ملخص
تنفذ الولايات المتحدة عمليات سرية باستخدام مروحيات تنطلق من سواحل عُمان لمساعدة السفن التجارية على عبور مضيق هرمز بعيداً من الرصد الإيراني وتؤمن هذه العمليات مرور عدد محدود من الناقلات يومياً على رغم استمرار التوتر بين واشنطن وطهران.
تستخدم الولايات المتحدة مروحيات تنطلق من سواحل سلطنة عُمان لتوجيه السفن التجارية عبر مضيق هرمز بسرية تامة.
ووفقاً لصحيفة "التليغراف" جرى دعم عشرات السفن أثناء عبورها هذا الممر المائي الاستراتيجي، إذ قامت بإيقاف أجهزة التتبع والتعريف الآلي الخاصة بها، وغالباً ما أبحرت تحت جنح الظلام لتجنب رصدها من قبل الرادارات الإيرانية أو زوارق الدوريات.
وعلى رغم استمرار القيود والإجراءات التي تفرضها كل من الولايات المتحدة وإيران في المضيق، فإن الجانبين يسهمان بصورة غير مباشرة في تسهيل عبور ناقلات النفط، في محاولة للحد من تأثير التوترات في الأسواق العالمية وإمدادات الطاقة.
وتظل إدارة الملاحة في مضيق هرمز إحدى القضايا الخلافية في المفاوضات الجارية، إلا أن حالة الجمود الظاهرة على طاولة التفاوض وفي الممر البحري نفسه جرى تجاوزها عملياً عبر هذه العمليات العسكرية السرية، التي تضمن استمرار حركة العبور بعيداً من الأضواء.
وتضطر السفن إلى الإبحار بسرعات منخفضة نسبياً بسبب تشغيلها من دون وسائل الملاحة والتتبع المعتادة التي تسمح لها بالتحرك بسرعة أكبر، مع اعتمادها بدرجة كبيرة على الإرشادات التي توفرها القوات الأميركية المتمركزة في المنطقة والمراقبة للساحل الإيراني.
وقال الباحث البارز في معهد هدسون والقائد السابق في البحرية الأميركية برايان كلارك للصحيفة، إن الجيش الأميركي نجح خلال الأسابيع الأخيرة في تأمين عبور ما يصل إلى أربع سفن تجارية يومياً عبر مضيق هرمز، مع مراقبة مستمرة لأي تهديدات محتملة قد تصدر من الجانب الإيراني.
وأضاف أن القوات الأميركية تقيّم بصورة متواصلة ما إذا كانت هناك "أي تهديدات تنبع من إيران"، في إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على حركة الملاحة في الممر البحري الحيوي.
وأشار إلى أن عمليات العبور تتم في ظروف استثنائية، حيث تعتمد بعض السفن على التنسيق والدعم الأميركي لتفادي الأخطار الأمنية في المنطقة.
ووفق مسؤولين أميركيين، ساعدت القيادة المركزية الأميركية نحو 70 سفينة تجارية على عبور المضيق خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، بينما عمدت غالبية هذه السفن إلى إيقاف أجهزة التتبع الخاصة بها لتقليل احتمالات رصدها أو استهدافها أثناء العبور.
وتساءل كلارك، "هل هناك زوارق صغيرة تتحرك باتجاه المضيق؟ هل ظهرت منصات لإطلاق الصواريخ هناك؟ أو هل هناك طائرات مسيّرة من طراز ’شاهد‘ تنطلق من إحدى القرى؟".
وأضاف "في الأساس، توفر هذه العمليات طبقة من الرصد والمراقبة تتيح للسفن العبور عبر المضيق مع فهم أفضل لأي تهديدات محتملة قد تواجهها".
الولايات المتحدة والسير في مسار دقيق
وتحاول الولايات المتحدة السير في مسار دقيق بين حماية الملاحة وتجنب الانخراط العسكري المباشر. فمن الناحية الفنية، لا يوفر الجيش الأميركي مرافقة رسمية مكثفة لناقلات النفط والسفن التجارية، بل يكتفي بالحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة وتزويدها بمعلومات حول التهديدات المحتملة.
وأوضح كلارك أن توفير مرافقة دفاعية كاملة يتطلب "نشر سفن حربية في المنطقة لتعمل فعلياً كحراس شخصيين للسفن التجارية"، مضيفاً "وهذا هو الخط الذي لا تريد الولايات المتحدة تجاوزه".
ومع ذلك، حاولت واشنطن المضي في هذا الاتجاه لفترة وجيزة. ففي أوائل مايو (أيار) الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطلاق عملية "مشروع الحرية"، هدفت إلى مرافقة السفن العالقة وتأمين خروجها من مضيق هرمز.
غير أن الإبقاء على مثل هذه الحماية يتطلب موارد عسكرية ضخمة، إذ يحتاج الأمر إلى نحو 12 مدمرة تعمل بالتناوب، وهو ما قد يستهلك عملياً معظم القطع القتالية السطحية التي تنشرها البحرية الأميركية في الشرق الأوسط.
