس وكواشف الفحص المخبري، إذ تجد بنوك الدم نفسها اليوم عاجزة تماماً عن سحب وحدات الدم أو التحقق من سلامتها الحيوية، وعاجزة أيضاً عن فصلها لمكوناتها الأساس كالبلازما والصفائح.

نقص في أبسط الموارد

يروي عضو مجلس إدارة جمعية بنك الدم المركزي في قطاع غزة ناهض أبو عاصي أبعاد هذا العجز اللوجيستي الممتد قائلاً، "نعاني نقصاً حاداً ومزمناً في أبسط الموارد الأساس، نحن لا نتحدث عن أجهزة معقدة فحسب، بل يمتد العجز ليشمل أكياس جمع الدم، وصولاً إلى الكواشف المخبرية الضرورية لفحص الفيروسات والأمراض المعدية".

ويضيف عضو مجلس إدارة جمعية بنك الدم أن "استمرار هذا الشح يضع الطواقم الصحية في معضلة أخلاقية وطبية حقيقية، ويهدد بصورة مباشرة قدرتنا على توفير وحدات دم آمنة وصالحة للاستخدام لإنقاذ الجرحى والمرضى".

يوضح أبو عاصي أن الأزمة تتجاوز النقص العددي لوحدات الدم التي يتبرع بها الأفراد في غزة، لتشمل غياب أجهزة ومستهلكات فصل مكونات الدم الأساس مثل البلازما والصفائح الدموية، وهذا يحرم مئات المصابين بنزف حاد من العلاج النوعي الذي تتطلبه حالاتهم الحرجة، مما يجعل الموت نزفاً مصيراً يتربص بالجميع".

هذا العجز يقابله تدهور حاد في الحال الصحية لسكان غزة القادرين على الإسناد والتبرع بالدم، ومن داخل المستشفيات التي تحاول العمل يوضح مروان صالحة من طواقم وزارة الصحة كيف تحول الجوع إلى عائق طبي يحول دون جمع الدم محلياً.

يقول صالحة "نواجه تراجعاً كبيراً في كميات الدم التي يُتبرع بها طوعاً، والسبب الحقيقي وراء ذلك هو تفشي سوء التغذية الحاد والفقر الدموي بين المواطنين، عندما يأتي المواطنون بدافع الواجب للتبرع لإنقاذ قريب أو جريح، تصدمنا الفحوصات الأولية بارتفاع مخيف في نسبة فقر الدم وانخفاض الهيموغلوبين لديهم، مما يجبرنا طبياً على رفض سحب الدم منهم حفاظاً على سلامتهم".

بالأرقام

تترجم الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة أزمة نقص الدم، وتبين البيانات عمق الفجوة بين ما يحتاج إليه الجرحى وما هو متوافر فعلياً، إذ تحتاج المنظومة الطبية يومياً إلى 350 وحدة دم ومكوناته الحيوية كحد أدنى، أي ما يصل إلى 10 آلاف وحدة دم شهرياً، تذهب لتغطية غرف العمليات الطارئة وأقسام العناية المكثفة والحاجات الثابتة للمستشفيات الميدانية العاملة في مناطق النزوح.

هذا الرقم المرتفع يعود بالأساس إلى طبيعة الإصابات المعقدة التي تسببها الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، إذ تشير السجلات الطبية إلى أن الجريح الواحد في الحالات الحرجة وحالات بتر الأطراف قد يستهلك قرابة 40 وحدة دم خلال ساعات قليلة، لإنقاذ حياته من صدمة النزف.

 

 

يوضح مدير عام المستشفيات في وزارة الصحة منير البرش أن قدرة بنوك الدم على الجمع الميداني تراجعت بنسب قياسية، فالحملات التي كانت ترفد المختبرات بمئات الوحدات يومياً، باتت بسبب الظروف الأمنية وسوء التغذية لا تكاد تجمع سوى 10 إلى 15 وحدة في الأسبوع، مما خلق فجوة اتسعت لتهدد بوقف العمليات الجراحية غير الطارئة.

ويقول البرش "87 في المئة من المستهلكات الطبية ومواد الفحص المخبري باتت رصيداً صفرياً، أي غير متوافرة تماماً في المستودعات المركزية وبنوك الدم، وهذا النفاد الشامل طال كواشف الفحص الفيروسي الخماسي وأكياس الدم المخصصة للفصل، مما يعني بالأرقام أن قرابة تسعة من بين كل 10 مستلزمات مخبرية أساس اختفت من الخدمة".

