Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بطولة كأس العالم أو مونديال الإعلانات

تتسابق العلامات التجارية في استقطاب كبار الرياضيين وتصميم حملات مليونية لصنع لحظات عاطفية تربط مشجعي الكرة بمنتجاتها

التسويق للمونديال وسيلة مفضّلة لدى كبرى العلامات التجارية التي تحقق مكاسب مالية وثقافية أيضاً (ذكاء اصطناعي)

ملخص

سباق الإعلانات الموازي في مونديال كأس العالم، أصبح صناعة مستقلة بذاتها، بل إن بعض تلك الحملات التي صممت بعناية تبقى عالقة في الأذهات لعقود وربما ترسخ في الذاكرة أكثر من أداءات اللاعبين في الملعب، إنه اقتصاد ضخم يستثمر اللحظات العاطفية والهوس بلعبة الكرة، ويحولها لمكسب تجاري يروج له اللاعبين الأكثر شعبية في العالم

بينما يتسابق لاعبو كرة القدم ضد بعضهم بعضاً داخل المستطيل الأخضر، متهافتين على المرمى باقتتال حقيقي، وبخاصة في حدث كروي عالمي بارز نحو كأس العالم، فإن هذه الأجواء المشتعلة تهدأ تماماً حينما يلتقي هؤلاء اللاعبون في إعلان تجاري مرتبط بالمناسبة نفسها، إذ تسود روح التعاون والمودة من أجل إعلاء شأن السلعة التي يروج لها، ويتحول أعداء الملعب إلى أصدقاء وديعين يجتمعون لتحقيق غرض مشترك، ويبذلون في سبيل ذلك أفضل أداء لديهم، مع الفارق أن جميعهم يسددون الهدف في الجهة نفسها. لا مشاحنات ولا تربص أو مراوغة. فما يفسده الملعب تصلحه الإعلانات المليونية التي تتحول إلى مونديال موازٍ أكثر مضمونية من مفاجأة المباريات التي تكسر التوقعات عادة، ويخرج منها أحد الفريقين حزيناً منكسراً بينما الكل رابح في المحتوى الإعلاني.

على رغم أن الهدف الترويجي للحدث الرياضي تجاري بالأساس، فإن حتى اقتصادات إعلانات كأس العالم دأبت كبرى الشركات على تحويلها إلى لحظات عاطفية بعضها أيقوني، ويبقى في الذاكرة عقوداً، إذ ترغب العلامات التجارية في أن تكون منتجاتها جزءاً من هذا الشغف العارم، وهذا الهوس بلعبة كرة القدم، وهذا الجنون الحماسي الذي يجعل المشجعين يشاهدون فرق المنتخبات الوطنية المفضلة وهم على أطراف أصابعهم، يطمحون لأن يكونوا جزءاً راسخاً من ثقافة تلك اللعبة، ولهذا يأتون كل أربعة أعوام بأفكار مبهرة تضم أساطير الملاعب من الشرق والغرب، في محاولة لصنع أساطير موازية، فحتى من لم يلتقيا أبداً في ساحة اللعب يمكن لأفكار المعلنين أن تجمعهم بكل بساطة.

 

وسواء كانت تلك المنتجات، ملابس رياضية أو مشروبات أو مأكولات سريعة أو حتى سيارات وبطاريات وألعاباً فإنها تسعى لتقديم رؤية تربط بين السلعة التي تقدمها ونجوم الكرة ومن ثم الجمهور المستهلك، الذي ينجذب إلى المحتوى الجيد حتى لو لم يكن مهتماً بعالم كرة القدم من الأساس، إذ تتمكن هنا من الوصول إلى شرائح واسعة وأجيال جديدة، وفي حين أن اقتصاد المونديال يتضمن مئات البنود، فإن الحملات الإعلانية المصاحبة المصممة خصيصاً للتظاهرة تعد من أبرزها، ناهيك بالإعلانات المصاحبة للبث المباشر التي تتحدث التقارير عن وصولها إلى أرقام غير مسبوقة في هذه النسخة من المونديال.

إنفاق إعلاني غير مسبوق

وفقاً لـ"فوربس" فإن الإنفاق الإعلاني على مونديال 2026 يتجاوز 10 مليارات دولار أميركي، فيما من المنتظر أن يحقق الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) عوائد تصل إلى 9 مليارات دولار، بسبب عقود البث ونقل المباريات، إضافة إلى الشراكات مع العلامات التجارية. كذلك تتحدث التقارير الاقتصادية عن استغلال التوقف الإجباري لشرب المياه الذي يطبق في هذه النسخة للمرة الأولى خوفاً من الإجهاد الحراري للاعبين، لمصلحة بند التسويق السلعي أيضاً، إذ قد يصل سعر الإعلان الواحد خلال تلك الفترة إلى أكثر من 9 ملايين دولار، إذن الإعلان يضع المونديال في قمة أنشطة الترفيه في العالم.

لهذا لاحظت الجماهير اهتمام الشركات الكبرى بالمحتوى الإعلاني هذا العام بصورة قد تفوق أي نسخة سابقة، فنجم رياضي معتزل مثل ديفيد بيكهام يشارك في ثلاثة إعلانات دعائية في الأقل، أحدها يظهر به أيضاً محمد صلاح، وهو لمصلحة إحدى شركات المياه الغازية الشهيرة. وينافس بيكهام، الذي يعد مرادفاً لكرة القدم بالنسبة إلى شريحة هائلة من الجماهير على رغم غيابه الطويل عن الملاعب، أسماء قوية لا تزال تطوي المستطيل الأخضر ذهاباً وإياباً بينهم ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو ولامين يامال.

 

وبالنسبة إلى البارزين نجمي منتخبي البرتغال والأرجنتين، رونالدو وميسي، فهما الرقم الصعب في منافسات الإعلانات دوماً، وفي حين كسرا الإنترنت قبيل مونديال قطر منذ أربعة أعوام بظهورهما معاً يلعبان الشطرنج في حملة دعائية لمصلحة إحدى الحقائب الفاخرة، وجرى تداول معلومات وقتها عن تجاوز أجرهما معاً 4 ملايين دولار أميركي، فهما يعودان هذا العام أيضاً في إعلان لمصلحة إحدى شركات الألعاب، إذ يتسابقان مع كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور على وضع القطعة الناقصة في مجسم كأس العالم، قبل أن يجري حل المأزق بحيلة كان لا بد منها، ويكون الفوز من نصيب شخص خامس غير متوقع.

بصمات هوليوودية في إعلانات المونديال

أما إحدى أشهر ماركات الملابس الرياضية، التي ارتبط اسمها برعاية كبرى بطولات الساحرة المستديرة، فقد حاولت أن تلعب اللعبة أولاً مع المشجعين، إذ اختارت في حملتها أن تبدأ القصة من باب الجماهير، لكن الأمر يتطور في ما يشبه الفيلم القصير، الذي يحمل بصمات هوليوودية بظهور النجم تيموثي شالاميت، الذي يبدو متأثراً للغاية وهو يحكي مفارقات غير عادية حدثت على مدار تاريخ اللعبة، بينما لا يمر الموقف دون ظهور خاطف وساحر للثلاثي الذي تتكرر مشاركاته كثيراً في حملات إعلانات مونديال 2026، وهم ميسي وبيكهام ويامال، ويتألق فيه أيضاً زين الدين زيدان نجم المنتخب الفرنسي المعتزل وصاحب اللمسات الساحرة والمواقف التي لا تُنسى في اللحظات الحاسمة.

 

وبلمسة هوليوودية أيضاً وبفيديو مدته ست دقائق يأتي إعلان "مزق السيناريو" ليتربع على عرش حملات كأس العالم 2026، وهو بلمسات شركة منتجات رياضية بارزة كذلك، ويغلب على الإعلان طابع التشويق والحركة والأكشن والفكاهة كذلك، وبخاصة حينما يظهر الممثل الشهير تشانينج تيتوم في دور دوبلير نجم المنتخب النرويجي هالاند.

إضافة إلى مشاركة نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان مع طفلها المهووس بكرة القدم سانت ويست، والمفاجأة أيضاً تكتمل بظهور أسطورة السلة ليبرون جيمس، فيما تلف الكرة وتدور بين أرجل اللاعبين في أروقة الاستوديو وفي الهواء الطلق وفي كل مكان يوجدون به وكأنها تسرق عقلهم وأرجلهم، بينما يبدو كريستيانو رونالدو عصبياً في مشهد عرقلة يجمعه بالهولندي فيرجيل فان دايك لاعب خط الدفاع.

لحظات عاطفية باهظة الثمن

ارتبط كأس العالم في أذهان الجماهير الأقدم بإعلانات نجم منتخب الأرجنتين الراحل دييغو مارادونا منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي مع إحدى شركات المياه الغازية، إذ ألهمت موهبته الفريدة وشخصيته الاستثنائية الشركات بطبيعة الحال، وشكل حضوره توليفة ناجحة مع أكثر من منتج، لينفتح بعدها الباب على مصراعيه أمام استثمار المعلنين في نجوم الكرة الأكثر شعبية، وانطلقت من بعدها مسيرة العلامات التجارية الرياضية التي حققت سمعتها بهذا النمط من الإعلانات المونديالية التي تتكلف الملايين.

وتعلق محبو اللعبة لا سيما تزامناً مع كأس العالم بالإعلانات التجارية التي تحمل دوماً جانباً قصصياً يملس العاطفة ويخاطب أحلامهم بالفوز والتتويج، ويذكرهم بمذاق الحماسة وهتافات التشجيع، وكان الساحر البرازيلي رونالدو الظاهرة من أبرز من ظهروا في تلك الحملات وبخاصة منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، وهو يحضر في مونديال هذا العام أيضاً بحملة دعائية لأحد المشروبات تخاطب جماهير البرازيل التي تطمح بالعودة لمنصات التتويج بعد غياب يقترب من ربع قرن.

 

استراتيجيات التسويق المعتمدة على مشاعر المشجعين أثبتت على مدار أعوام نجاحها في الرهان على لعبة كرة القدم على وجه التحديد، حتى بات لفظ المونديال وحده كفيلاً بأن يثير عاصفة من الذكريات الشخصية المتشابكة مع العلامات التجارية الفخمة، التي حققت هدفها بأن تجعل شعاراتها وألوانها حاضرة في القلوب التي تغني وتصرخ وتبكي فرحاً وتبحث عن كل ما يخص لاعبي كرة القدم الأكثر موهبة، ولهذا يتفنن مبدعو قصص الإعلانات كل أربعة أعوام في تقديم الأفضل، ويلعبون على تيمات مثل التمرد والحرفية والأمل في أن يجد الموهوب فرصته مهما كانت ظروف نشأته صعبة.

وهو ما جسده إعلان إحدى شركات المنتجات والأحذية الرياضية في نسخة مونديال ألمانيا 2006، إذ كان الملعب الترابي في الحي الفقير هو ساحة الأحلام لطفلين صغيرين يتخيلان اللعب بفريقين يضمان أهم اللاعبين في ذلك الوقت، وكان بينهم زين الدين زيدان وكاكا وديفيد بيكهام، وأرين روبن وراؤول غونزاليس، إذ لمس الإعلان بصورة جوهرية حقيقة اللعبة المرتبطة بالمتعة أولاً لا الرفاهية.

فرصة ذهبية للتأثير الثقافي

التأثيرات الثقافية العابرة للحدود لكرة القدم، تمثل قمة ما يمكن أن تحققه العلامات التجارية، ولهذا فإن سباق مونديال الإعلانات يتطور وتتضاعف معدلات إنفاقه بصورة مذهلة، إذ تعدها المؤسسات صفقة رابحة مهما كانت حجم الإنفاق، فالعائد لن يكون اقتصادياً فحسب، إنما طريقة في التسويق طويلة الأمد ولن تنمحي بسهولة من الأذهان، إذ انتبهت الشركات منذ وقت طويل لقيمة الحدث، وبدأت إنتاج سلاسل ملحمية في هذا المجال، ومنها سلسلة "اكتب المستقبل" التي ترافقت مع مونديال جنوب أفريقيا عام 2010، إذ اعتمدت على أسماء نجوم الكرة المشاهير والماهرين، بينهم كريستيانو رونالدو، وهم يرسمون سيناريوهات مستقبلية لحياتهم ونجوميتهم وأدائهم على أرض الملعب، كما ظهر بالإعلان أيضاً عدد من الرياضيين البارزين في مجالات أخرى مثل كرة السلة.

 

نفس العلامة قدمت واحداً من أكثر الإعلانات رسوخاً في الأذهان، الذي ارتبط بمونديال كوريا الجنوبية واليابان 2002، إذ تنافس فيه مجموعة من اللاعبين الأكثر مهارة على وجه الأرض في ذلك الوقت، وعلى رغم أنهم متقاعدون في الوقت الحالي، لكن تأثيرهم الكبير في المجال الرياضي سواء على المهووسين بالكرة أو حتى المشاهد العادي لا يزال قوياً وحاضراً، ومن أبرز من ظهروا في تلك الحملة روبرتو كارلوس وتييري هنري ورونالدينيو، ورونالدو نازاريو، وفرانشيسكو توتي، وآخرون كونوا فرقاً صغيرة، واشتبكوا داخل ما يشبه الأقفاص، وتسابقوا على التسديد، إذ كانت غالبية الهجمات ارتجالية بالفعل.

وبخلاف الإعلانات ذات الصبغة العالمية، فإن العلامات التجارية البارزة أيضاً تقدم نسخاً محلية من الحملات الترويجية في موسم كأس العالم، وهو أمر ملحوظ بشدة في نسخة المونديال الأكبر هذا العام، التي تستمر لمدة 40 يوماً ويتابع مبارياتها الـ104 التي تقام في 16 مدينة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، مليارات من البشر، بعد توسع البطولة لتشمل 48 فريقاً بدلاً من 32 فحسب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سباق محلي

ففي مصر على سبيل المثال ظهرت حتى الآن ست حملات إعلانية مرتبطة بنجوم المنتخب، وغالبيتها تتبع شركات الاتصالات، وكان لافتاً إلى أن المشاهدين تداولوا تلك الإعلانات المكتوبة بسيناريوهات ذات طبيعة كوميدية لافتة، على اختلاف اهتماماتهم، فشريحة لا بأس بها منهم لا تتابع منافسات الساحرة المستديرة ولا تعرف متى يبدأ كأس العالم ولا متى ينتهي.

لكن الإعلانات الجاذبة والمثيرة للجدل وجدت مساحتها لديهم مع ذلك. لا سيما أن كثيراً منها ذهب إلى "النكتة" ولعب على فكرة متداولة شعبياً حول عدم وجود فرص أو حظوظ للمنتخب المصري في ظل المنافسة الشرسة الحالية، استناداً إلى أدائه السابق في البطولة، وعلى رغم أن هذا الخطاب وجد انتقادات حادة أيضاً، ووصف بأنه توجه انهزامي لا يليق ويتعامل مع التأهل والمشاركة كأنها نوع من العبث، ولهذا من المستغرب أن يشارك فيه اللاعبون تحت غطاء أنهم يواجهون المشككين إلا أن الإعلانات حققت انتشاراً ضخماً، وشوهدت ملايين المرات على رغم نبرة السخرية التي سيطرت بصورة شبه متطابقة على أكثر من حملة إعلانية لشركات مختلفة.

 

فيما كان أشهرها ظهور اللاعبين مع معارفهم وذويهم يحاولون إقناعهم بأنهم سيتجاوزون دور المجموعات ولن يعودوا سريعاً، وسوف يلعبون بهدف تحقيق إنجازات أكبر، سواء أحمد فتوح الذي يجد أن مصفف شعره لا يصدق هذا الوعد بل يصر على أن يقص له شعره بصورة متوسطة لثقته بأنه سيعود من المونديال قريباً، كذلك ظهور محمد صلاح في إعلان آخر مع الفنان مصطفى غريب، والأخير أيضاً يتندر معه على كون المنتخب سيخرج سريعاً من المنافسات، بينما اللاعب الدولي يبدو يائساً من إبعاد تلك الفكرة عنه.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات