ملخص
دفعت الحرب الممتدة في الشرق الأوسط مؤسسات التصنيف العالمية إلى رفع توقعاتها لأسعار النفط والغاز، مع استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، فيما يُتوقع أن تحقق شركات الطاقة الكبرى عائدات أعلى، على رغم تباطؤ نمو الطلب العالمي على الطاقة.
كانت تقديرات الأسواق وشركات الأبحاث والاستشارات بداية الحرب على إيران تؤكد أنها لن تستمر أكثر من أسابيع عدة، وبالتالي فإن الارتفاع في أسعار النفط والغاز سيكون موقتاً، إذ لن تكون صدمة الطاقة طويلة الأمد.
لكن مع تجاوز الصراع في الشرق الأوسط ثلاثة أشهر، وعدم ظهور مؤشرات جدية على نهايته، تعيد كل المؤسسات الكبرى في العالم النظر في تقديراتها لأسعار النفط والغاز في المديين القصير والمتوسط، وفي هذا السياق أصدرت مؤسسة "فيتش" للتصنيف الائتماني تقريراً هذا الأسبوع رفعت فيه تقديراتها لأسعار النفط والغاز، بخاصة في أوروبا، على المدى القصير.
ونتيجة استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، حيث يمر خُمس النفط العالمي (نسبة 20 في المئة تقريباً) عبر الخليج، عدّلت المؤسسة تقديراتها لأسعار النفط والغاز خلال عامي 2026 و2027، استناداً إلى احتمال إعادة فتح مضيق هرمز في يوليو (تموز) المقبل.
وبدت الزيادة المتوقعة في أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا أكبر مع استمرار الاضطراب في إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر عبر الخليج ومضيق هرمز، وكذلك الضرر الذي أصاب منشأة تسييل الغاز القطرية في رأس لفان، فقبل الحرب كان يمر عبر مضيق هرمز 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام، و5 ملايين برميل يومياً من مشتقات التكرير.
وكان التقدير السابق للمؤسسة أن اضطراب الإمدادات يمكن أن يستمر ما بين شهر أو شهرين، أما التقديرات الجديدة هذا الأسبوع فتفترض استمراره خمسة أشهر، وذلك على أساس أن إعادة فتح مضيق هرمز ستحدث سريعاً، ربما بحلول الشهر المقبل، وإن كانت عودة انسياب الإمدادات إلى وضعها السابق ستستغرق وقتاً أطول.
ويستند التقييم الجديد إلى فرضية أنه بمجرد إعادة فتح المضيق فسينتعش الإنتاج بسرعة، خصوصاً في المناطق التي توقفت فيها الآبار موقتاً مع صعوبة التصدير واستنفاد طاقة التخزين، وكذلك فإن النفط المخزن على الناقلات المتوقفة في المياه سيُطرح في السوق على الفور، ويشير التقرير إلى أن سياسة منظمة أوبك وتحالف (أوبك+) بزيادة الإنتاج ستعني في هذه الحال العودة لمستويات العرض السابقة على الحرب وأكثر، ونتيجة ذلك، ضمن سيناريو عودة الإنتاج وانسياب الإمدادات في غضون أسابيع من نهاية الصراع وفتح مضيق هرمز، يمكن أن يصبح هناك فائض في المعروض في سوق النفط يضغط على الأسعار نزولاً.
ويُتوقع أن يظل متوسط أسعار النفط خلال الفترة من مايو (أيار) إلى يوليو المقبل عند مستوى 100 دولار للبرميل، لكن الأسعار يمكن أن تنخفض إلى 70 دولاراً للبرميل في المتوسط بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل، بحسب تقديرات مؤسسة "فيتش".
ويتوقع أيضاً أن تعود الدول الأعضاء في منظمة "أوبك" للإنتاج بأقصى طاقتها لتعويض الفاقد التصديري خلال الحرب وإغلاق مضيق هرمز، إذ كانت لدى دول "أوبك" قبل الحرب سعة إنتاج إضافية تُقدر بنحو 3.6 مليون برميل يومياً، سيُضاف إليها بعد نهاية الصراع عودة ملايين البراميل التي توقف إنتاجها نتيجة الحرب واضطراب التصدير.
ويُتوقع أن يزيد إنتاج النفط من الدول خارج تحالف (أوبك+) بنحو 3 ملايين برميل يومياً، يأتي القدر الأكبر من تلك الزيادة من الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية بنحو 1.2 مليون برميل يومياً، إضافة إلى نحو مليون برميل يومياً من كازاخستان وفنزويلا.
اختلال معادلة العرض والطلب
ما لا يذكره تقرير "فيتش" أنه حتى قبل بدء الحرب كانت سوق النفط العالمية تشهد اختلالاً في ميزان العرض والطلب لمصلحة العرض، مما تسبب في توافر معروض زائد بنحو مليوني برميل يومياً، وعلى رغم انضباط سياسة إنتاج دول تحالف "أوبك+" لكن الزيادة التي أدت إلى فائض العرض جاءت من إنتاج الدول خارج التحالف.
وخلال الفترة من مارس (آذار) إلى أبريل (نيسان) الماضيين، جرى تعويض سوق النفط العالمية بالإفراج عن 400 مليون برميل من مخزونات الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، وانخفض الطلب العالمي على النفط بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً، ويُقدر تقرير المؤسسة أنه مع استمرار الاضطرابات لخمسة أشهر، فستحتاج السوق إلى انخفاض الطلب بمقدار 5 ملايين برميل يومياً، لتصل إلى توازن معادلة العرض والطلب.
وفي يناير (كانون الثاني) 2026 كانت مخزونات النفط العالمية عند 8.2 مليار برميل، وهو مستوى عال جداً مقارنة بالمخزونات عام 2020، وبالتالي فإنه يكفي لسد النقص في المعروض نتيجة إغلاق مضيق هرمز مدة عام، ومن الطبيعي بعد انتهاء الصراع وعودة الإنتاج أن تبدأ الدول في ملء مخزوناتها، مما سيعني ارتفاع الطلب على النفط بأكثر من معدلات الاستهلاك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما بالنسبة إلى الغاز الطبيعي فإن اضطراب الإمدادات من الخليج عبر مضيق هرمز، نتيجة تعطل الغاز الطبيعي المسال من قطر، سيجعل أسعار الغاز في أوروبا مرتفعة لما بقي من العام الحالي، وربما العام المقبل أيضاً، لأن البيانات من "هنري هب" الأميركي تعكس استنفاد الولايات المتحدة السعة الإضافية لتسييل الغاز، وبالتالي فلن يستطيع مصدرو الغاز الأميركيون الاستفادة من ارتفاع الأسعار الحالي في أوروبا وآسيا.
وكذلك فإن عدم وجود سعة إنتاج إضافية يعني استمرار الضغط على سوق الغاز العالمية، خصوصاً الغاز الطبيعي المسال، حتى ما بعد فتح مضيق هرمز، وإلى أن تستعيد قطر العمل بالكامل في منشأة تسييل الغاز في رأس لفان.
الصورة التي يرسمها تقرير مؤسسة "فيتش" انعكست أيضاً في تقرير هذا الأسبوع لمؤسسة التصنيف الائتماني الأخرى "موديز"، والذي ركز على رفع تقديرات عائدات شركات الطاقة نتيجة استمرار الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع الأسعار.
زيادة كبيرة في العائدات
ففي أبريل 2026 أصدرت "موديز" تقريراً حول توقعات أسعار الطاقة في ضوء الحرب في الشرق الأوسط، وبالتالي زيادة عائدات شركات الطاقة، لكنها في تقرير هذا الأسبوع قدرت زيادة أكبر في العائدات مع تعديل متوسط أسعار النفط المتوقعة لهذا العام عند نطاق 90 و 110 دولارات للبرميل، مع تذبذب الأسعار خارج هذا النطاق أحياناً.
ومع توقع إعادة فتح مضيق هرمز بحلول الخريف المقبل من هذا العام، يتوقع التقرير أن تنخفض أسعار النفط إلى 80 دولاراً للبرميل في المتوسط خلال النصف الثاني من العام المقبل، وهذا يعني زيادة أكبر في عائدات الشركات، خصوصاً في أميركا الشمالية، لعدم انكشافها على الأضرار الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.
وكذلك تتوقع زيادة الربحية لعمليات التكرير وإنتاج مشتقات النفط بصورة عامة، فنتيجة زيادة أسعار الوقود في مبيعات التجزئة سيتسع هامش الربح للمصافي وشركات توزيع مشتقات البترول، وظهر ذلك بالفعل من بيانات الشركات الكبرى في إفصاحها المالي للربع الأول، مثل "إكسون موبيل" و"شيفرون" و"توتال إنيرجي"، ويشير التقرير إلى ارتفاع أرباح شركة "أرامكو" في الربع الأول 26 في المئة على أساس سنوي.
ومع ذلك لا يتوقع تقرير "موديز" أي زيادة ملاحظة في الإنفاق الرأسمالي لشركات الطاقة الكبرى، أو توزيعات الأرباح على المساهمين خلال العام الحالي، إذ ستركز الشركات على العائد الرأسمالي لها باعتباره أولوية.
وعلى رغم احتمالات عدم النمو الكبير في الطلب العالمي على الطاقة، لكن الشركات الكبرى ستستفيد من استمرار الأسعار عند متوسطها الحالي، أيضاً فإن الشركات الكبرى في الشرق الأوسط ستعوض انخفاض الإنتاج أو التصدير بالاستفادة من ارتفاع الأسعار، وهكذا ستكون المحصلة النهائية استمرار زيادة العائدات وهامش الأرباح لشركات الطاقة الكبرى عموماً.