ويشرح "لا نواجه عجزاً تقليدياً في الإمدادات، نعيش حال شلل كامل يهدد بوقف الخدمات الحيوية في جميع المستشفيات، غياب المواد الأساس يحول بيننا وإنقاذ مئات الأرواح يومياً، ويجعل المستشفيات عاجزة أمام حالات النزف الحرجة التي تعتمد كلياً على قطرة دم معقمة ومفحوصة".

عجز في المستلزمات

أمام ما مرت به غزة من حصار وتجويع وقتال عسكري ساحق، فإن للوهلة الأولى قد يبدو نقص الدم في بقعة جغرافية تشهد إصابات يومية مستمرة أمراً متوقعاً، وعند التعمق في أسباب "كارثة الدم" يتبين أن الأسباب تجمع بين شقين مؤلمين، الأول نقص حاد في وحدات الدم المتاحة من جهة، والثاني نقص حاد في المستلزمات والمواد الطبية اللازمة لفحصها وحفظها من جهة أخرى.

ومع ذلك، يظل النقص الحاد في المستلزمات الطبية والمخبرية السبب الرئيس الذي أدى إلى شل حركة بنوك الدم بالكامل وتحويلها إلى غرف تخزين فارغة، متجاوزاً في خطورته مجرد تراجع أعداد المتبرعين.

فهذا العجز اللوجيستي المزمن يعني أنه حتى في الحالات التي يتوافر فيها متبرعون أصحاء، تقف الطواقم الطبية مكتوفة الأيدي دون القدرة على الاستفادة من دمائهم بسبب غياب ثلاثة عوائق تقنية قاتلة.

يشرح الحكيم أحمد مهنا، أحد الكوادر العاملة في مختبرات بنك الدم، "نعاني غياب كواشف الفحص وهي المواد الكيماوية الأساس اللازمة لفحص الدم المتبرَّع به للتأكد من خلوه من الأمراض الفيروسية، وبسبب عدم توافرها يقع الأطباء في معضلة أخلاقية وطبية حاسمة، فنقل دم غير مفحوص قد ينهي حياة الجريح بدلاً من إنقاذه".

ويقول مهنا "نعاني أيضاً نفاد أكياس الحفظ والجمع، إذ تواجه المستشفيات شحاً شديداً في الأكياس البلاستيكية المعقمة والمخصصة لسحب الدم وحفظه، مما يحرم الأطباء من الوعاء الطبي المناسب للاحتفاظ بأي دماء جديدة، وأيضاً نعاني تعطل وفقدان أجهزة الفصل، إذ تتطلب إصابات الحروب المعقدة كالحروق والنزف الشديد مشتقات حيوية مثل البلازما أو الصفائح الدموية وليس الدم الكامل، ومع غياب الأجهزة والمستهلكات الخاصة بفصل الدم، بات من المستحيل توفير هذه المكونات النوعية لإنقاذ المصابين".

ويوضح مهنا أن الأزمة مركبة وخانقة، مشيراً إلى أنه في كثير من الأيام يضطر إلى الاعتذار من المتبرعين الأصحاء لعدم توافر أكياس معقمة لسحب دمائهم، لذلك على العالم فهم أن المشكلة الأساس ليست في إرادة سكان غزة بالتبرع بل في الحصار الذي استهدف المستلزمات المخبرية بصورة مباشرة، وجعلها سبباً رئيساً في انهيار المنظومة.

الغزي غير قادر على التبرع

أما الشق الأكثر إيلاماً في هذه الأزمة فيتعلق بالمواطنين، فإذا كانت أزمة الأدوات والمستلزمات شلت الشق التقني لبنوك الدم، فإن أزمة الجوع وسوء التغذية الحاد ضربت الشق البشري في مقتل، لتكتمل فصول الكارثة المركبة.

حولت أشهر الحصار الطويلة وأزمة نقص الغذاء المستفحلة أجساد المتبرعين المحتملين إلى أجساد واهنة تبحث هي الأخرى عن العلاج، وتسبب سوء التغذية الحاد في هبوط قياسي ومخيف بمستويات الهيموغلوبين، أي ما يُعرف طبياً بفقر الدم الشديد لدى الغالبية العظمى من السكان.

يقول مدير المستشفيات الميدانية في قطاع غزة مروان الهمص "يصل إلينا المواطنون والدموع في أعينهم، يتوسلون إلينا لسحب دمائهم من أجل إنقاذ أقاربهم المصابين في غرف العمليات، لكننا نعيش صدمة حقيقية عند إجراء فحص قوة الدم الأولي للمتبرع، إذ نجد أن نسبة الهيموغلوبين لديه لا تتجاوز ثماني أو تسع درجات، بفعل سوء التغذية والاعتماد على المعلبات وغياب الغذاء الصحي الطازج".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف الهمص "طبياً وإنسانياً لا يمكننا سحب قطرة دم واحدة من شخص يعاني أصلاً فقر دم حاداً، لأن ذلك يهدد حياته بالخطر الشديد، لقد حولت المجاعة المتبرعين الأصحاء إلى مرضى يبحثون هم أنفسهم عن العلاج والإسناد".

ويشرح مدير المستشفيات الميدانية "تسبب غياب الغذاء الصحي الطازج والاعتماد القسري على المياه غير الصالحة للشرب في تفشٍ غير مسبوق لفقر الدم الحاد بين الغزيين، مما جعلهم خارج المعايير الطبية المعتمدة للتبرع بالدم، وشكل عائقاً بشرياً غير مرئي أفرغ ما تبقى من وحدات في مخازن المستشفيات".

وأصدرت خلية الأزمة في وزارة الصحة بياناً جاء فيه "أزمة نقص الغذاء الحاد وسوء التغذية لم تعد تقتصر على كونها أزمة جوع، بل باتت تشكل تهديداً بيولوجياً مباشراً لخطوط الدفاع الطبية الأخيرة داخل القطاع، ورصد الارتفاع القياسي في معدلات الأنيميا الحادة بين الفئات الشابة والرجال القادرين على العطاء يعني جفاف الرافد البشري الحيوي الوحيد لإمداد بنوك الدم".

فئات هشة

صحيح أن حالات بتر الأطراف والتهتك العضلي الحاد هي الفئات الأكثر سحباً للدم، إذ يستهلك المصاب الواحد منهم ما يزيد على 30 وحدة دم دفعة واحدة لإبقائه على قيد الحياة، لكن هناك فئات أخرى أشد هشاشة تعتمد حياتها في الأوقات الطبيعية على جدول زمني صارم لنقل الدم ومشتقاته.

وتتصدر قائمة هذه الفئات الأكثر تضرراً ثلاث مجموعات رئيسة، وهي مرضى الثلاسيميا والدم الوراثي، إذ يحتاج هؤلاء المرضى إلى عمليات نقل دم دورية ومنتظمة كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع للحفاظ على مستويات آمنة من الهيموغلوبين، ويؤدي غياب الوحدات إلى هبوط حاد في وظائف الجسد الحيوية وتضخم الطحال وفشل القلب.

وفئة النساء الحوامل والأمهات، بسبب مواجهة النساء في مراكز النزوح وخيام الإيواء خطر النزف الحاد أثناء الولادة أو بعدها، وهو مسبب رئيس لوفاتهن في غياب وحدات الدم المجهزة والآمنة للتعويض السريع، والفئة الأخيرة هم مرضى الفشل الكلوي والأورام إذ يعاني هؤلاء فقر دم حاداً ومزمناً ناتجاً من طبيعة مرضهم وجلسات العلاج، ويحتاجون دعماً مستمراً بوحدات الدم والصفائح الدموية التي باتت رصيداً صفرياً بالكامل.

يقول الطبيب المتابع لحالات الأمراض المزمنة في جنوب القطاع أحمد الكحلوت "نعيش يومياً تفاصيل مفجعة ومؤلمة خلف أبواب أقسام الأطفال والمرضى المزمنين، يأتي إلينا مرضى الثلاسيميا بوجوه شاحبة وأجساد واهنة لا تقوى على الحركة، يتوسل أهاليهم للحصول على نصف وحدة دم فقط لتسكين آلامهم، لكننا نجد أنفسنا مضطرين لتأجيل مواعيدهم وتمديد فترات الانتظار لأسابيع طويلة، لأن الأولوية القصوى تُمنح قسراً لجرحى العمليات الحرجة وحالات البتر الطارئة التي تصل إلى أقسام الطوارئ والنزف الحاد".

