ملخص
مع ترك "قوات سوريا الديمقراطية" المناطق الخاضعة لسيطرتها في يناير (كانون الثاني) الماضي ازدادت مساحة عمل التنظيم وعدد عملياته لا سيما في مدينة الرقة، مستفيداً من التغيرات السياسية والأمنية الداخلية والمحيطة بسوريا.
فيما تمر سوريا في لحظة انشغال داخلي متمثلة بثقل اقتصادي وبطء في العملية الانتقالية واحتجاجات شعبية ضد المتورطين في انتهاكات مع النظام السابق والمطالبة بمحاكماتهم وإبعادهم عن الوظائف الحكومية، وكذلك اضطراب في الوضع الإقليمي المحيط بسوريا لا سيما تبعات الحرب على إيران والجماعات المدعومة من قبلها، قام تنظيم "داعش" بهجوم مسلح على مركز أمني وسط مدينة الرقة في شمال شرقي سوريا يوم الإثنين الماضي.
الهجوم وقع منتصف النهار على مركز أمني في قلب مدينة الرقة نفذه عنصران انتحاريان من التنظيم مدججين بالسلاح، وأسفرت العملية عن مقتل المهاجمين وثالث من قوى الأمن الداخلي السوري.
وتبنى التنظيم العملية في منشور على صفحته على مواقع التواصل نقله عن وكالة "أعماق" التابعة لـ"داعش"، وصف فيه الهجوم بـ"الجريء الذي استهدف مربعاً أمنياً شديد التحصين"، وجاء فيه: "اثنان من عناصر ‘داعش‘ هاجما يوم الإثنين مقر قيادة الأمن الداخلي غرب المدينة في وضح النهار". وتابعت الوكالة أن الانتحاريين وصلا إلى البوابة الرئيسة للمقر المحصن وتمكنا من الولوج داخله والاشتباك مع عناصره من مسافة قريبة، وأن اشتباكات عنيفة اندلعت بالرشاشات والقنابل اليدوية، بعدها "فجّر خلالها أحد المقاتلين سترته الناسفة، ما تسبب بخسائر بشرية في صفوفهم. وقد أسفر الهجوم عن مقتل وإصابة 4 جنود على الأقل بحسب اعتراف العدو، وإلحاق أضرار مادية في المكان". وختمت "أعماق" خبرها بأن المقر المستهدف يقع وسط أكثر المربعات الأمنية تحصناً في مدينة الرقة ويضمّ مقار أمنية مركزية "للنظام السوري المسيّر أميركياً".
من جهتها، أكدت وزارة الداخلية السورية إحباط قوى الأمن الداخلي "هجوماً إرهابياً شنّه تنظيم ‘داعش‘ الإرهابي استهدف أحد مقار قيادة الأمن الداخلي في مدينة الرقة"، وأن الفرق الأمنية تصدّت بيقظة عالية لمهاجمَين انتحاريَين، إذ اشتبكت معهما وتمكّنت من تحييد أحدهما، فيما أقدم الآخر على تفجير نفسه بواسطة سترة ناسفة بعد محاصرته.
ويعد هجوم الإثنين الماضي الثاني من نوعه خلال أشهر قليلة يشنه التنظيم على مراكز أمنية حكومية في مدينة الرقة. فقد شن التنظيم في أواخر فبراير (شباط) الماضي هجوماً استهدف حاجزاً أمنياً يعرف بحاجز السباهية الواقع غرب المدينة موقعاً أربعة قتلى من قوات الأمن الحكومي. وكان هذا الهجوم قد وقع بعد أسابيع قليلة من سيطرة الحكومة السورية على مدينة الرقة، عقب فقدان "قوات سوريا الديمقراطية" سيطرتها على المدينة بعد مواجهات مع مجموعات مدعومة من الحكومة وطلب أميركي بالانسحاب من مناطق عدة.
ويتزامن الهجوم الأخير في الرقة مع تحركات للتنظيم في مناطق أخرى، إذ تبنى أمس الأربعاء استهداف رئيس القصر العدلي في ضاحية ببيلا الواقعة جنوب العاصمة دمشق بعبوة ناسفة لاصقة بسيارته أثناء مروره في حي دف الشوك، أدت إلى أصابته بجروح بليغة وبتر ساقه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى خبراء أن حراك "داعش" تغير خلال العامين الأخيرين على مرحلتين واحدة بعد سقوط النظام من خلال انفتاح المساحة الجغرافية أمام عناصره، الذين كانوا منتشرين فقط في البادية السورية وتوغلهم داخل المدن الكبرى كدمشق وحلب وغيرها، والمرحلة الثانية بعد انسحاب "قوات سوريا الديمقراطية" من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتها لا سيما في الرقة ودير الزور.
ويقول الباحث المتخصص والخبير بالجماعات المتطرفة منير أديب في حديث خاص، إنه منذ مارس (آذار) 2019 عند إعلان الرئيس الأميركي والإدارة الذاتية سقوط دولة تنظيم "داعش" في معركة الباغوز وحتى يونيو (حزيران) من العام الحالي، يسعى التنظيم إلى إعادة بناء نفسه، ويعتقد أنه ربما استغل التنظيم السيولة السياسية التي تعيشها سوريا وكذلك تضييق الخناق على المكون الكردي، ما عزز حضوره وسمح له بتنفيذ عمليات بين وقت وآخر والبعض منها يوصف بأنها "عمليات نوعية". وأوضح أن "قوات سوريا الدمقراطية" كانت تواجه هذا التنظيم بقوة وهي التي نجحت ربما في تفكيك بنيته، "وبالتالي أي مواجهة للمكون الكردي وكأنها تعطي مساحة عمل للتنظيم".
وتابع أديب أنه توجد مشكلة حقيقية تتعلق بمواجهة التنظيم أو البيئة الحاضنة له أو ملاذاته الآمنة، مؤكداً أن "داعش" لم يختفِ حتى نتحدث عن ظهوره. وأشار أن الذي حدث منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2014 عند تشكيل التحالف الدولي ضد "داعش"، أن معظم المواجهات كانت بواسطة الطائرات، واستمرت نحو خمسة أعوام أي حتى إعلان سقوط التنظيم الذي كان سقوطاً أقرب لأن يكون شكلياً، فقد "سقط ‘داعش‘ لكن في حقيقة الأمر لا يزال التنظيم موجوداً"، وذلك يفسر سبب قدرة "داعش" على تنفيذ عشرات العمليات حتى قبل سقوط نظام الأسد.
الباحث في الجماعات الإسلامية ركز على أن حالة عدم الاستقرار السياسي التي تمر بها سوريا والحروب والصراعات حول العالم شرقاً وغرباً، ربما أعطتا التنظيم "ماء الحياة" وأنه بات أكثر قوة مما كان، ويحاول أن يعود للمشهد السياسي والأمني من جديد من خلال تنفيذ العمليات في الرقة التي كانت عاصمته، وكان يقيم فيها أبو بكر البغدادي ومن خلفه في قيادة هذا التنظيم "وهذه نقطة بالغة الأهمية". وأضاف في هذا السياق، "ثمة دلالة رمزية في هجوم الرقة، يسعى من خلاله إلى بعث رسالة تفيد أنه لا يزال موجوداً في منطقة كانت عاصمة هذه الخلافة المزعومة"، وختم قائلاً "ما لم تكن هناك إجراءات وتدابير حاسمة لردعه، فسوف ينجح التنظيم في تنفيذ عشرات العمليات النوعية، وبالتالي سوف يكون خطره ربما أكبر بكثير مما هو عليه الآن".