ملخص
يرى المتخصصون في الأوبئة أن هذه اللحظة ربما مثلت إحدى أولى حوادث الانتشار الفائق للفيروس، لأن جثامين ضحايا إيبولا تعد شديدة العدوى وقادرة على نقل المرض عبر ملامسة سوائل الجسم.
أكد المسؤول الإداري لأحد الأحياء في مونغبوالو جوزيف بايي موتي أن عدداً من السكان فسروا الوفيات المتعاقبة على أنها انتقام روحي أو عقوبة فرضتها أرواح الأسلاف نتيجة انتهاك حرمة الموتى، وليس نتيجة انتشار فيروس إيبولا.
شكلت حادثة "التابوت المكسور" في بلدة مونغبوالو النائية شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية محوراً رئيساً في التحقيقات الوبائية الرامية إلى كشف منشأ أحدث موجات تفشي فيروس إيبولا في البلاد. ووفقاً لتحقيقات ميدانية أجرتها فرق وزارة الصحة الكونغولية ومتخصصو منظمة الصحة العالمية وشركاء الاستجابة الدولية، فإن الأنظار اتجهت إلى جنازة القس المحلي بالوكو ماكوندي دينيس، البالغ من العمر 44 سنة، الذي توفي في أوائل فبراير (شباط) الماضي بعد نقله إلى أحد مستشفيات مدينة بونيا حيث شُخصت حالته آنذاك على أنها التهاب بريتوني حاد، من دون إجراء فحص للكشف عن إيبولا بسبب عدم وجود مؤشرات رسمية إلى تفشي المرض في ذلك الوقت.
وتشير الروايات التي جمعها المحققون من سجلات المستشفيات وشهادات الأطباء وأقارب المتوفى إلى أن الجثمان نُقل من بونيا إلى مونغبوالو داخل تابوت خشبي مثبت في سيارة رباعية الدفع عبر طرق ترابية وعرة ومتهالكة. وخلال الرحلة الطويلة تعرض التابوت لتصدعات وانهيار جزئي نتيجة الاهتزازات الشديدة والحمولة الزائدة، إذ كان عدد من أقارب المتوفى يجلسون فوقه أثناء النقل. وعندما وصل الموكب إلى البلدة اكتشف المشيعون تلف التابوت، مما دفع أفراداً من الأسرة وسكاناً محليين إلى فتحه ولمس الجثمان مباشرة ونقله إلى تابوت جديد من دون أي معدات وقاية أو إجراءات دفن آمنة. ويرى متخصصون في الأوبئة أن هذه اللحظة ربما مثلت إحدى أولى حوادث الانتشار الفائق للفيروس، لأن جثامين ضحايا إيبولا تعد شديدة العدوى وقادرة على نقل المرض عبر ملامسة سوائل الجسم. وأعقب الجنازة، التي حضرها أكثر من 80 شخصاً، ظهور سلسلة من الوفيات والإصابات الغامضة في مونغبوالو خلال أسابيع قليلة، قبل أن تعلن السلطات لاحقاً تفشي سلالة بونديبوجيو النادرة من فيروس إيبولا، وهي سلالة تتراوح نسبة الوفيات الناجمة عنها ما بين 30 و50 في المئة ولا يتوافر لها لقاح معتمد حتى الآن.
تأويلات شعبية
بعد فترة قصيرة من جنازة القس دينيس، تفشى الحديث عن وجود لعنة ما، وأن التابوت الخشبي المتضرر الذي نقل فيه جثمانه قد أُحرق في ظروف غامضة بعد مراسم الدفن. ولم يتمكن أي من أقارب المتوفى أو السكان من تحديد المسؤول عن الحريق أو تقديم رواية موثقة لما حدث، إلا أن الجميع أكدوا أنهم شاهدوا لاحقاً بقايا التابوت محترقة. هذا الغموض فتح الباب أمام سلسلة واسعة من التأويلات الشعبية، خصوصاً مع بدء ظهور حالات مرضية ووفيات متتالية في المجتمع المحلي. وقد ألقى والد القس وعمه باللوم على مجموعة من الشبان المخمورين، لكنهما لم يمتلكا أي أدلة أو معلومات إضافية تفسر الحادثة.
وفي السياق الثقافي المحلي، لم يُنظر إلى إحراق التابوت باعتباره عملاً تخريبياً عادياً، بل عده كثير من السكان إهانة مباشرة لحرمة الموتى وتعدياً على تقاليد الأسلاف. وأوضح إدموند كامبالي كاتوويني، أحد زعماء مجتمع الناندي المحلي، أن التابوت المحترق فُسر لدى عدد من الأهالي على أنه اعتداء على الأرواح والأسلاف الذين يحظون بمكانة خاصة في المعتقدات الاجتماعية التقليدية للمنطقة. وازدادت هذه المخاوف بعد وقوع خلافات عائلية خلال جنازة شقيق القس الأصغر تسونغو كيندا كيندا، إذ تدخلت الشرطة إثر نزاع بين الأقارب حول فتح التابوت أثناء مراسم العزاء. وبحسب الروايات المحلية، أقدم أحد الأقارب على رفع غطاء التابوت احتجاجاً على ترتيبات الجنازة قبل أن يعيده إلى مكانه، وهو تصرف رآه كثيرون نوعاً من عدم احترام الميت وانتهاكاً لحرمة الطقوس الجنائزية.