وقال كلارك إن الولايات المتحدة تتبع حالياً "نهجاً مختلفاً لا يتطلب بالضرورة وضع سفن حربية بين العدو والسفينة التي تسعى إلى حمايتها، مما يقلل من حجم الأخطار التي تتعرض لها القوات الأميركية".
بروتوكولات اتصال سرية
وكانت قد أكدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، في وقت سابق من هذا الأسبوع أن "القوات الأميركية لا ترافق السفن التجارية بصورة مباشرة، لكنها تستمر بالتواصل والتنسيق مع السفن التي تسعى إلى العبور بحرية وأمان عبر مضيق هرمز، وهو ممر دولي حيوي للاقتصادات الإقليمية والعالمية".
ولعبت المروحيات دوراً محورياً في هذه العمليات، إذ يمكنها التحليق على ارتفاعات تسمح برصد التهديدات المحتملة القادمة من الأراضي الإيرانية.
وأوضح كلارك أن هذا النوع من المهام "هو ما تتدرب عليه هذه المروحيات أساساً، وإن كانت تنفذه عادة ضد الدبابات والشاحنات، لكنها قادرة هنا على مراقبة الزوارق والطائرات المسيّرة".
وتستطيع المروحيات إسقاط الطائرات المسيّرة، مما قد يفسر الضربات الأميركية الأخيرة التي وصفت بأنها نُفذت في إطار "الدفاع عن النفس" ضد أهداف مرتبطة بإيران.
وأشار كلارك أيضاً إلى احتمال أن تكون الولايات المتحدة قد طبّقت بروتوكولات اتصال سرية، وربما زودت بعض السفن التجارية بأجهزة اتصال خاصة لمنع الإيرانيين من اعتراض المحادثات أو التنصت عليها.
وعموماً، تلتزم السفن التجارية مسارات ملاصقة للساحل العُماني أثناء عبورها المضيق، في محاولة للبقاء على أكبر مسافة ممكنة من المياه الإيرانية وتقليل أخطار الألغام البحرية المحتملة.
بوابة طهران
ويرى محللون أن غالبية السفن التي تعبر بهذه الطريقة هي في الأرجح سفن ترفع العلم الأميركي، نظراً إلى أنها الأكثر ميلاً للاعتماد على التوجيهات الأميركية والثقة بها، وقد تحظى سفن الدول الحليفة لواشنطن، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بأولوية في الحصول على هذا الدعم.
في المقابل، أبرمت دول أخرى، من بينها الصين والهند وباكستان، ترتيبات منفصلة مع إيران، التي أنشأت بدورها ممراً اعتبرته "آمناً" لعبور السفن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووجهت السلطات الإيرانية السفن إلى الابتعاد عن المسار الملاحي المعتاد في وسط المضيق والإبحار بالقرب من الساحل، مما يمنح الحرس الثوري الإيراني فرصة التحقق بصرياً من هوية السفن قبل السماح لها بالمرور عبر ما يصفه بعض المراقبين بـ"بوابة طهران".
وبحسب محللين في قطاع الشحن والطاقة، دفعت بعض السفن رسوماً مقابل العبور، حيث فُرض على إحدى ناقلات النفط مبلغ وصل إلى مليوني دولار مقابل السماح لها بالمرور عبر المضيق.
لكن سواء كانت السفن تعبر بموافقة إيرانية أو بدعم أميركي، فإن هذه الترتيبات تبقى حلولاً مؤقتة، فعدد السفن التي تتمكن من العبور بمساعدة عسكرية أميركية لا يمثل سوى جزء ضئيل من نحو 135 سفينة كانت تعبر مضيق هرمز يومياً في الظروف الطبيعية قبل اندلاع الحرب.
مسارات بديلة
وبدأت دول عدة بالفعل في تغيير أنماط مشترياتها وإعادة توجيه سلاسل الإمداد إلى مسارات بديلة للتخفيف من آثار إغلاق إيران لمضيق هرمز.
ويرى محللون أن حجم حركة الملاحة الذي كان يمر عبر المضيق قد لا يعود أبداً إلى مستويات ما قبل الحرب، في ظل المخاوف المستمرة من أن تعمد إيران مجدداً إلى إغلاق هذا الممر البحري الحيوي أو تقييد الحركة فيه.
وعلى رغم أن الدعم الأميركي يتيح لبعض السفن مواصلة العبور، فإن الملاحة عبر المضيق لا تزال تنطوي على أخطار كبيرة.
وقال كلارك "إذا أراد الإيرانيون فعلاً وقف مهمة (المرافقة) السرية هذه، فيمكنهم ببساطة إرسال عدد من الزوارق الصغيرة إلى المنطقة".
وأضاف أن طهران اختارت حتى الآن عدم القيام بذلك، "ربما لأنها لا ترغب في تصعيد الموقف أكثر"، وتابع "يبدو أنهم يحاولون إدارة الوضع والسيطرة عليه، بدلاً من السعي إلى وقفه بالكامل".