Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الصراصير" الهندية من شقوق الإنترنت إلى صدارة السياسة

حزب افتراضي جديد للشاب يربك الحكومة ويتحدى القيود الصارمة على المعارضة والإعلام والقضاء والمجتمع المدني

اندهش الجميع من سرعة تلقي الشباب للحزب الرقمي الجديد مع انضمام أكثر من 20 مليوناً إليه خلال أسبوعين فقط (أ ف ب)

ملخص

بدأت القصة كسخرية على مؤسسات الدولة، إذ وصف رئيس قضاة المحكمة العليا أثناء جلسة استماع الشباب العاطلين عن العمل بالحشرات والصراصير، عاتباً عليهم استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد مؤسسات الدولة، وبعد أن خرج بيان رئيس القضاة في الإعلام بادر الشاب أبهيجيت دابكي، الذي يواصل تعليمه في الولايات المتحدة، بإطلاق حزب كاكروج (صرصور) جاناتا، على غرار حزب بهارتيا جاناتا الحاكم، واندهش الجميع من سرعة تلقي الشباب للحزب الرقمي الجديد مع انضمام أكثر من 20 مليون شخص إليه خلال أسبوعين فقط.

ليس من المستغرب أن تملأ الصراصير البيوت والشوارع والأزقة في الهند مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ يمسك كل شخص بمبيدات الحشرات لمطاردتها، لكن صيف هذا العام أتى بصراصير من نوع آخر لم يكن يتوقعها أحد، وأحدثت ضجة في المشهد السياسي، وربما لا يمكن التخلص منها بسهولة من خلال المبيدات التقليدية.

بدأت القصة كسخرية على مؤسسات الدولة، إذ وصف رئيس قضاة المحكمة العليا أثناء جلسة استماع الشباب العاطلين عن العمل بالحشرات والصراصير، عاتباً عليهم استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد مؤسسات الدولة، وبعد أن خرج بيان رئيس القضاة في الإعلام بادر الشاب أبهيجيت دابكي، الذي يواصل تعليمه في الولايات المتحدة بإطلاق حزب كاكروج (صرصور) جاناتا، على غرار حزب بهارتيا جاناتا الحاكم، واندهش الجميع من سرعة تلقي الشباب للحزب الرقمي الجديد مع انضمام أكثر من 20 مليون شخص إليه خلال أسبوعين فقط.

وانتقد المنضمون للحزب الحكومة الهندية على أثر تسريب أسئلة الاختبارات، وطالبوا استقالة وزير التعليم دهارمي باردهان من خلال حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

مجهول يكسر القيود

لكن هذا الصخب لم يقتصر على فضاء الإنترنت فحسب، بل خرج إلى الشارع أيضاً السبت الماضي، إذ أعلن الحزب عن تظاهرة في منطقة جانتر مانتر في العاصمة نيودلهي، إذ وصل أبهيجيت من المطار إلى موقع التظاهرة، وخاطب مئات الطلاب المتظاهرين هناك، وأعاد مطالبته باستقالة وزير التعليم.

وتأتي أهمية بروز حزب الصراصير في هذا التوقيت من السياق السياسي المحلي والإقليمي والمطالب الشعبية التي دفعت إلى قيامه، إذ يعتقد أن المطالب الشعبية غابت عن المشهد السياسي وباتت جميع وسائل الانتقاد تحت الحراسة الحكومية، وأي شخص يحاول رفع رأسه ضد الحكومة أو يتحداها يواجه مصيراً يعتبر به الآخرون، وفقدت أحزاب المعارضة بوصلتها لتدخل في سباق السلطة مع الحكومة بدلاً من أن تعكس متطلبات الشعب.

في مثل هذه الظروف، كسر الشباب من خلال حزب مجهول القيود التي لم يستطع كبار الساسة فكها، وغلبت صدى مطالبهم محاولات الخنق الحكومية.

 

يقول أنيل كومار، مواطن كبير السن من دلهي، إن ظهور حزب الصراصير كمنافس لحزب بهاراتيا جاناتا جلب بصيص أمل جديد للجميع، لأن القيود على المعارضة والإعلام والقضاء والمجتمع المدني في البلاد أصبحت شديدة للغاية، لدرجة أنه لا أحد يملك الشجاعة لمواجهة حزب بهاراتيا جاناتا.

وتابع "أصبح من المعتاد أن يجري تقسيم أحزاب المعارضة بقوة السلطة ومن خلال إغواء النواب بالمال والمناصب وتوريط الرافضين في قضايا الفساد وزجهم في السجن، لذا يفضل النشطاء السياسيون الانضمام إلى الحزب الحاكم، أو السكوت حتى لا يتعرضوا لقضايا ملفقة".

وتعد هزيمة أحد رموز المعارضة ماماتا بانيرجي من مقعدها في ولاية البنغال الغربية دليلاً على ضعف المعارضة شعبياً، وأيضاً عدم قدرتها على مواجهة الحكومة.

ويرى مراقبون أن الغضب الشعبي على الحكومة، لا سيما بين الشباب، كان يغلي تحت الصفيح منذ فترة طويلة، وانفجر في صورة حزب الصراصير الذي يترأسه الشباب.

تسريب أسئلة NEET

أخيراً، سربت أسئلة اختبار القبول لكليات الطب الذي كان سيحضره 2.4 مليون شاب، مما دفع عدداً من الطلاب إلى الانتحار، وعلى رغم أن أولياء الأمور والطلاب عبروا عن غضبهم بشدة فإن الحكومة لم تستجب لأي من مطالبهم.

وتعقد وكالة الامتحانات الوطنية في الهند اختبار NEET للقبول في كليات الطب بجميع ولايات الهند، ويعتبر أحد أهم الاختبارات التي يقضي من أجلها الشباب أوقاتهم وطاقاتهم آملين في إنجازه ومن ثم الحصول على مقعد في كليات الطب، ليتحقق حلم الدراسة في أحد أكثر المجالات رغبة ومنافسة حول العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحضر مئات الآلاف من المرشحين اختبار NEET  في أكثر من 5 آلاف مركز للاختبار هذا العام في الثالث من مايو (أيار)، لكنهم فوجئوا بإعلان الحكومة إلغاء الاختبار وعقده مرة أخرى بسبب تسريب أسئلته على منصة "تيليغرام".

كان وقع الخبر سيئاً على الصحة النفسية للمرشحين الذين قضوا أشهراً طويلة في الاستعداد لهذا الاختبار وأبلوا بلاء حسناً فيه، بعضهم امتعض غضباً وآخرون عبروا عن شعورهم، فيما لم يتحمل آخرون هذه الحقيقة وآثر الموت على الضيق الذي كان يشعر به.

وقائع الانتحار لم تكن السبب الوحيد في إثارة الغضب بين الشباب، بل الإهمال الحكومي المستمر، إذ لم تكن هذه المرة الأولى التي أثارت التسريبات فيها جدلاً بين الناس، بل تم تسريب الاختبار نفسه قبل عامين أيضاً، وعلى رغم تكرار الخطأ الفادح لم يتعرض مسؤول للمساءلة أو العقاب من الحكومة.

إعادة تشكل المشهد

رد فعل الأحزاب السياسية على ظهور حزب الصراصير كان متبايناً، إذ اتهمت الحسابات المدعومة من الحكومة "الصراصير" بأنهم عملاء، وحظرت السلطة بعض حسابات الحزب على مواقع التواصل، فيما حاول بعض رموز المعارضة التقرب من الشباب ودعمهم، إلا أنه من الواضح أن بروز هذا الحزب وخروجه للمظاهرات سيبلور مشهداً جديداً ينتشر في جميع أنحاء البلاد.

ومن المثير للانتباه أن حزب الصراصير لم يقحم نفسه في الجدالات الدينية التي يثيرها الحزب الحاكم، التي لا علاقة لها برفاهية الشعب، وبتعبير أحد السياسيين الذين تحدثوا إلى النسخة الأوردية لـ"اندبندنت عربية" فإن "حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) ظل يقحم البلاد في سردية الصراع الهندوسي - الإسلامي لمدة 12 عاماً، بينما يفسر طرح القضايا الأساسية على أنه عمل معاد للوطن، وينبغي علينا أن نقف في وجه هذه السرديات".

 

أبرز ظهور حزب الصراصير أمرين في غاية الأهمية: الأول هو أن الخوف الذي فرضه حزب بهاراتيا جاناتا على الشعب بات يتبدد إلى حد كبير، لا سيما مع موافقة غالبية الشباب على مطالب الحزب، إضافة إلى إعلان فئات بارزة دعمهم للصراصير، مثل الشخصيات البارزة والمعلمون والعاملون الاجتماعيون ونشطاء حقوق الإنسان والطلاب والأطفال والنساء الذين أظهروا دعمهم علناً.

الأمر الثاني هو أن حزب بهاراتيا جاناتا قدم أجندة محددة للمعارضة والإعلام والدوائر العامة من خلال استغلال الصراعات السياسية بين الهندوس والمسلمين، لكن حزب الصراصير رفض هذه الأجندة رفضاً قاطعاً، وبدلاً من ذلك جعل القضايا العامة محوراً للاحتجاجات، وعلى رأسها امتحانات الطلاب ومستقبلهم وفرص العمل.

نحو ثورة سياسية

هذه هي المرة الأولى التي تصبح فيها القضايا العامة بدلاً من شعارات حزب بهاراتيا جاناتا القومية والدينية جزءاً من نقاش وسائل الإعلام الرئيسة، واقتصرت حركة الشباب حتى الآن على إجراء الامتحانات في بيئة نظيفة وشفافة وتوفير فرص العمل والأداء النزيه للمؤسسات التعليمية، ولكن مع مشاركة قطاعات أخرى من المجتمع يتزايد تسليط الضوء على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للشعب.

ويشدد حزب الصراصير على أنه سيضطر إلى تولي زمام الأمور السياسية رسمياً، وهو أمر لا يتأتى إلا بإحداث ثورة سياسية على غرار ما حدث في سريلانكا أو بنغلاديش أو نيبال. ومع ذلك، فقد تبنى حزب الصراصير سياسة التدرج في وجه القيود الرسمية، حتى وإن كان الهدف النهائي هو الوصول إلى البرلمان.

وبحسب استطلاعات الرأي، يعاني نحو 80 مليون شاب من البطالة في الهند، 40 في المئة منهم حاصلون على شهادات جامعية. وكانت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا وعدت بتوفير فرص عمل لـ20 مليون شخص سنوياً، إلا أنها لم تف بهذا الوعد، مما أدى إلى تفاقم البطالة، إضافة إلى عودة العمالة من الخارج إلى الهند بسبب الأزمات العالمية.

ويبدو أن مشاركة ملايين الشباب في حزب الصراصير وردود الفعل العامة تشير إلى أن هذه الحركة تقود نحو الثورة السياسية نفسها التي شهدناها في الدول المجاورة، لكن حزب بهاراتيا جاناتا دائماً لديه مفاجآت كبيرة في جعبته، وليس من المستغرب أن يكون لديه خطة بديلة لإلهاء الشباب.

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

المزيد من تقارير