ومع تزايد الوفيات لاحقاً، بدأت تفسيرات غيبية تنتشر بسرعة بين السكان، إذ اعتقد بعض الأهالي أن ما يحدث هو عقاب من الأسلاف الغاضبين بسبب ما جرى خلال مراسم الدفن وحوادث التابوتين المرتبطين بالقس وشقيقه. وأكد المسؤول الإداري لأحد الأحياء في مونغبوالو جوزيف بايي موتي، أن عدداً من السكان فسروا الوفيات المتعاقبة على أنها انتقام روحي أو عقوبة فرضتها أرواح الأسلاف نتيجة انتهاك حرمة الموتى، وليس نتيجة انتشار فيروس إيبولا.
شائعة التابوت المتجول
أسهمت الطبيعة المفاجئة للمرض في تعزيز القناعة بوجود لعنة، فقد شهد السكان حالات لأشخاص أصحاء نسبياً أصيبوا بأعراض حادة وتوفوا خلال أيام قليلة، الأمر الذي غذى الاعتقاد بأن قوة خارقة أو لعنة مجهولة هي السبب الحقيقي وراء ما يجري. وأشار جيريمي رايان تاميليغو، الذي كان يعمل مستشاراً جيولوجياً في المنطقة نفسها، إلى أن الارتفاع السريع وغير المفسر في أعداد المرضى والوفيات عزز رواية اللعنة في أذهان كثير من الأهالي، لا سيما في ظل غياب تفسير طبي مقنع بالنسبة إليهم خلال المراحل الأولى من التفشي.
ولم تبق هذه الروايات محصورة داخل البلدة، بل انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مونغبوالو والمناطق المجاورة. وتحول الحديث عن "التابوت الملعون" إلى ظاهرة شعبية واسعة، حتى إن فرقة موسيقية محلية سجلت أغنية مستوحاة من الشائعات المتداولة، تضمنت كلمات تتحدث عن "تابوت يتجول في مونغبوالو وينشر الدمار في طريقه". وبعد ذلك انتشرت على منصة "تيك توك" مقاطع مصورة تدعي إظهار توابيت تتحرك وحدها على الطرق الترابية أو تحلق فوق السكان المذعورين، مما أسهم في ترسيخ الرواية الخارقة لدى قطاعات من الجمهور المحلي.
كذلك ظهرت شائعة أكثر غرابة مفادها بأن التابوت المحترق أصبح يتجول ليلاً في بعض أحياء البلدة. ونقلت والدة القس، بيرثا أليكو، أنها سمعت مراراً روايات تزعم مشاهدة التابوت أثناء الليل، خصوصاً في حي شوني، مما دفعها إلى الخروج بنفسها بعد منتصف الليل للتحقق من صحة تلك المزاعم. وأكدت أنها لم تشاهد أي شيء يدعم هذه القصص، إلا أن تداولها استمر بين السكان فترة طويلة بوصفها تفسيراً للأحداث المأسوية التي شهدتها المنطقة.
وكانت النتيجة المباشرة لانتشار هذه المعتقدات تراجع الثقة بالسلطات الصحية وفرق مكافحة إيبولا، فبحلول وصول المحققين الصحيين إلى مونغبوالو في مايو (أيار)، كانت شائعات اللعنة قد ترسخت في أوساط جزء من السكان، وأصبح بعضهم ينظر إلى العاملين الصحيين بعين الريبة. ووفقاً للمحققين، تحولت هذه الشكوك في بعض الحالات إلى أعمال عنف، إذ تعرضت فرق الاستجابة لهجمات من شبان محليين، كذلك أُضرمت النيران في خيمة عزل أقيمت داخل المستشفى العام في مونغبوالو.
تهديد صحي
يُعد فيروس إيبولا من أخطر الفيروسات النزفية التي عرفها الطب الحديث، وقد جرى توثيق ظهوره أول مرة عام 1976 في قرية يامبوكو شمال زائير السابقة (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً)، حيث سجلت 318 حالة إصابة و280 وفاة، بنسبة وفيات قاربت 88 في المئة، مما جعله آنذاك أحد أكثر الأوبئة فتكاً في التاريخ الحديث. وقد استمد الفيروس اسمه من نهر إيبولا القريب من موقع التفشي الأول، في إشارة جغرافية أصبحت لاحقاً مرجعاً عالمياً لهذا المرض.
وتشير الدراسات الوبائية إلى أن الأصل الحيواني للفيروس يرتبط بالحياة البرية، مع ترجيحات قوية بأن الخفافيش تمثل المستودع الطبيعي له، حيث ينتقل منها إلى الإنسان عبر تماس مباشر أو وسطاء حيوانيين. هذا النمط من الانتقال جعل ظهور الحالات الأولى غير متوقع وصعب الرصد في المراحل المبكرة.
كذلك أظهرت التحقيقات أن تفشي المرض في بداياته لم يكن مرتبطاً فقط بخصائص الفيروس الشديدة، بل أسهمت أيضاً ظروف الرعاية الصحية في تضخيمه، فقد استخدمت أدوات طبية مثل الإبر والمحاقن بصورة متكررة داخل مرافق طبية محلية من دون تعقيم كاف، مما أدى إلى انتقال العدوى بين المرضى والعاملين الصحيين بسرعة كبيرة. ومع إدراك خطورة الوضع، جرى اعتماد إجراءات صارمة شملت العزل الطبي وتتبع المخالطين وفرض بروتوكولات دفن آمنة، وهي إجراءات أصبحت لاحقاً الأساس في الاستجابة الدولية لإيبولا.
ومنذ ذلك التاريخ، شهد الفيروس موجات متكررة في عدد من دول وسط وشرق وغرب أفريقيا، ومتفاوتة في الحجم والحدة. وبلغت إحدى كبرى هذه الموجات ذروتها في غرب القارة بين عامي 2014 و2016، حين تجاوز عدد الإصابات 28 ألف حالة، مما جعله تحولاً وبائياً عالمياً استدعى تعبئة دولية واسعة النطاق، وأعاد التأكيد أن إيبولا ليس حدثاً عابراً بل تهديداً صحياً متجدداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
معتقدات راسخة
تكشف قصة "التابوت المكسور" أن التحدي الحقيقي في مواجهة إيبولا لا يكمن دائماً في الفيروس نفسه، بل في البيئة الاجتماعية التي ينتشر داخلها، فخلال موجات التفشي المتعاقبة في وسط وغرب أفريقيا، اصطدمت فرق الاستجابة الصحية بمعتقدات راسخة تربط الأمراض الغامضة بالسحر واللعنات والأعمال الروحية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى تأخير اكتشاف الإصابات ومنح الوباء فرصة للانتشار بعيداً من أعين السلطات الصحية.
ومن أكثر القصص تداولاً في الأدبيات الأنثروبولوجية الخاصة بإيبولا ما حدث في مناطق من غينيا، حيث اعتقد بعض السكان أن الوفيات المتسارعة لم تكن ناجمة عن فيروس معدٍ، بل عن أعمال سحرية نفذها خصوم أو أفراد من مجتمعات مجاورة. وبدلاً من التوجه إلى المراكز الصحية، لجأت عائلات إلى معالجين تقليديين ومشعوذين طلباً للحماية الروحية أو لفك ما اعتقدوا أنه سحر قاتل، وقد وثقت دراسات ميدانية أن بعض المرضى تنقلوا بين عدد من المعالجين قبل وصولهم إلى المستشفيات، الأمر الذي أدى إلى توسيع دوائر المخالطة ونقل العدوى إلى أشخاص آخرين.
وفي شرق الكونغو الديمقراطية، واجهت فرق مكافحة إيبولا روايات مشابهة ربطت المرض بقوى خارقة أو مؤامرات خفية، بينما انتشرت شائعات عن امتلاك بعض المعالجين التقليديين وصفات قادرة على وقف المرض، وأدى ذلك إلى توافد أشخاص مصابين إلى جلسات علاج جماعية بدلاً من الخضوع للفحص والعزل الطبي. وفي حالات أخرى، أخفت أسر وجود مرضى داخل المنازل خشية الوصمة الاجتماعية أو اقتناعاً بأن العلاج الروحي أكثر فاعلية من التدخل الطبي.
وتشير أبحاث الأنثروبولوجيا الطبية إلى أن هذه الظواهر لا تعكس جهلاً بالضرورة، بل تنبع من أنظمة تفسير محلية متجذرة تاريخياً، تلجأ إليها المجتمعات عند مواجهة أحداث مفاجئة يصعب فهمها. ولهذا يرى الباحثون أن قصة "التابوت المكسور" ليست حادثة استثنائية، بل حلقة جديدة في نمط متكرر يظهر عندما يسبق تفسير السحر والشعوذة التفسير العلمي، فيتحول المرض من أزمة صحية إلى أزمة اجتماعية تعقد جهود احتوائه وتمنحه مجالاً أوسع للانتشار.