Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما الذي يدفعنا إلى ملء أطباقنا أكثر مما نحتاج؟

البوفيه المفتوح هو مساحة صغيرة تتجلى فيها علاقتنا بالوفرة والاختيار والرغبة والاستهلاك

ما الذي يحدث عندما ينتقل الإنسان من مائدة منزله إلى "بوفيه" مفتوح في فندق أو منتجع سياحي؟(بيكسلز)

ملخص

لا يكشف "البوفيه المفتوح" كثيراً عن الطعام، بقدر ما يكشف عن الإنسان نفسه، وعندما نجد أنفسنا أمام عشرات الأطباق الملونة، لا نختبر شهيتنا فقط، بل نختبر أيضاً قدرتنا على مقاومة إغراء المزيد، وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الحقيقي أمام "البوفيه": ماذا أو كم أريد أن آكل؟ بل كم أستطيع أن أقاوم؟

انتهت إجازتي وعدت أدراجي لحياتي اليومية، وبما أن الخوارزميات باتت تواكبنا في كل خطواتنا، فقد ظهر لي فيديو قصير تكررت فكرته عشرات المرات، لكنه لا ينفك يضحكني في كل مرة: مشهد العائد من الإجازة، والذي اعتاد أياماً، حمل صحنه الأبيض الواسع والتنقل بخفة أمام "البوفيه المفتوح"، في مطعم الفندق لاختيار ما لذ له وطاب من المأكولات، أما وقد عاد لمنزله فهو يحمل صحنه ويملأه خيبة أمل وكآبة ما بعد الإجازة.

هذا الفيديو ردني لمشهد كان يتكرر أمامي ثلاث مرات يومياً أمام "البوفيه المفتوح" على مدى أسبوع، عشرات النزلاء يتجولون بين الطاولات الطويلة المزدحمة بالأطعمة، يحملون أطباقاً ممتلئة إلى حد يصعب معه التمييز بين الأصناف، ويصعب تصور أنهم يتناولونها في حياتهم اليومية، وبعضهم يعود للطاولة مرتين أو ثلاثاً، وبعضهم يترك نصف ما اختاره من دون أن يلمسه.

 

يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه مجرد استمتاع بإجازة أو انغماس عابر في رفاهية موقتة، لكنه أثار عندي سؤالاً أكبر: ما الذي يحدث عندما ينتقل الإنسان من مائدة منزله إلى "بوفيه مفتوح" في فندق أو منتجع سياحي؟ وماذا يحدث للإنسان عندما يواجه وفرة لا حدود لها؟

الرغبة في استرداد قيمة ما دُفع

يقدم الاقتصاد السلوكي تفسيراً لهذه الظاهرة يعرف بـ "الرغبة في استرداد قيمة ما دُفع"، وعندما يدفع النزيل مسبقاً كلفة الإقامة والوجبة، يبدأ بصورة غير واعية في محاولة تحقيق أقصى استفادة ممكنة من المبلغ المدفوع، وقد أظهرت دراسات أجريت على مطاعم "كل ما تستطيع أكله"، أن الأشخاص الذين دفعوا سعراً أعلى كانوا يميلون إلى تناول كميات أكبر، مقارنة بمن حصلوا على خصومات، لأنهم شعروا بحاجة أكبر إلى الحصول على قيمة في مقابل المال، وبعبارة أخرى، لا يأكل الإنسان أحياناً لأنه جائع، بل لأنه لا يريد أن يشعر بأنه خسر شيئاً.

يضيف بعض الدراسات أن توقيت الدفع نفسه يؤثر في السلوك الغذائي، فحين تُدفع قيمة الوجبة مسبقاً، ينخفض الإحساس بالكلفة أثناء تناول الطعام، مما يشجع على الإفراط في الاستهلاك، مقارنة بالحالات التي يجري فيها الدفع بعد الانتهاء من الوجبة.

ويبدو أن هذا السلوك يزداد خلال الإجازات، فخبراء السلوك الاستهلاكي يتحدثون عن "عقلية الإجازة"، إذ يشعر الأشخاص بأن فترة السفر تمثل استثناء موقتاً من قواعد الحياة اليومية، مما يجعل الإفراط في الأكل يبدو أكثر قبولاً وأقل إثارة للذنب.

ومن الأسباب أيضاً ما يسميه علماء النفس "الجوع الحسي"، أي الرغبة في الأكل من أجل المتعة لا الحاجة البيولوجية، فالألوان الزاهية المبهرة، وروائح الطعام الزكية، وطريقة التقديم الشهية الفاخرة، كلها تحفز نظام المكافأة في الدماغ، وتدفعه إلى طلب المزيد حتى بعد الشعور بالشبع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تأثير الوفرة وعقلية الندرة

عاش البشر عبر معظم تاريخهم تحت وطأة الندرة، وكان الطعام محدوداً، والموارد شحيحة، والفرص نادرة، لذلك تطورت غرائزهم على أساس البحث الدائم عن المزيد، وتخزين ما يمكن تخزينه، واستغلال الفرص عندما تتاح، لكن العالم الحديث قلب المعادلة، ولم تعد المشكلة الأساس لدى جزء كبير من البشر نقص الخيارات، بل فائضها.

في الماضي كان الإنسان يسأل ماذا سأجد لأتناول اليوم؟ أما اليوم فأصبح يسأل أي خيار من بين 100 خيار سأختار؟ وهنا تحديداً تبدأ المفارقة، فأمام البوفيه لا يخشى الإنسان الجوع، بل يخشى أن تفوته تجربة أحد الأصناف.

إنه شكل غذائي من أشكال "الخوف من فوات الفرصة" الذي أصبح السمة المميزة لعصرنا، والخوف نفسه الذي يدفعنا إلى شراء أشياء لا نحتاج إليها، ومتابعة أخبار لا تؤثر في حياتنا، وفي كل مرة نتصرف وكأننا نخشى أن تضيع علينا فرصة لا تتكرر، ولهذا يبدو "البوفيه المفتوح" أكثر من مجرد مكان للطعام، إنه مرآة لثقافة الاستهلاك الحديث، وهكذا فإن معظم الأشخاص لا يضعون في أطباقهم ما يحتاجون إليه فعلاً، بل ما يستطيعون الحصول عليه.

الوفرة تغير علاقتنا بالطعام

ولعل ما يفسر مشاهد الهدر الكبيرة في الأطعمة هو أن الوفرة تغير علاقتنا بالطعام، فعندما تبدو الموارد غير محدودة، يضعف الشعور بقيمة ما نأخذه، وتشير تقارير متخصصة في إدارة "البوفيهات الفندقية" إلى أن وفرة الخيارات وتكدس الأطعمة يقللان من إحساس الأفراد بمسؤوليتهم تجاه الهدر الغذائي، وهو ما يفسر الكميات الكبيرة التي تنتهي في سلال النفايات يومياً.

وتشير أبحاث حديثة في مجال علم النفس السلوكي، أجرتها جامعة بنسلفانيا، إلى أن مجرد زيادة عدد الخيارات الغذائية في البوفيه تدفع الأشخاص إلى وضع كميات أكبر من الطعام في أطباقهم، حتى قبل أن يتذوقوا أي شيء، ووجد الباحثون أن تنوع الأصناف لا يزيد فقط عدد المأكولات المختارة، بل يرفع أيضاً إجمال السعرات الحرارية التي يقرر الشخص استهلاكها.

ويطلق العلماء على هذه الظاهرة اسم "تأثير التنوع"، إذ إن الدماغ لا يتعامل مع أصناف الطعام المختلفة باعتبارها وجبة واحدة، بل باعتبارها فرصاً متعددة للتجربة، لذلك يشعر الإنسان بأنه يريد تذوق كل شيء تقريباً، حتى لو لم يكن جائعاً بالمعنى الحقيقي.

وفي النهاية لا يكشف "البوفيه المفتوح" كثيراً عن الطعام، بقدر ما يكشف عن الإنسان نفسه، فهو مساحة صغيرة تتجلى فيها علاقتنا بالوفرة والاختيار والرغبة والاستهلاك، وعندما نجد أنفسنا أمام عشرات الأطباق الملونة، فنحن لا نختبر شهيتنا فقط، بل نختبر أيضاً قدرتنا على مقاومة إغراء المزيد، وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الحقيقي أمام البوفيه: ماذا أو كم أريد أن آكل؟ بل كم أستطيع أن أقاوم؟

المزيد من منوعات