إمدادات خارجية لكنها غير كافية

أمام هذا العجز اضطرت وزارة الصحة للجوء إلى خيار الإسناد الطبي الخارجي، إذ قادت وزارة الصحة الفلسطينية في رام الله بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية جهوداً لوجيستية معقدة نجحت عبرها في تسيير وإدخال شحنة إمدادات طارئة من مستودعاتها تضم 2000 وحدة دم ومشتقاته الحيوية، جرى نقلها عبر المعابر ضمن ترتيبات خاصة لضمان حفظها وتبريدها.

وعلى رغم الأهمية الإنسانية البالغة لهذه الشحنة، فإن لغة الأرقام والمقارنات الرياضية تضع هذا الدعم في إطار المحدودية الشديدة التي لا تلامس جذر الأزمة الحقيقي، إذ تكفي لتغطية حاجات مستشفيات القطاع لخمسة أيام فحسب.

يقول مدير الإدارة العامة للرعاية الصحية في وزارة الصحة الفلسطينية رامي العبادلة "تجهيز شحنات الدم لقطاع غزة من الضفة الغربية يواجه عوائق تفوق القدرة الطبية، فنقل خلايا الدم الحية يتطلب مبردات خاصة وحفظاً في درجات حرارة صارمة طوال رحلة السفر".

 

 

ويضيف العبادلة "نواجه تعنتاً كبيراً وقيوداً مشددة عند المعابر من قبل السلطات الإسرائيلية، إذ تبيت الشحنات أحياناً لأيام تحت حجة التفتيش الفني، مما يهدد بتلف الوحدات وفقدان صلاحيتها الطبية قبل وصولها، إن المنظومة في غزة في حاجة لتدفق يومي مستدام، لكن قيود الحصار والتحكم في المعابر تجعل عملية الإسناد متقطعة ومحدودة ولا تلبي سوى جزء بسيط من بحر الحاجات اليومية لجرحى القطاع".

ومن جانبه، يؤكد الممثل الرسمي لمنظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية ريتشارد بيبركورن أن "إدخال وحدات الدم الجاهزة إلى قطاع غزة عبر عمليات التنسيق الدولية لا يمثل سوى حل موقت وإسعافي قصير الأجل، فالمشكلة الأساس لا تكمن في توفير الوحدات من الخارج، بل في الانهيار الهيكلي الذي أصاب النظام الصحي الداخلي بغزة".

ويضيف بيبركورن "لا يمكننا بناء خط إمداد خارجي قوي وقادر على تغطية احتياج 10 آلاف وحدة شهرياً في ظل إغلاق المعابر المتكرر وغياب الممرات الإنسانية الآمنة والثابتة، الحل الوحيد لمنع الكارثة هو السماح الفوري بدخول المعدات والمستلزمات المخبرية والكواشف الكيماوية، لتمكين بنوك الدم المحلية من الفحص والإنتاج الذاتي".

الموقف الإسرائيلي

في المقابل، ترفض السلطات الإسرائيلية الرواية الفلسطينية والدولية التي تحملها المسؤولية المباشرة عن جفاف بنوك الدم، وتدفع برواية مغايرة تركز على الجانب التنسيقي، يقول رئيس وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "لا نضع أي قيود على دخول المساعدات الطبية والإنسانية، بل نعمل بصورة نشطة ومستمرة لتسهيل وصول شحنات الدم والمستلزمات الطبية الحيوية إلى قطاع غزة، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين".

ويضيف هليفي "ملتزمون تماماً بالاستجابة للحاجات الطبية للمدنيين داخل قطاع غزة، وقد قمنا بتسهيل نقل آلاف وحدات الدم المبردة والمستلزمات المخبرية الحيوية عبر المعابر، وبتنسيق مباشر مع منظمة الصحة العالمية، لضمان وصولها إلى المجمعات الطبية الكبرى. المشكلة الحقيقية لا تكمن في المنع من جانبنا، بل في قدرة المنظمات الدولية والجهات المحلية داخل القطاع على توزيع هذه الشحنات وتأمينها لوجيستياً بمجرد عبورها إلى الجانب الفلسطيني".

ويؤكد المنسق الإسرائيلي أن التدقيق والقيود المفروضة على بعض الأجهزة والمواد الكيماوية لا تهدف إلى عرقلة العمل الطبي، بل هي إجراءات أمنية ضرورية ومبررة لمنع الفصائل المسلحة من تحويل المواد ذات الاستخدام المزدوج لخدمة بنيتها التحتية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير