Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضحايا الاتجار بالبشر في المغرب... حماية قانونية وهشاشة اجتماعية

تشير أرقام رسمية حديثة إلى أن الاستغلال الجنسي يمثل النسبة الأكبر من ملفات تلك الآفة

يقول باحثون إن المغرب سعى إلى إرساء ترسانة قانونية متينة لمحاربة جرائم الاتجار بالبشر (أ ف ب)

ملخص

على رغم وجود ترسانة قانونية متقدمة في المغرب لحماية ضحايا الاتجار بالبشر أفضت إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الإجراءات الحمائية، فإن هؤلاء الضحايا ما زالوا يواجهون كثيراً من العراقيل والإشكالات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تحول حياتهم إلى ما يشبه "السجن المفتوح".

 

حتى بعد الإفلات من قبضة المستغلين، يواجه ضحايا جرائم الاتجار بالبشر في المغرب، سواء ارتبطت بالاستغلال الجنسي أو الهجرة غير النظامية أو التسول أو العمل في المنازل والقرى الفلاحية وغيرها، إكراهات ميدانية جسيمة وتحديات اجتماعية وقانونية ونفسية متعددة.

وعلى رغم وجود ترسانة قانونية متقدمة لحماية ضحايا الاتجار بالبشر أفضت إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الإجراءات الحمائية، فإن هؤلاء الضحايا ما زالوا يواجهون كثيراً من العراقيل والإشكالات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تحول حياتهم إلى ما يشبه "السجن المفتوح".

معطيات رسمية

تفيد آخر المعطيات الرسمية التي كشف عنها رئيس النيابة العامة هشام البلاوي بأن عدد التدابير الحمائية الموجهة لضحايا الاتجار بالبشر ارتفع من 55 إجراء فقط عام 2022 إلى 400 إجراء خلال عام 2025 مما يعكس، بحسبه، تبني المملكة "مقاربة شمولية تضع حماية الضحايا وصون كرامتهم في صلب الأولويات".

وأوضح أن السياسة الجنائية المعتمدة لا تقتصر على الجانب الزجري والعقابي، بل ترتكز أيضاً على مقاربة إنسانية تجعل الضحية محور الاهتمام، من خلال توفير الحماية القانونية والدعم النفسي والاجتماعي، مع توسيع نطاق الاستفادة ليشمل الضحايا غير المباشرين المتأثرين بهذه الجرائم.

وفي السياق ذاته، تشير أرقام رسمية حديثة إلى أن الاستغلال الجنسي يمثل النسبة الأكبر من ملفات الاتجار بالبشر، تليه قضايا الهجرة غير النظامية، ثم التسول والعمل القسري في المنازل أو القرى الفلاحية، فضلاً عن الاستغلال في ارتكاب أفعال إجرامية أو التورط في النزاعات المسلحة.

وتظهر المعطيات الرسمية أيضاً أن الإناث يمثلن الفئة الأكثر تعرضاً لجرائم الاتجار بالبشر بنسبة 64 في المئة، مقابل 36 في المئة للذكور، مما دفع المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى اعتبار النساء من أكثر الفئات هشاشة وعرضة لهذه الجرائم، بخاصة تلك المرتبطة بالاستغلال الجنسي.

ترسانة قانونية

يقول الباحث في العلوم القانونية الشرقاوي القاسمي إن المغرب سعى إلى إرساء ترسانة قانونية متينة لمحاربة جرائم الاتجار بالبشر من خلال سن القانون رقم 27.14 لعام 2016 الذي جاء منسجماً مع التشريعات والاتفاقات الدولية ذات الصلة.

وأوضح أن "من أبرز ما جاء به هذا القانون توسيع مفهوم جريمة الاتجار بالبشر ليشمل التجنيد والاستدراج والإغواء والنقل والإيواء والاحتيال وكل الممارسات المرتبطة باستغلال الأشخاص، سواء في الدعارة أو الهجرة غير النظامية أو أعمال السخرة وغيرها من أنواع الاستغلال".

وأضاف أن "هذه الترسانة القانونية، فضلاً عن إحداث لجنة وطنية لتنسيق إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه، تشكلان مبادرتين مؤسساتيتين تهدفان إلى توفير الحماية للضحايا، ولا سيما النساء والقاصرين باعتبارهم من أكثر الفئات هشاشة واستهدافاً من قبل الشبكات الإجرامية".

لكن القاسمي لفت إلى أن "وجود هذه القوانين ونشاط اللجنة الوطنية لا يحجبان واقعاً آخر يتمثل في معاناة الضحايا من عراقيل وتحديات متعددة، أبرزها الوصم الاجتماعي الذي يلاحقهم، خصوصاً في قضايا الاستغلال الجنسي".

وأردف أن "المرأة التي تقع ضحية لشبكات الاستغلال الجنسي تتعرض في كثير من الأحيان للتنمر أو الانتقادات المجتمعية، على رغم أنها تُعد ضحية في نظر القانون وليست مسؤولة عما تعرضت له".

إكراهات ومعضلات

من جانبه توقف مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان عبد الإله الخضري عند الندوب النفسية العميقة التي يخلفها الاتجار بالبشر لدى ضحاياه، مشيراً إلى حالات حادة من اضطراب ما بعد الصدمة المركب، والانهيار الكامل لتقدير الذات، وهي اضطرابات تتطلب مواكبة من أطباء نفسيين ومعالجين متخصصين في صدمات الاستغلال، وهو تخصص نادر ومكلف.

وأضاف أن الوضع يزداد تعقيداً عندما يطور الضحايا ما يعرف بـ"متلازمة الطاعة القسرية" أو الخوف المرضي من المستغل، مما يدفع بعضهم إلى إنكار تعرضه للاستغلال أو رفض التعاون مع المتخصصين الاجتماعيين، بدافع الخوف أو الشعور بالذنب، مما يجعل عملية إعادة البناء النفسي شديدة الصعوبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشرح الخضري أن "الضحايا يصطدمون كذلك بجدار ثقافي واجتماعي صلب، حيث يظل الوصم المجتمعي يلاحقهم، بخاصة النساء والأطفال الذين تعرضوا للاستغلال الجنسي أو التسول القسري، إذ يحملهم بعض الأشخاص مسؤولية ما وقع لهم، مما يعرقل جهود إعادة الإدماج الأسري والاجتماعي".

وأضاف أن "هذا الفشل في الإدماج يرتبط أيضاً بغياب برامج حكومية فاعلة للتمكين الاقتصادي والبديل التنموي"، موضحاً أن جمعيات المجتمع المدني، مهما وفرت من رعاية ومواكبة خلال فترة محددة، تبقى عاجزة عن توفير فرص شغل أو تكوين مهني يضمن الاستقلال المالي للضحايا، مما يرفع من احتمال سقوطهم مجدداً في قبضة شبكات الاتجار بالبشر بسبب الحاجة والهشاشة الاجتماعية.

وأكد الخضري أن هذه المعضلة تتفاقم عندما يتعلق الأمر بالضحايا الأجانب من المهاجرين، إذ تتداخل عوائق اللغة واختلاف الثقافات وغياب الوثائق القانونية وصعوبة التنسيق مع سفارات بلدانهم الأصلية، لتجعل من مسار المواكبة عبئاً يفوق في كثير من الأحيان القدرات الاستيعابية والتدبيرية المتاحة للمجتمع المدني.

أشواك حقوقية

واستفاض الخضري في الحديث عن التحديات التي تواجهها المنظمات الحقوقية في مواكبة ضحايا شبكات الاتجار بالبشر، مؤكداً أنها "تجد نفسها أمام ضحايا سُحقت كرامتهم تحت وطأة الاستغلال بمختلف أنواعه".

وأوضح أن الترافع عن حقوق هؤلاء الضحايا، فضلاً عن إيوائهم وحمايتهم ومواكبتهم، تشكل سلسلة يومية من التحديات القانونية والمادية والنفسية والاجتماعية، تجعل من عملية الإنقاذ وإعادة التأهيل مساراً معقداً ومليئاً بالعراقيل.

وأردف أنه في كثير من الحالات، وبسبب غياب آلية مؤسساتية فورية وفاعلة للحماية، تجد الجمعيات نفسها عاجزة عن التدخل السريع لإنقاذ ضحايا شبكات البغاء القسري أو العمل بالسخرة، لأن المنظومة القضائية قد تضعهم في البداية ضمن خانة المتابَعين بموجب القانون الجنائي، بتهم مرتبطة بالفساد أو الهجرة غير النظامية، مما يفرض على الهيئات الحقوقية خوض مسار قانوني طويل لإثبات صفتهم كضحايا وليس كجناة.

وتابع أن "هذا المأزق الإجرائي يتعمق بسبب غياب مسارات واضحة وموحدة للتنسيق بين الشرطة القضائية والمحاكم وجمعيات المجتمع المدني، مما يؤخر التدخل العاجل لإنقاذ الضحايا، في وقت تفتقر هذه الجمعيات إلى آليات متينة لحماية الشهود والضحايا من تهديدات الشبكات الإجرامية وانتقامها".

أما على مستوى البنية التحتية والموارد اللوجستية، فأوضح الخضري أن الصعوبات تتجلى أساساً في محدودية مراكز الإيواء الآمن، مشيراً إلى أن "المغرب يعاني نقصاً مزمناً في المراكز المتخصصة حصرياً في استقبال ضحايا الاتجار بالبشر، مما يضطر الجمعيات إلى إيوائهم في مراكز عامة مخصصة للنساء ضحايا العنف أو للأطفال في وضعية صعبة، مما يحد من فاعلية التكفل بهذه الفئة وخصوصية حاجاتها".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير