ملخص
تدفع مخاوف عودة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة البنوك المركزية إلى الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة ورفع أسعار الفائدة، ويرى محللون أن قوة أسواق العمل، والحاجة إلى حماية العملات المحلية، والحفاظ على صدقية البنوك المركزية عوامل رئيسة تؤخر خفض الفائدة وتبقي كلفة الاقتراض مرتفعة.
بعد أشهر من التوقعات بأن البنوك المركزية الكبرى تقترب من إنهاء دورة التشديد النقدي والبدء في خفض أسعار الفائدة، عادت الأسواق العالمية إلى مواجهة واقع مختلف مع تجدد الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
وبينما رفعت بعض البنوك المركزية الفائدة بالفعل، تلوح في الأفق احتمالات اتخاذ خطوات مماثلة من مؤسسات نقدية أخرى تخشى عودة التضخم إلى مسار صاعد يهدد الاستقرار الاقتصادي.
شكلت التطورات الجيوسياسية الأخيرة عاملاً رئيساً في إعادة رسم توقعات السياسة النقدية العالمية، فارتفاع أسعار النفط والغاز انعكس مباشرة على كلفة الإنتاج والنقل والكهرباء، مما أعاد إحياء المخاوف من موجة تضخمية جديدة في وقت لم تتعافَ فيه الاقتصادات العالمية بالكامل من آثار موجة التضخم السابقة، ويحذر محللون من أن استمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة قد يؤدي إلى انتقال الضغوط السعرية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، وهو ما يدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسة أكثر تشدداً لمنع ترسخ التضخم في الاقتصاد.
حماية الصدقية النقدية
لا يقتصر الأمر على مواجهة التضخم الحالي، بل يتعلق أيضاً بالحفاظ على صدقية البنوك المركزية التي أمضت الأعوام الماضية في رفع الفائدة لإعادة الأسعار إلى مستويات مستقرة.
ويرى محللون اقتصاديون أن التراجع المبكر عن السياسة المتشددة قد يبعث برسالة خاطئة إلى الأسواق ويؤدي إلى ارتفاع توقعات التضخم لدى الشركات والمستهلكين، الأمر الذي قد يدفع العمال إلى المطالبة بأجور أعلى والشركات إلى تمرير الكلفة إلى المستهلك النهائي، مما يخلق حلقة تضخمية يصعب كسرها.
وعلى رغم تباطؤ النمو الاقتصادي في عدد من الاقتصادات المتقدمة، فإن أسواق العمل ما زالت تتمتع بدرجة من المتانة، مع استمرار معدلات التوظيف عند مستويات مرتفعة نسبياً.
ويمنح ذلك صناع السياسة النقدية مساحة للتحرك ورفع كلفة الاقتراض من دون الخشية الفورية من دخول الاقتصاد في ركود عميق، خصوصاً أن الإنفاق الاستهلاكي لا يزال صامداً في عدد من الاقتصادات الكبرى.
الدفاع عن العملات المحلية
في دول عدة لا يرتبط رفع الفائدة بالتضخم وحده، بل يشكل أداة لحماية العملات المحلية من الضغوط الناجمة عن قوة الدولار الأميركي وتزايد حال عدم اليقين العالمية.
فكلما تراجعت قيمة العملة المحلية ارتفعت كلفة الواردات، وهو ما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة، لذلك تلجأ بعض البنوك المركزية إلى رفع الفائدة لجذب رؤوس الأموال ودعم عملاتها الوطنية.
ويبرز قرار بنك اليابان الأخير برفع الفائدة مثالاً على هذا التوجه، إذ جاء في وقت يتعرض فيه الين لضغوط مستمرة أمام الدولار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يرى محللون أن الأسواق كانت تراهن قبل أشهر على بدء دورة واسعة من خفض الفائدة خلال النصف الثاني من العام، لكن التطورات الأخيرة دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم هذه التوقعات.
وبحسب تقديرات مؤسسات مالية عالمية، فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة أو تعطل سلاسل الإمداد العالمية قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على الفائدة المرتفعة فترة أطول مما كان متوقعاً، وربما تنفيذ زيادات إضافية إذا عادت مؤشرات التضخم إلى الارتفاع.
وتجد البنوك المركزية نفسها اليوم أمام معادلة معقدة، فمن جهة تريد دعم النمو الاقتصادي وتخفيف أعباء الاقتراض على الشركات والأفراد، ومن جهة أخرى تخشى فقدان السيطرة على التضخم إذا سارعت إلى تخفيف السياسة النقدية.
وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلب أسواق الطاقة، يبدو أن معركة التضخم لم تنتهِ بعد، وأن أسعار الفائدة ستبقى أداة رئيسة في مواجهة الأخطار الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، حتى وإن كان ذلك على حساب وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.
هل تأجلت دورة خفض الفائدة؟
ويرى عدد من المحللين أن عودة البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية لا ترتبط فحسب بارتفاع أسعار الطاقة، بل أيضاً بتزايد المخاوف من ترسخ التضخم عند مستويات أعلى من المستهدف خلال الأعوام المقبلة. ويشير كبير الاقتصاديين في "دويتشه بنك" إلى أن الأسواق كانت تتوقع مساراً سريعاً لخفض الفائدة، لكن استمرار الضغوط السعرية أجبر صناع القرار على إعادة النظر في تلك التوقعات، مؤكداً أن أي ارتفاع جديد في أسعار النفط قد ينعكس سريعاً على كلفة النقل والصناعة والسلع الاستهلاكية.
من جانبهم، يرى محللو "غولدمان ساكس" أن البنوك المركزية أصبحت أكثر حساسية تجاه أي إشارات تدل إلى عودة التضخم، بعدما استغرقت وقتاً طويلاً للسيطرة على موجة ارتفاع الأسعار التي أعقبت جائحة كورونا والأزمات الجيوسياسية اللاحقة.
ويعتقدون أن الحفاظ على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة فترة أطول بات خياراً مفضلاً مقارنة بخفضها مبكراً ثم الاضطرار إلى رفعها مجدداً.
أما محللو "جيه بي مورغان" فيرون أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة تتسم بتقلبات أكبر في أسواق الطاقة والسلع الأساسية، مما يزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية، ووفق تقديراتهم، فإن أي اضطرابات في سلاسل الإمداد أو استمرار التوترات الجيوسياسية قد يدفع معدلات التضخم للارتفاع مجدداً، وهو ما يبرر استمرار التشديد النقدي.
وفي السياق ذاته، يشير محللون في "مورغان ستانلي" إلى أن قوة الإنفاق الاستهلاكي وأسواق العمل في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان تقلل من أخطار الركود الفوري، مما يمنح البنوك المركزية مساحة إضافية للإبقاء على الفائدة المرتفعة، ويؤكدون أن الأولوية الحالية لا تزال موجهة نحو استقرار الأسعار حتى لو جاء ذلك على حساب تباطؤ النمو الاقتصادي.
ويرى محللو أسواق المال أن الرسالة الأبرز من قرارات البنوك المركزية الأخيرة تتمثل في أن معركة التضخم لم تُحسم بعد، وأن المستثمرين والشركات باتوا مطالبين بالتكيف مع بيئة مالية تتسم بارتفاع كلفة الاقتراض فترة قد تكون أطول مما كانت تتوقعه الأسواق قبل أشهر قليلة.