ملخص
تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنها تسمح بإدخال كميات كافية من الوقود تحت إشراف أممي لإبقاء الأقسام الحيوية تعمل. وأن الجهات الحكومية والمحلية في غزة هي من تسيء توزيع الوقود بدلاً من توجيهه لتشغيل محطات الأوكسجين وحاضنات الأطفال.
في غرفة حاضنات الرضع الخدج داخل مستشفى الرنتيسي للأطفال، التي غابت عنها الإضاءة المنتظمة، تتسارع خطى الأطباء والممرضين في حركة أشبه بالسباق ضد الساعة، يدخلون ويخرجون بملامح يكسوها الإرهاق والوجوم، وعيونهم تتربص شاشات المراقبة التي توشك بطارياتها على النفاد.
يرقد رضيع ولد قبل أوانه لم يتجاوز عمره أياماً، يرتفع صدره الصغير ويهبط بسرعة مؤلمة، يبحث بجسده الضئيل الضعيف عن ذرات هواء تغيب عنه، أنفاسه المتهدجة والمتلاحقة تبدو كمعركة وجودية شرسة، فكل شهيق يمثل فوزاً موقتاً بالبقاء، وكل زفير يهدد بأن يكون الأخير، في وقت بات فيه الأوكسجين المتبقي في الأنابيب يلفظ أنفاسه الأخيرة.
9 محطات فقط
هذا المشهد الضاغط داخل الحاضنة ليس حالة معزولة، بل هو نافذة على كارثة صحية شاملة، إذ تعاني غزة نقصاً حاداً في غاز الأوكسجين الطبي، وبسبب هذه الأزمة باتت حياة عشرات الأطفال الخدج وحديثي الولادة في القطاع معلقة بحبل سري من الطاقة والوقود والغازات الطبية التي شحت.
بناء على بيانات وزارة الصحة في غزة، فإن العمليات العسكرية دمرت 25 محطة لإنتاج الأوكسجين من أصل 34 محطة كانت تعمل في القطاع قبل الحرب، والمحطات القليلة المتبقية تواجه خطر التوقف الكامل أو تعمل بالحد الأدنى.
حذرت وزارة الصحة من "اختناق بطيء" يهدد حياة مئات المرضى، لا سيما الأطفال الخدج في أقسام الرعاية والأوكسجين، ووصفت توقف هذه المحطات بأنه تهديد مباشر للأرواح. يقول مدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش "نتحدث عن انقطاع شريان الحياة الأساسي، محطات الأوكسجين المتبقية في غزة تحتضر".
ويضيف "إسرائيل لا تكتفي بمنع دخول الوقود الكافي لتشغيل المولدات، بل تمنع بصورة متعمدة دخول الغازات الطبية السائلة وأسطوانات الأوكسجين الفارغة، والأخطر هو احتجاز قطع غيار أجهزة التكثيف والصيانة في الموانئ والمعابر ومنع وصولها".
ويتابع البرش "أقسام الخدج والعناية المكثفة هي خط الدفاع الأخير عن أرواح هؤلاء الرضع، عندما يتذبذب تدفق الأوكسجين أو ينقطع لخمس دقائق فقط، فإننا لا نفقد مريضاً عادياً، بل نحكم على طفل ولد للتو بالموت الدماغي أو الوفاة الفورية".
ويوضح البرش أن الأطباء في غزة باتوا يواجهون معضلة أخلاقية وإنسانية قاتلة، المفاضلة بين طفل وآخر ومنح الأوكسجين لمن يمتلك فرصة حياة أكبر، هذا ليس عجزاً طبياً، هذا خنق متعمد للمنظومة الصحية أمام مرأى ومسمع العالم.
أسباب الأزمة
يعتقد المراقبون الصحيون أن أزمة الأوكسجين في غزة هي نتيجة مباشرة لهندسة اختناق ممنهجة فرضتها ظروف الحرب والحصار الصارم على المعابر، تسببت في شلل تام لأبرز مصادر التوليد والإمداد. يقول متحدث وزارة الصحة في غزة مدحت عباس "الأوكسجين في غزة لا ينقطع لأن الأجهزة معطلة، بل لأن هناك عملية خنق حقيقية للمنظومة الطبية، وأولى ركائز هذه الأزمة هي شلل المولدات ونفاد الديزل، محطات توليد الأوكسجين داخل المستشفيات هي أجهزة ضخمة تستهلك كميات هائلة من الطاقة، أصبحنا نعيش مفاضلة قاتلة يومياً ونطفئ الأقسام لنوفر الوقود لأقسام الخدج".
ويضيف عباس "الركيزة الثانية للأزمة هي التدمير المباشر للبنية التحتية. قبل هذه الحرب، كانت لدينا شبكة أمان طبي تعتمد على 34 محطة مركزية ومصنعاً لإنتاج الأوكسجين المضغوط في مختلف المحافظات. اليوم، أخرجت العمليات العسكرية المباشرة والقصف 25 محطة منها عن الخدمة تماماً بعد تدميرها".
أما التحدي الأكثر تعقيداً، يوضحه عباس في قوله "المشكلة الأعمق هي منع الصيانة، هناك كميات ضخمة من قطع غيار أجهزة تكثيف الأوكسجين والفلاتر والصمامات الخاصة بحاضنات الأطفال محتجزة لدى الجانب الإسرائيلي في الموانئ والمعابر، ويمنع نقلها لغزة بدعوى أنها مواد مزدوجة الاستخدام، وحتى الزيوت المخصصة لتبريد ضواغط الأوكسجين نفدت، مما يعني أن المحطات التي تعمل الآن مرشحة للتوقف المفاجئ أو الانفجار في أي لحظة، لتنتهي معها آخر أنفاس أطفالنا الخدج".
حجم نفاد الأوكسجين
في المستشفيات المتبقية في غزة ينكشف حجم العجز المرعب في إمدادات الأوكسجين. في مستشفيات شمال القطاع تعطلت محطة التوليد الرئيسة داخل مستشفى "كمال عدوان" كلياً نتيجة الاستهداف ونفاد الوقود، العجز فيها يصل إلى 100 في المئة تقريباً، والاعتماد الحالي يرتكز كلياً على أسطوانات الأوكسجين المتبقية التي يجري نقلها بمخاطرة عالية.
أما في مجمع "شهداء الأقصى" في المنطقة الوسطى، يواجه المستشفى الذي يخدم الكثافة السكانية الأكبر حالياً عجزاً في الأوكسجين يتجاوز 75 في المئة، إذ تعاني المولدات المغذية لمحطة التوليد تذبذباً حاداً بسبب شح الديزل.
في "مجمع ناصر الطبي" ومستشفيات الجنوب يتراوح العجز في مخزون الغازات الطبية بين 55 إلى 70 في المئة، ومستشفى الخدج يعمل فوق طاقته الاستيعابية بثلاثة أضعاف، مما يعني أن كمية الأوكسجين المتاحة تُقسم على عدد أكبر من الأطفال، وهذا يقلل من حصة كل طفل ويضعف كفاءة العلاج.
كيف ينعكس على الطفل؟
الوقت في غرف الحاضنات يقاس بالأنفاس، وفقدان الأوكسجين لزمن قصير يترتب عليه دمار بيولوجي لا يمكن عكسه في أجساد هؤلاء الأطفال الهشة، يشرح رئيس قسم الحضانة بالمجمع ناصر أحمد الفرا "الطفل الخدج يولد برئتين غير مكتملتين أساساً، ويعتمد كلياً على الأوكسجين المدفوع بضغط معين عبر الأجهزة لإبقاء الحويصلات الهوائية مفتوحة، عندما ينقطع هذا التدفق أو يتذبذب، يبدأ جسد الرضيع في الدخول بمرحلة اختناق خلوي متسارع عبر جدول زمني مرعب".
ويقول الفرا "خلال الـ60 إلى الـ120 ثانية الأولى، يصاب الطفل بحال ذعر تنفسي حادة، فيرتفع معدل ضربات قلبه بصورة جنونية محاولاً ضخ ما تبقى من أوكسجين إلى الأعضاء الحيوية، ويبدأ لون الجلد بالتحول من الوردي إلى الشاحب ثم الأزرق، عند الدخول في الدقيقة الثالثة يعجز القلب عن المقاومة، فيحدث هبوط مفاجئ وحاد في الدورة الدموية، وتبدأ الرئتان غير المكتملتين بالانهيار والانكماش الكامل، مما يتسبب في تليف فوري في أنسجة الرئة".
ويضيف الفرا "بين الدقيقة الرابعة والخامسة تقع الكارثة الكبرى التي نخشاها كأطباء، يبدأ تلف الخلايا الدماغية، حتى لو نجحنا في إنعاش الطفل يدوياً بعد الدقيقة الخامسة وعاد إليه النبض، فإننا غالباً ما نستلم جسداً أصيب بأضرار مستدامة مثل شلل دماغي كامل، أو فقدان حاسة البصر نتيجة اعتلال الشبكية الناتج من نقص الأوكسجين، أو إعاقات حركية وذهنية شديدة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قصص مأسوية… لكن إسرائيل تتنصل
خلف جدران أقسام الحضانات، يعيش الممرضون رعباً، تروي الممرضة مريم "عندما تنطلق صفارات الإنذار معلنة انخفاض ضغط الأوكسجين أو انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ، يسود القسم صمت مرعب لثانية واحدة، ثم يتحول المكان إلى ما يشبه ساحة حرب".
تجلس الأم هند على مقعد خشبي متهالك في ممر المستشفى، وعيناها لا تفارقان الحاضنة رقم (4)، ولدت طفلها في الشهر السابع بعد رحلة نزوح شاقة ومحفوفة بالأخطار، لتجد نفسها اليوم أمام معركة من نوع آخر. تقول بنبرة يملؤها القهر المكتوم "نجوت من القصف، وولدته وسط الخوف، وظننت أن أصعب المراحل قد مرت حين وضعوه في هذه الحاضنة ليمده الجهاز بالأوكسجين".
اكتشفت هند أن الخوف الحقيقي يكون عندما يتوقف المولد الكهربائي لأن الأوكسجين ينفد من الأنابيب، تضيف "أصعب فترة أعيشها حين أرى صدر طفلي الصغير يرتفع ويهبط بسرعة جنونية كأنه يركض، وأطرافه تصبح زرقاء".
وصفت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة الوضع في حضانات غزة بأنه "منطقة موت معلن"، مؤكدة أن حرمان المشافي من الغازات الطبية والوقود يمثل انتهاكاً صارخاً للمادة (20) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تكفل حماية مستشفيات الولادة والرعاية الطبية للأطفال في أوقات الحروب.
ترفض السلطات الإسرائيلية اتهامات الخنق المتعمد للمنظومة الصحية في غزة، وترجع القيود المفروضة على المعابر إلى دواع أمنية وعسكرية صارمة. يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "نلتزم بالسماح بدخول المساعدات الإنسانية والطبية، ونسمح لكثير من المعدات الطبية وقطع غيار أجهزة تكثيف الأوكسجين وأنابيب الغاز المضغوط، بالدخول إلى غزة على رغم أنها تقع ضمن قوائم المواد مزدوجة الاستخدام".
ويضيف هيلفي "نسمح بإدخال كميات كافية من الوقود تحت إشراف أممي لإبقاء الأقسام الحيوية تعمل. الجهات الحكومية والمحلية في غزة هي من تسيء توزيع الوقود بدلاً من توجيهه لتشغيل محطات الأوكسجين وحاضنات الأطفال".